أماني فؤاد: المثقف الحر عملة نادرة عربياً

اعتبرت أن انحيازها للمرأة لا ينفصل عن قيم التنوير

أماني فؤاد
أماني فؤاد
TT

أماني فؤاد: المثقف الحر عملة نادرة عربياً

أماني فؤاد
أماني فؤاد

لا تكف الدكتورة أماني فؤاد، أستاذة النقد الأدبي الحديث، في كتاباتها المتنوعة عن إعلانها التمرد على كل ما يكبل حرية الإنسان في نشدانه العدل وحقه في الحياة، تقف في صف المرأة ضد التعسف والقهر، وترى أن ذلك انحياز للإنسانية، كما تنحاز لقيم الحداثة والتنوير والتجريب في مقارباتها النقدية المتميزة، واستجلاء علاقة الإبداع بالمجتمع، وهو ما ظهر جلياً في مؤلفاتها ومنها «المرأة... ميراث من القهر»، «في نقد تراث أبي حيان التوحيدي ونقده»، «المجاوزة في تيار الحداثة بمصر بعد السبعينات»... هنا حوار معها عن عالمها النقدي، بمناسبة صدور كتابها الجديد «قضايا التنوير... الخصوصية المصرية».

> تؤكدين في كتابك الصادر مؤخراً أن على المثقف الحر أن يغادر منصبه ويتنازل عن امتيازاته إذا تعارضت مع قناعاته، ألا ترين أن هذا المثقف يكاد يكون عملة نادرة في واقعنا العربي حالياً؟
- بالطبع هو عملة نادرة للغاية، ولذا نعاني كمجتمعات عربية من أزمة النخبة من دون أي مبالغة، ونادراً ما نجد المثقف الذي يستطيع الاستغناء عن ضرورات الحياة بسبب مواقفه، أو وقوفه على يسار أي سلطة، حيث السياق الحياتي العام لا يشجعه ولا يدعمه، فإن لم يكن هناك إرهاب الخطاب الديني المتطرف، هناك القيود على حرية التعبير، وأقسى من هذه الجهات أحياناً سلطة المجتمع التي تقمع المثقف، وهي رغم عدم وضوحها في شكل مؤسسي محدد، فإنها شديدة القسوة في آثارها على المثقف والمبدع.
يحتاج المثقف لقوة فولاذية ليتناسى كل متطلبات الحياة حوله، لينتصر لقناعاته ورؤاه في الوجود، كل مثقف تراوده رغبة الحياة الكريمة في ظل ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة وضغوط بلا نهاية، يراوده حلم التمتع بالمناصب وما تهبه من سلطة، يحلم بانتشار رؤاه على نطاق إعلامي واسع. لكن هناك دائماً قلة لا يتنازلون عن رسالتهم التي يهبون حياتهم لها، ويترفعون عن كل شيء من أجل مبدأ ما.
> تقسمين المثقفين إلى أنواع، فمنهم «مثقف التوازنات» الذي يمسك بالعصا من المنتصف، حرصاً على مصالحه و«المثقف الموظف» و«مثقف الدولار» و«المثقف المزدوج». مما سبب انحدار قيمة المثقف في العالم العربي وكيف يمكن استعادته لموقعه الحقيقي؟
- لا يمكن لأي سلطة أن تصنع مثقفاً أصيلاً ومتحرراً، حيث إن المثقف ينبغي أن يكون خارج حاضنة أي سلطة، وبينه وبينها مسافة.
تهميش السلطة للمثقف وتصويره أنه خارج سياق الواقع، وفي أبراجه العالية العاجية، أو متحرراً في تناوله للحياة، يؤثر على مصداقيته أمام الطبقات العريضة، ومن صفات هذا النموذج الذي يصدرونه للمثقف يترسخ فعل استبعاده، أو السخرية من مقولاته، والتشكيك فيها. المعادلة الوحيدة لحضور المثقف في مشهد سياقنا العام في العالم العربي أن تأتي سلطة سياسية وتؤمن بالثقافة وبمقولات المثقف وتثق فيه، أو تحتاجه، وهي معادلة شديدة الصعوبة حيث لا يستمر الرضا بينهما كثيراً. يحتاج الفكر والإبداع وحرية الرأي لقوة تؤمن بها وتدعمها لتنمو وتسير على أرض الواقع. وهذا ما يحدث في المجتمعات الديمقراطية، حيث تدعم الأغلبية المثقف وتهبه قوة التأثير.
> هل عانيت من تجاهل الوسط الثقافي لك بسبب عدم انتمائك لـ«مثقفي المقاهي» وهل ثمة موقف ما من منتديات وتجمعات وسط القاهرة الثقافية؟
