«الفوز بالرئاسة» يتوج حياة بايدن السياسية المخضرمة

جو بايدن (أ.ب)
جو بايدن (أ.ب)
TT

«الفوز بالرئاسة» يتوج حياة بايدن السياسية المخضرمة

جو بايدن (أ.ب)
جو بايدن (أ.ب)

توج المرشح الديمقراطي جو بايدن، البالغ 77 عاماً، حياته السياسية الحافلة، بالفوز بالرئاسة الأميركية، وهو سيدخل التاريخ بصفته الرجل الذي أسقط دونالد ترمب، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
فبعد مآسٍ عائلية ومحاولتين خائبتين للوصول إلى الرئاسة الأميركية وحملة انتخابية طغى عليها وباء «كوفيد - 19»، تمكن بايدن المخضرم في السياسة (77 عاماً) من إقناع الأميركيين بأنه شخصية توحد الصفوف في مواجهة دونالد ترمب الذي أثار انقساماً في المجتمع.
وأكد نائب الرئيس الأميركي السابق: «يمكننا طي صفحة السياسة القاتمة والغاضبة التي سادت في السنوات الأربع الماضية، آن الأوان لجمع البلاد والالتقاء مجدداً كأمة، لكن لا يمكنني القيام بذلك من دونكم».
وبقي بادين على الدوام وفياً للرسالة التي أطلقها عند إعلان ترشيحه للرئاسة في أبريل (نيسان) 2019: «نحن نخوض معركة من أجل روح» الولايات المتحدة.
وقال جو بايدن، قبل فترة قصيرة بصريح العبارة، إن خسارته أمام ترمب الذي لا يحظى بشعبية، ستعني أنه «مرشح مثير للشفقة».
لكن فوزه، حسب تقديرات وسائل الإعلام وبانتظار التأكيد الرسمي للنتائج، يتوج مسيرة سياسية بدأها في سن التاسعة والعشرين، وشهدت في بدايتها انتقالاً مفاجئاً من الانتصار إلى الألم.
ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 1972، احتفل السيناتور الشاب المنتخب عن ولاية ديلاوير محاطاً بأسرته بفوزه في الانتخابات، وبعد شهر قضت زوجته وابنته في حادث سير وأصيب نجلاه بجروح.
نمت هذه المأساة التي تبعها فقدان ابنه الأكبر عام 2015، مشاعر التعاطف التي يكنها الناخبون له، وجعل بايدن من التعاطف أحد سمات مسيرته السياسية البارزة.
في 2020، لا يزال بايدن يتمتع بطلته الأنيقة، لكن هذا المخضرم في السياسة لم يعد كما كان في أوج عهده كنائب للرئيس باراك أوباما.
فحين يكون واقفاً على المنصة يبدو واهناً أحياناً، فيما يغطي الشيب شعره، ويخشى البعض حتى في صفوف داعميه عليه من ضغط معركته الطويلة ضد دونالد ترمب (74 عاماً) الذي اعتمد أسلوباً هجومياً.
ومع أنه استأنف في نهاية أغسطس (آب) رحلاته بشكل مكثف أكثر، إلا أن امتثاله الصارم للتعليمات الصحية يلجم وجوده على الأرض، ويرى منتقدوه أن ذلك سمح له القيام بحملة انتخابية بعيداً عن الناخبين ومتجنباً في غالب الأحيان الصحافة.
ويطلق عليه دونالد ترمب ساخراً اسم «جو الناعس»، وينتقد بشدة الأسئلة التي توجهها إليه الصحافة، معتبراً أنها «موجهة لأطفال»، ولا يتوانى عن انتقاد ضعف لياقته البدنية.
ويتناقل أنصار ترمب بكثرة عبر «تويتر» تلعثم جو بايدن، كما أن فريق حملة الملياردير الأميركي يصفه بأنه «رجل عجوز يعاني الخرف».
لكن بالتأكيد سيكون فوز النائب السابق للرئيس باراك أوباما بالرئاسة، الرد الأمثل على هؤلاء، بعد فوزه بالترشح عن الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية.
