بايدن يواجه الاختبار الأخير والأهم في حياته السياسية

جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)
جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

بايدن يواجه الاختبار الأخير والأهم في حياته السياسية

جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)
جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)

يواجه المرشح الديمقراطي جو بايدن، غداً الثلاثاء، الحكم الأخير والأهم في حياته السياسية الطويلة. فبعد مآس عائلية، ومحاولتين خائبتين للوصول إلى الرئاسة الأميركية، وحملة انتخابية طغى عليها وباء «كوفيد19»، يأمل بايدن؛ المخضرم في السياسة (77 عاماً)، أن يكون أقنع الأميركيين بأنه شخصية توحد الصفوف في مواجهة دونالد ترمب الذي أثار انقساماً في المجتمع.
وأكد نائب الرئيس الأميركي السابق: «يمكننا طي صفحة السياسة القاتمة والغاضبة التي سادت في السنوات الأربع الماضية. آن الأوان لجمع البلاد والالتقاء مجدداً بصفتنا أمة. لكن لا يمكنني القيام بذلك من دونكم».
حتى اللحظات الأخيرة؛ بقي بايدن وفياً للرسالة التي أعلنها عند الكشف عن ترشحه للرئاسة في أبريل (نيسان) 2019: «نحن نخوض معركة من أجل روح» الولايات المتحدة.
وقال جو بايدن قبل فترة قصيرة بصريح العبارة، إن خسارته أمام الملياردير الجمهوري الذي لا يحظى بشعبية على حد قوله، ستعني أنه «مرشح مثير للشفقة»
لكن ذلك سيشكل خصوصاً الضربة القاضية لمسيرة وطنية باشرها في سن التاسعة والعشرين وشهدت في بدايتها انتقالاً مفاجئاً من الانتصار إلى الألم.
ففي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1972، احتفل السيناتور الشاب المنتخب عن ولاية ديلاوير محاطاً بأسرته الرائعة بفوزه في الانتخابات. وبعد شهر توفيت زوجته وابنته في حادث سير وأصيب نجلاه بجروح.
نمّت هذه المأساة التي تبعها فقدان ابنه الأكبر عام 2015 مشاعر التعاطف التي يكنها الناخبون له. وقد جعل بايدن من التعاطف إحدى سمات مسيرته السياسية البارزة.
في 2020 لا يزال بايدن يتمتع بطلّته الأنيقة، لكن هذا المخضرم في السياسة لم يعد كما كان في أوج عهده نائباً للرئيس باراك أوباما.
فحين يكون واقفاً على المنصة يبدو واهناً أحياناً فيما يغطي الشيب شعره. ويتخوف البعض؛ حتى من صفوف داعميه، من أن يتعثر أو حتى ينهار خلال معركته الطويلة ضد دونالد ترمب (74 عاماً) الذي يعتمد أسلوباً هجومياً.
وقد حرمه وباء «كوفيد19»، الذي أدى إلى شل الحملة الانتخابية فجأة في مارس (آذار) الماضي، من التواصل المباشر مع الناخبين؛ وهو من أهم أوراقه الرابحة.
ومع أنه استأنف في نهاية أغسطس (آب) الماضي رحلاته بشكل مكثف أكثر، إلا إن امتثاله الصارم للتعليمات الصحية يلجم وجوده على الأرض. ويرى منتقدوه أن ذلك سمح له القيام بحملة انتخابية بعيداً عن الناخبين ومتجنباً في غالب الأحيان الصحافة.
ويطلق عليه دونالد ترمب ساخراً اسم «جو الناعس» وينتقد بشدة الأسئلة التي توجهها إليه الصحافة عادّاً أنها «موجهة لأطفال» ولا يتوانى عن مهاجمته على لياقته البدنية.
ويتناقل أنصار ترمب بكثرة عبر «تويتر» تلعثم جو بايدن، كما أن فريق حملة الملياردير الأميركي يصفه بأنه رجل عجوز يعاني الخرف، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وقد يكون فوز النائب السابق للرئيس السابق باراك أوباما في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين بعد تحول تاريخي في السياسة الأميركية، الرد المناسب على هؤلاء.
