رحبت الأوساط السياسية والاجتماعية في مصر بشكل موسع بأول مشاركة من نوعها على مستوى رأس الدولة المصرية، والحضور بصورة شخصية إلى الكاتدرائية المرقسية، مقر البابوية في مصر، في مناسبة احتفال مسيحيي مصر بذكرى ميلاد السيد المسيح بحسب التقويم الشرقي. وقالت مصادر مصرية رفيعة لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس المصري حرص على مغادرة الكويت مبكرا لحضور المناسبة».
وفاجأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المصريين مساء أول من أمس بظهور استغرق نحو 10 دقائق في الكاتدرائية خلال الصلاة، موجها كلمة إلى المسيحيين على وجه الخصوص، والمصريين على وجه العموم، للتهنئة بالمناسبة، تخللها اشتعال أجواء الكنيسة بتصفيق حاد للحضور وسط حفاوة بالغة وهتافات متواصلة: «بنحبك يا سيسي» و«إيد واحدة» و«تحيا مصر»، قبل أن ينصرف الرئيس المصري متعجلا قائلا إنه لا يريد تعطيل الصلاة والاحتفال.
وفي كلمته القصيرة، قال الرئيس المصري: «كان من الضروري أن أحضر لتهنئتكم بالعيد، فمصر على مدار آلاف السنين علمت الإنسانية والحضارة للعالم كله.. والعالم ينتظر من مصر هذه الأيام أن يرى الحضارة والإنسانية تنطلق من مصر مرة أخرى، ونحن نسطر معاني جديدة للعالم. واليوم نؤكد أننا قادرون على تعليم الإنسانية والحضارة للعالم كله».
وأضاف: «إن شاء الله سنبني بلدنا مع بعض، مسلمين ومسيحيين، وسنساعد بعض، ونحب بعض علشان الناس تشوف المصريين..»، مؤكدا: «المصريون كلهم سيبنون بلدهم.. وأنا دائما أقول (المصريين)، لا أقول (مسلمين) أو (مسيحيين)».
ويعد السيسي أول رئيس مصري عبر التاريخ الحديث يحضر بشخصه جانبا من «قداس الميلاد» في الكاتدرائية؛ إذ جرت العادة على إرسال الرئاسة برقيات تهنئة إلى بابا الإسكندرية (رأس الكنيسة المصرية) و«الإخوة الأقباط»، مع إيفاد مندوبين عن الرئيس لحضور الاحتفال. فيما زار أغلب رؤساء مصر السابقين الكنيسة الأم في مناسبات أخرى، دون حضور الصلوات.
وقالت مصادر مصرية رفيعة لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس المصري «حرص على حضور المناسبة شخصيا، رغم وجوده حتى وقت متأخر من اليوم ذاته في دولة الكويت؛ إلا أن مؤسسة الرئاسة كانت تضع نصب أعينها توقيت المناسبة، مما أدى إلى ضبط موعد مغادرة الكويت حتى يتسنى حضور الرئيس إلى الكاتدرائية في موعد القداس». وأشارت بعض المصادر أيضا إلى أن سوء الأحوال الجوية سواء في مصر أو خلال رحلة الطيران، لم يثنِ الرئيس المصري عن إصراره على حضور المناسبة.
وكان في استقبال الرئيس المصري لدى وصوله إلى الكاتدرائية البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، الذي عقب على الزيارة بقوله: «الزيارة مفاجأة سارة ولفتة إنسانية كريمة»، كما أكد أن «فرحتنا تزيد بزيارات أحبائنا، والمحبة الأخوية في قلوبنا، وزيارة الرئيس السيسي (أول من) أمس لنا في القداس كانت مفاجأة سارة وغير متوقعة؛ وهذه الزيارة تعدل أمورا كثيرة، وهي تعبر عن الحكمة».