- لا أشعر بالتجاهل من الوسط الثقافي، وأشارك في فعالياته بالقدر المناسب لي، لكنني أفضل الوجود بقدر، لاستمرار بقاء قلمي حراً بلا مجاملات.
كما أنني لم أؤمن قط بالثقافة «التيك أواي»، ولا ادعاء الثقافة والاستحواذ على قشورها وأشكالها الخارجية، سواء في اللغة المحملة بالمصطلحات الأجنبية، أو مقعرة التراكيب دون أن تحمل مضموناً، ولا في التجمعات والندوات التي بلا تفاعل حقيقي مع الناس. ودائماً ما أصابني الشك في إيقاعي وبطء إنجازي للمهام، وتساءلت متى يجد المثقفون والكُتاب الوقت للقراءة والكتابة، وهم يجدون كل تلك الأوقات في المقاهي الثقافية.
ليس هناك موقف على الإطلاق، من منتديات وتجمعات وسط القاهرة الثقافية لكنني أشعر أن العمل، والقراءة والكتابة الدورية للمقالات والتدريس في الأكاديمية يلتهم الوقت كله، حتى أنني أُحرم أحياناً من أشياء أفضلها كالسينما، أو الجلوس أمام البحر للتأمل، لذا أفضل أن أشترك فقط في مناقشة ما أشعر بقيمته وتميزه من أعمال، وأعتذر عن كثير من الفعاليات.
لكنني أيضاً لا أغفل ما أسميه ثقافة السماع من الآخرين، واكتساب خلاصات تجاربهم والتي عادة ما تكون مثيرة وثرية، ولقد نعمت باكتساب بعض هذه الثقافة من بعض الصالونات الأدبية التي اشتركت فيها، كما أن هناك ثقافة المشاهدة أيضاً وهي التي أحرص عليها من خلال رحلاتي الخارجية، وفي مصر أيضاً.
> تطرحين دائماً سؤالاً مركزياً: لماذا بقينا أسرى لثقافة القشور والفهم السطحي المتسلف للدين ولم نتجه بقوة للعلم القائم على التجريب، لكنك لم تطرحي إجابة؟
- إجابة هذا السؤال على محورين، الأول: عندما أطرح السؤال فأنا أدعو الجميع للتفكير، وأثير أذهان من يقرأون لي أو يستمعون، هي محاولة لإلقاء الأحجار في المياه الراكدة.
المحور الثاني: طالما تحدثت وكتبت عن أسباب بقاء ثقافتنا مسطحة، فنحن لا نمر ببوابات الزمن المتطور، وأحسب أن الأسباب تتلخص في: افتقارنا للحريات نتيجة للحكم المطلق الذي توالى على منطقتنا، ولسطوة السلطة الدينية التي تحارب كل صاحب اجتهاد أو رؤية مغايرة لموروثهم، وتقف في مواجهة كل إبداع يخرج عن رؤاهم منخفضة الأسقف للغاية. كما أن حياة المثقفين وأصحاب الفكر والمبدعين صعبة، فبجانب متطلبات الحياة، يواجهون التضييق والقمع من جهات مختلفة، سواء سياسية أو دينية أو مجتمعية، أيضاً نحن مجتمعات لا تتمتع بنظم تعليم تتمكن من استنفار كل قوانا على الإبداع والتفكير خارج القولبة والمحفوظ والمكرر، وترسيخ مفهوم السمع والطاعة.
> تطالبين باستدعاء التنويريين إلى معركة تجديد الخطاب الديني، لكن مثقفي التنوير أنفسهم «يصمهم» تيار الإسلام السياسي بـ«العلمانية» بعد تشويه مفهومها وربطه بمعاداة الدين... كيف ترين ذلك؟
- لو أردنا تنويراً حقيقياً لا بد أن يتم فصل الدين عن الدولة، الدين علاقة خاصة بين الفرد وربه، دولة المواطنة لا دين لها إلا بحكم عدد أديان مواطنيها، على الدولة فقط أن تكفل حرية كل طائفة في ممارسة شعائرها. ربط السياسة وشؤون الدول المتغيرة بالدين يصيب السياسة والدين كليهما بالاحتقانات والنزاعات.