ومع أن البعض عدّه متقدماً جداً في السن ووسطياً كثيراً، فقد تمكن بايدن من الفوز بغالبية كبرى في كارولاينا الجنوبية بفضل أصوات الأميركيين السود؛ حجر الزاوية لكل ديمقراطي مرشح للبيت الأبيض.
متسلحاً بهذا الانتصار؛ حشد بايدن بسرعة تأييد معتدلين آخرين ثم هزم منافسه الرئيسي بيرني ساندرز.
خلافاً للمعركة المريرة والطويلة في عام 2016 بين هذا الاشتراكي وهيلاري كلينتون، تمكن بايدن سريعاً من جمع التيار اليساري في الحزب، مركزاً على هدف واحد؛ يتمثل في إلحاق الهزيمة بدونالد ترمب.
وتبقى معرفة ما إذا كان بايدن «الموحد» المعتدل سينجح في إبقاء الوحدة في حال فوزه في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
وقال باراك أوباما إنه حتى لو تقدم بايدن بالبرنامج «الأكثر تقدمية» في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن البعض من اليسار سيعدّونه فاتراً للغاية.
كانت المحاولة الثالثة هي الصائبة لهذا السياسي المخضرم، بعد فشل محاولتين للترشح للانتخابات التمهيدية للديمقراطيين في 1988 و2008.
فخلال محاولته، اضطر سريعاً للانسحاب بعدما تبين أن خطابه تضمن عبارات مسروقة.
شغل منصب عضو مجلس شيوخ على مدى أكثر من 35 عاماً (1973 - 2009)، ثم نائب الرئيس من 2009 إلى 2017، مما مكنه من الوجود على مدى عقود في أروقة السلطة في واشنطن.
وتخللت حياته السياسية الطويلة فصول مثيرة للجدل فضلاً عن نجاحات يبرزها اليوم.
في السبعينات وفي خضم عملية إلغاء الفصل العنصري، عارض ما تسمى «سياسة الحافلات» التي تهدف إلى نقل أطفال سود بالحافلات إلى مدارس ذات غالبية بيضاء لتشجيع التعليم المختلط.
أرضى هذا الموقف الناخبين البيض في ولاية ديلاوير، لكنه عاد ليطارده بعد عقود عندما انتقدته السيناتور السوداء كامالا هاريس التي كانت منافسته في الانتخابات التمهيدية، عليه في خضم مناظرة تلفزيونية.
ولكي يثبت أنه «غير حاقد»، اختار بايدن كامالا هاريس مرشحته لمنصب نائب الرئيس، لتكون أول سوداء من أصول هندية تترشح لهذا المنصب.
يحظى جو بايدن بشعبية كبرى في صفوف الأميركيين السود، وكان دعا في بداياته السياسية حين كان نائباً محلياً في ويلمنغتون إلى تطوير المساكن الشعبية، مما أثار استياء السكان البيض. وغالبا ما يروي كيف أسست تجربته منقذاً بحرياً في حي تقطنه غالبية من السود لعمله السياسي.
لكن؛ ثمة فصول أخرى تلقي بثقلها على حملته الرئاسية، مثل تصويته لصالح الحرب في العراق عام 2003، وجلسة الاستماع العاصفة في مجلس الشيوخ عام 1991 برئاسته، إلى أنيتا هيل التي كانت تتهم المرشح للمحكمة العليا كلارنس توماس بالتحرش الجنسي.
يضاف إلى ذلك؛ تأييده القوي «قانون الجريمة» عام 1994 الذي عدّ مسؤولاً عن ارتفاع كبير لعدد السجناء؛ بينهم نسبة كبيرة من الأميركيين السود.
ويعترف جو بايدن اليوم بأنه كان «خطأً»، مشدداً على شق آخر من هذا الإصلاح واسع النطاق يتعلق بقانون مكافحة العنف بحق النساء والذي يشكل «أكبر مصدر فخر» بالنسبة له.
فور وصوله إلى البيت الأبيض نائباً للرئيس باراك أوباما، في أوج الأزمة المالية، عمل السيناتور السابق على اعتماد الكونغرس خطة إنعاش هائلة بقيمة 800 مليار دولار.
وغالباً ما يذكر هذا الأمر لكي يثبت أن بإمكانه انعاش الاقتصاد مجدداً، بعدما تضرر كثيراً بسبب تداعيات الوباء.
يسعى دونالد ترمب إلى انتقاد بايدن باستمرار ويقول عنه إنه «يعمل في السياسة منذ 47 عاماً، ولم يقم بشيء إلا في عام 1994 عندما تسبب في كثير من الأذى لمجتمع السود».