وأضاف البابا تواضروس خلال استقباله أمس رئيس الوزراء المصري المهندس إبراهيم محلب، أن «المسيحيين فرحوا بزيارة الرئيس السيسي، وهذا طبيعي.. ولكن أيضا المسلمين فرحوا بهذه الزيارة، لأن هذه هي طبيعة شعبنا الذي يتقاسم الفرحة في كل المناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية»، مؤكدا أن «هذا العام تتزامن فيه بداية العام الميلادي الجديد مع المولد النبوي الشريف وعيد الميلاد المجيد، وهذا هو التعبير التاريخي عن وحدة المصريين».
من جانبه، قال محلب إن «زيارة الرئيس السيسي للكاتدرائية فرحت المسلمين قبل المسيحيين، لأننا شعرنا أن مصر عادت فعلا لنا، لأن هذه هي مصر التي تفرح مع بعضها وتحزن مع بعضها»، مشددا: «نحن لا نقول (مسلم ومسيحي)؛ بل نقول (مصري). وأتذكر كلمة البابا شنودة الثالث (رأس الكنيسة المصرية السابق) أن مصر وطن يعيش فينا، وليست وطنا نعيش فيه».
وفي حين حفلت صفحات المواقع الاجتماعية بإشادات المصريين بالحدث الفريد في تاريخهم، توالت ردود الفعل المرحبة بالمناسبة من قبل السياسيين المصريين. وقال عمرو موسى، رئيس لجنة الخمسين التي وضعت دستور مصر، في تغريدة على صفحته بموقع «تويتر»: «سعدت لحظة دخول رئيس الجمهورية إلى الكاتدرائية لتهنئة البابا والمصريين الأقباط بعيد الميلاد المجيد. أحيي الرئيس على هذه المبادرة، وعلى كلمته القيمة التي ركزت على أننا كلنا مصريون بصرف النظر عن أي انتماءات أخرى. أحيي الهتافات التي رحبت بالرئيس في الكاتدرائية بأن المصريين كلهم (إيد واحدة)، وكل عام و(المصريين) جميعا بخير وسلام».
وقال المفكر القبطي والنائب البرلماني السابق جمال أسعد، إن حضور الرئيس قداس عيد الميلاد بالكاتدرائية يعد سابقة تاريخية لم تشهدها مصر من قبل، وأضاف أنه «ليس مستغربا أن يقوم الرئيس السيسي بهذه المفاجأة، وأن يلتحم مع الشعب المصري بغرض إعادة اللحمة إليه في أعقاب دعوته إلى تجديد الخطاب الديني في ذكرى المولد النبوي الشريف، مما يعني اهتمامه بالاصطفاف الوطني».
بدوره، أكد عمرو علي، القيادي بتكتل القوى الثورية، أن حضور الرئيس إلى الكاتدرائية المرقسية «هو تطبيق حقيقي لمادة المواطنة التي زينت مواد الدستور، وروح ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) و30 يونيو (حزيران)»، متابعا أنها «رسالة لا تقبل الشك مفادها أن المواطنة ستكون منهج الحكم في مصر خلال السنوات القادمة، وبهذه الروح يعاد بناء النسيج المصري المترابط الذي لم يعرف الفارق بين مصري وآخر على أساس الدين أو الجنس أو اللون»، معتبرا ما فعله السيسي «تأسيسا لدولة المشاركة والتعاون والوطن الواحد، بديلا عن الرسالة الإعلامية المتأنقة، وهو فعل بألف قول، وعمل بألف شعار».
الأوساط المصرية ترحب بـ«أول حضور رئاسي» لقداس عيد الميلاد
البابا تواضروس: مفاجأة سارة ولفتة إنسانية كريمة.. وفرحتنا تزيد بزيارات أحبائنا
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء حضوره القداس في الكاتدرائية المرقسية أول من أمس ويبدو البابا تواضروس في الصورة
الأوساط المصرية ترحب بـ«أول حضور رئاسي» لقداس عيد الميلاد
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء حضوره القداس في الكاتدرائية المرقسية أول من أمس ويبدو البابا تواضروس في الصورة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