ومع أن البعض اعتبره متقدماً جداً في السن ووسطياً كثيراً، تمكن بايدن من الفوز بغالبية كبرى في كارولاينا الجنوبية بفضل أصوات الأميركيين السود، حجر الزاوية لكل ديمقراطي مرشح إلى البيت الأبيض.
متسلحاً بهذا الانتصار، حشد بايدن بسرعة تأييد معتدلين آخرين، ثم هزم منافسه الرئيسي بيرني ساندرز.
خلافاً للمعركة المريرة والطويلة بين هذا الاشتراكي وهيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عام 2016، تمكن بايدن سريعاً من جمع التيار اليساري في الحزب مركزاً على هدف واحد يتمثل بإلحاق الهزيمة بدونالد ترمب.
وتبقى معرفة ما إذا كان بايدن «الموحد» المعتدل سينجح في إبقاء الوحدة بعد فوزه بالرئاسة.
وقال أوباما إنه حتى لو عرض بايدن البرنامج «الأكثر تقدمية» في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن البعض من اليسار سيعتبرونه فاتراً للغاية.
كانت المحاولة الثالثة هي الصائبة لهذا السياسي المخضرم، بعد فشل محاولتين للترشح للانتخابات التمهيدية الديمقراطية في 1988 و2008.
فخلال محاولته الأولى، اضطر سريعاً للانسحاب بعدما تبين أن خطابه تضمن عبارات مسروقة.
شغل منصب عضو مجلس شيوخ على مدى أكثر من 35 عاماً (1973 - 2009)، ثم نائب الرئيس من 2009 إلى 2017 ما مكنه من الوجود على مدى عقود في أروقة السلطة في واشنطن.
وتخللت حياته السياسية الطويلة فصولاً مثيرة للجدل، فضلاً عن نجاحات يبرزها اليوم.
في السبعينيات، وفي خضم عملية إلغاء الفصل العنصري، عارض ما يسمى بسياسة «الحافلات» التي تهدف إلى نقل أطفال سود بالحافلات إلى مدارس ذات غالبية بيضاء لتشجيع التعليم المختلط.
وأرضى هذا الموقف الناخبين البيض في ولاية ديلاوير، لكنه عاد ليطارده بعد عقود عندما أخذته عليه السيناتور السوداء كامالا هاريس، التي كانت منافسته في الانتخابات التمهيدية، في خضم مناظرة تلفزيونية.
لكن بايدن أعلن أنه «غير حاقد»، حين اختار كامالا هاريس مرشحته لنيابة الرئاسة، لتكون أول سوداء من أصول هندية تترشح لهذا المنصب.
يحظى جو بايدن بشعبية كبرى في صفوف الأميركيين السود، وكان دعا في بداياته السياسية حين كان نائباً محلياً في ويلمنغتون إلى تطوير المساكن الشعبية، ما أثار استياء السكان البيض.
وغالباً ما يروي كيف أسست تجربته كمنقذ بحري في حي تقطنه غالبية من السود لعمله السياسي.
لكنْ ثمة فصول أخرى تلقي بثقلها على مسيرته السياسية، مثل تصويته لصالح الحرب في العراق عام 2003، أو جلسة الاستماع العاصفة برئاسته في مجلس الشيوخ عام 1991.
يضاف إلى ذلك تأييده القوي لـ«قانون الجريمة» عام 1994 الذي اعتبر مسؤولاً عن ارتفاع كبير في عدد السجناء، وبينهم نسبة كبيرة من الأميركيين السود.
ويعترف جو بايدن اليوم بأن ذلك كان «خطأ»، مشدداً على شق آخر من هذا الإصلاح الواسع النطاق يتعلق بقانون مكافحة العنف بحق النساء، الذي يشكل «أكبر مصدر فخر» بالنسبة له.
فور وصوله إلى البيت الأبيض نائباً للرئيس باراك أوباما، في أوج الأزمة المالية، عمل السيناتور السابق على اعتماد الكونغرس خطة إنعاش هائلة بقيمة 800 مليار دولار.
وغالباً ما يذكر هذا الأمر لكي يثبت أن بإمكانه إنعاش الاقتصاد مجدداً، بعدما تضرر كثيراً بسبب تداعيات الوباء.