يرد بايدن بأن هذه الانتخابات تمثل اختياراً بين الطبقة العاملة والطبقة الوسطى اللتين يدافع عنهما، و«بارك أفينيو» الشارع النيويوركي الذي يشكل رمزاً للوريث الثري.
ويؤكد بايدن باستمرار على أصوله المتواضعة. فقد ولد جوزيف روبينيت بايدن الابن في 20 نوفمبر 1942 في مدينة سكرانتون في بنسلفانيا. وكان والده بائع سيارات.
في الخمسينات من القرن الماضي، شهدت المدينة الصناعية فترة صعبة. بحث والده عن عمل في ولاية ديلاوير المجاورة، ثم بعد زيارات عدة نقل العائلة إلى ويلمنغتون وكان جو بايدن في سن العاشرة. وجعل منها معقله لاحقاً.
وقال بايدن: «كان والدي يقول دائما: (يا بطل، نحكم على رجل ليس بحسب عدد المرات التي يقع فيها؛ وإنما بحسب الوقت الذي يستغرقه للنهوض».
تظهر استطلاعات الرأي نتائج متقاربة جداً في بنسلفانيا، ويحاول كل من المرشحين استمالة الناخبين حتى اللحظات الأخيرة من الحملة.
وقال جو بايدن الأحد: «بنسلفانيا حاسمة في هذه الانتخابات»، مضيفاً: «أعيش في ديلاوير؛ لكنني ابن بنسلفانيا، ولدت في سكرانتون».
في المقابل؛ يتهمه ترمب «بالتخلي» عن الولاية مسقط رأسه، وبتهديد مناجم الفحم وعمليات «التصديع» لإنتاج الغاز الصخري، عبر وعوده بالوصول إلى مائة في المائة من الطاقة النظيفة والحياد الكربوني في الولايات المتحدة عام 2050.
نددت نساء عدة بسلوكيات جو بايدن التي تستند إلى اللمس، ورأين أنها غير مناسبة. ووعد بالانتباه من الآن فصاعداً لـ«المساحة الشخصية» للآخرين، واعتذر في أبريل 2019.
أما دونالد ترمب؛ المتهم من قبل أكثر من 10 نساء بالتحرش، فلم يعلق كثيراً على الاتهامات الخطيرة من امرأة تدعى تارا ريد تقول إن جو بايدن اعتدى عليها في التسعينات. وهو ما نفاه المرشح الديمقراطي بشكل قاطع.
ولم تعلق زوجته جيل بايدن (69 عاماً) التي قامت بحملة من أجله في جميع أنحاء البلاد، ضد هذا الاتهام.
وجيل بايدن؛ المعلمة الديناميكية، تشكل إحدى الأوراق الرابحة في حملة بايدن. وقد تزوجا عام 1977 ولهما ابنة تدعى آشلي.
وروى بايدن في مذكراته أن ابنيه بو وهانتر اقترحا عليه حين كانا لا يزالان صغيرين الزواج من جيل. ويقول عنها: «لقد منحتني الحياة مجدداً».
غالبا ما يتحدث بايدن عن الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة نجله بو بايدن بمرض سرطان الدماغ عام 2015، قائلاً «هذا لا يختفي أبداً». وحالت وفاة نجله دون خوضه الانتخابات الرئاسية عام 2016.
تولى جو بايدن، الذي أصبح أرملاً بعد حادث السيارة المأساوي، مهامه سيناتوراً في يناير (كانون الثاني) 1973، وكان إلى جانب ابنيه في المستشفى اللذين أصيبا في حادث السير.
حتى اليوم، غالباً ما يوجه التحية إلى المسعفين، مذكراً بأنهم «أنقذوا حياة» ولديه وحياته أيضاً.
ففي عام 1988، نقله مسعفون إلى المستشفى بشكل طارئ إثر تمدد في الأوعية الدموية. عُدّت حالته خطيرة لدرجة أنه جرى استدعاء كاهن لرفع الصلوات الأخيرة.
وبايدن كاثوليكي فخور بأصوله الآيرلندية، ويذهب كل يوم أحد تقريباً إلى «كنيسة القديس يوسف» الصغيرة في برانديواين بالحي الراقي الذي يسكنه في ويلمنغتون. ففي مقبرة هذه الكنيسة يرقد والداه وزوجته الأولى نيليا وابنتهما ناومي وكذلك ابنه بو تحت شاهد قبر مزين بأعلام أميركية.
في يناير، قال جو بايدن عن ابنه: «كل صباح أستيقظ وأسأل نفسي: (هل هو فخور بي؟)».



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.