التنوير الذي أعنيه بمعنى: نشر أنوار العقل وتأملاته وبحوثه وتجاربه التي تشتغل على مختلف مناحي الحياة العامة وقضاياها؛ لتكوين وعي جمعي يحترم الحريات، ويُقدر حقوق الإنسان خاصة حقوق المرأة، يؤمن بقبول الآخر والتفاعل معه وعدم الاستعلاء عليه، يرفض التعصب والعنف الطائفي، يؤمن بالديمقراطية والمواطنة، يحترم العقل وحقائق العلم، يواجه الخرافات والجهل والتواكل، يؤصل للقيم الإنسانية السامية، ويحتفي بالإبداع الحقيقي في كل المجالات، ويدرك قيمة الفنون الجمالية وتأثيرها على ترقية الإنسان وتهذيب غرائزه.
> لماذا ترفضين ما يسمى بـ«القراءة الوسطية» للتراث؟
- برأيي لا يوجد ما يسمى قراءة وسطية، حيث يفرض المنطق والتناول العقلي للقضايا قدراً من الوضوح والاتساق مع ما نتناول، والوصول به لأوضح صورة مجردة، تكشف الهيكل الأساسي للأشياء، ومع اعتذاري عن هذا الوصف لكن من يختار الوسطية يحمل قدراً لا بأس به من الجبن، حيث يترك لذاته مساحة الانسحاب عند أي مواجهة.
> تؤكدين أن قيم الحداثة تظل مجرد شعارات ما لم تمنح المرأة حقوقها، أليس ذلك انحيازا لجنسك كامرأة؟
- إطلاقاً ليس انحيازاً سوى للإنسانية التي تشكل المرأة نصفها، بل النصف الأكثر تأثيراً في التكوين الإنساني بصفة عامة، المرأة هي الأم التي عادة ما تتولى تنشئة الطفل في أعوامه الأولى التي تؤثر في حياته كلها فيما بعد. ولا يقل هذا المحور عن الانحياز للعلم والعدل وحقوق الإنسان التي اجتمعت عليها كل الحضارات المتطورة والمتقدمة... ألا تلاحظين معي أن أغلب الحاصلات على نوبل لهذا العام عالمات في الكيمياء والسياسة ومبدعات في الأدب.
مازلنا في مجتمعاتنا نتحدث في مساحات غادرها الإنسان المتطور منذ قرنين أو ثلاثة وهو ما لا يشكل أي إضافة لنا، بل يشكل عواراً في طريقة رؤيتنا للأمور، فالمرأة ليست عورة ولا ناقصة عقل ودين، كما أنها على الطرف الآخر ليست سلعة ومن غير الوارد أن تتعرض لكل العنف الذي تتعرض له.
> في دراساتك النقدية الأدبية تركزين على كبار الأدباء مثل نجيب محفوظ، وإبراهيم عبد المجيد، بينما تتراجع رؤيتك النقدية إزاء الكتاب والشعراء الشباب، وهم في احتياج لإلقاء الضوء على تجاربهم ومغامراتهم في الكتابة... كيف تفسرين ذلك؟
- دائماً ما آمنت أن مهمة الناقد الأولى إبراز المواهب والقدرات الإبداعية المتميزة من الشباب الذين لم تركز عليهم الأضواء من قبل، وأصنع هذا حتى الآن، حتى أنني على خلاف التقاليد الأكاديمية في جامعاتنا أقرر لطلبتي أعمال الشباب التي تنال جائزة الدولة التشجيعية في الرواية كل عام، كما أنني أجد متعة كبرى في التعرف على العوالم الجديدة التي لم تكتشف بعد قدراتها، ولقد ضم كتاب «الرواية وتحرير المجتمع» سبع عشرة دراسة نقدية موسعة لروايات متميزة معظمها للشباب، وكانت قيمة النص الأدبية وتمثيله للظاهرة النقدية التي أتحدث حولها هي الفيصل، وكنت أتناول في هذا الكتاب أشكال الكتابة الروائية الجديدة للشباب وأسئلتها المهيمنة.
في الكتاب النقدي القادم، وهو تحت الإعداد أتناول أيضاً أعمال لشابات مبدعات وشباب بصورة نقدية مختلفة وفقاً لظواهر جديدة يدور حولها الكتاب.
> أخيراً، متى يكون لدينا مذهب نقدي أو نظرية نقدية نابعة من تراثنا الأدبي، وهو خصب وثرٍ ومتنوع، بدلاً من أن نظل عالة على التراث الغربي؟
- مرت مراحل زمنية واسعة الآفاق على تراثنا هذا، وامتلأت تلك المساحات الزمنية التي أصبحت بيننا وبينه بمنجز نقدي غربي بكل أشكاله وتياراته ومذاهبه، وحين نضيف الآن أي إضافة فستمثل تراكماً يضاف إلى ما صنعه الآخرون، الذي هو منتج حضاري عالمي يشمل عطاءات البشرية، ولا يختص بعربي أو غربي.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.