سعى دونالد ترمب إلى انتقاد بايدن باستمرار، وقال عنه «يعمل في السياسة منذ 47 عاماً، ولم يقم بشيء إلا في عام 1994، عندما تسبب في الكثير من الأذى لمجتمع السود».
رد بايدن بأن هذه الانتخابات تمثل اختياراً بين الطبقتين العاملة والوسطى اللتين يدافع عنهما، و«بارك أفينيو» الجادة النيويوركية الفخمة التي تشكل رمزاً للوريث الثري.
ويؤكد بايدن باستمرار على أصوله المتواضعة. فقد ولد جوزف روبينيت بايدن الابن في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1942 في مدينة سكرانتون في بنسلفانيا. وكان والده بائع سيارات.
وفي الخمسينات من القرن الماضي شهدت المدينة الصناعية فترة صعبة بحث والده عن عمل في ولاية ديلاوير المجاورة، ثم بعد عدة زيارات نقل العائلة إلى ويلمنغتون، وكان جو بايدن في سن العاشرة، وجعل منها معقله لاحقاً.
وقال بايدن: «كان والدي يقول دائماً: نحكم على رجل ليس بحسب عدد المرات التي يقع فيها، وإنما بحسب الوقت الذي يستغرقه للنهوض».
ونددت عدة نساء بسلوكيات جو بايدن الذي يقبل على ملامسة الناس، واعتبرن أنها غير مناسبة، ووعد بالانتباه من الآن وصاعداً «للمساحة الشخصية» للآخرين، واعتذر في أبريل 2019.
أما دونالد ترمب المتهم من قبل أكثر من عشر نساء بالاعتداء الجنسي أو التحرش، فلم يعلق كثيراً على الاتهامات الخطيرة من امرأة تدعى تارا ريد، وتقول إن جو بايدن تعدى عليها في التسعينيات، وهو ما نفاه المرشح الديمقراطي بشكل قاطع.
ولم تعلق زوجته جيل بايدن (69 عاماً) التي قامت بحملة من أجله في جميع أنحاء البلاد، على هذا الاتهام.
وجيل بايدن المعلمة الديناميكية، شكلت إحدى الأوراق الرابحة في حملة بايدن، وهما تزوجا عام 1977، ولهما ابنة تدعى آشلي.
وروى بايدن، في مذكراته، أن ابنيه بو وهانتر اقترحا عليه حين كانا لا يزالان صغيرين الزواج من جيل. ويقول عنها «لقد منحتني الحياة مجدداً».
غالباً ما يتحدث بايدن عن الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة نجله بو بايدن بمرض سرطان الدماغ عام 2015، قائلاً «هذا لا يختفي أبداً». وحالت وفاة نجله دون خوضه الانتخابات الرئاسية عام 2016.
تولى جو بايدن الذي أصبح أرملاً بعد حادث السيارة المأسوي، مهامه كسيناتور في 1973 وكان في المستشفى بجانب ابنيه اللذين أصيبا في حادث السير.
حتى اليوم، غالباً ما يوجه التحية إلى المسعفين مذكراً بأنهم «أنقذوا حياة» ولديه وحياته أيضاً.
ففي عام 1988، نقله مسعفون إلى المستشفى بشكل طارئ إثر تمدد في الأوعية الدموية. اعتبرت حالته خطيرة لدرجة أنه تم استدعاء كاهن لرفع الصلوات الأخيرة.
وبايدن كاثوليكي فخور بأصوله الآيرلندية، ويذهب كل يوم أحد تقريباً إلى كنيسة القديس يوسف الصغيرة في برانديواين في الحي الراقي الذي يسكنه في ويلمنغتون، ففي مقبرة هذه الكنيسة يرقد والداه وزوجته الأولى نيليا وابنتهما ناومي، وكذلك ابنه بو تحت شاهد قبر مزين بأعلام أميركية.
في يناير (كانون الثاني)، قال جو بايدن عن ابنه: «كل صباح أستيقظ وأسأل نفسي: هل هو فخور بي؟».



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».