زهير الجزائري يكتب «نوفيلّا» أخيرة عن سيرة {الرئيس الهارب}

زهير الجزائري يكتب «نوفيلّا» أخيرة عن سيرة {الرئيس الهارب}
TT

زهير الجزائري يكتب «نوفيلّا» أخيرة عن سيرة {الرئيس الهارب}

زهير الجزائري يكتب «نوفيلّا» أخيرة عن سيرة {الرئيس الهارب}

في مخبأه السري يشرع الرئيس بكتابة سيرته؛ ليُجيب عن سؤال يُفترض أن الأبناء سيسألونه وهم في لجة الفوضى العارمة: ماذا حدث؟، لكن الرئيس الذي يفكر بالكتابة حلاً لمشكلته المستعصية في مواجهة موته المحتم وذاته التي لا يجدها فيما يكتب، يحار بجملته الأولى، هل تتعلَّق بنشأته الأولى، بداية مشواره طفلاً فقيراً يسير متوارياً خلف عباءة أمه السوداء في أزقة المدينة طمعاً في ما سيجيد به من تقرأ له الأم طالعه، أم تختص بخاتمته رئيساً يهرب من قصره متخفياً بعد أن سقط حكمه واحتُلت بلاده؟ وفي الحالتين لا كتابة، فلا يكتب الرئيس سوى ثلاث جمل تتعلق جملتان منها بطفولة بائسة، في حين تتحدث الثالثة عن معنى أن تعيش في حضانة رجل قاسٍ يجبرك على أن تسبح بالنهر في الشتاء القارص، ويجري شطب الجمل الباقية، فلا يصلنا منها سوى توتر الرئيس واضطرابه. في الجملة الأولى، وهي أقرب إلى صورة يستعيدها الرئيس عن طفل يسير خلف أمه، يصطدم الرئيس بوضعه القلق والمربك، بين كونه راوياً يحاول أن يسرد لنا قصته، وبين فهم المتلقين لما سيكتب؛ فالكتابة عن طفل فقير مغرية وتمدُّ الراوي بتفاصيل كثيرة مشوقة، لكنها تدمر صورة الرئيس في عيون شعبه، إنها تحطيم لـ«أيقونة» الزعيم الذي اخترع شعباً يخافه حد العبادة. في حين تظهر خاتمته بداية مغرية لسرد القصة؛ فلا إثارة يحققها مشهد طفل فقير يعيش في قرية منسية على دجلة، إنما الخاتمة بعودة الرئيس المخلوع إلى قريته تلهم الذاكرة وتحفزها على استعادة ما حصل، وتقدم جواباً عن سؤال الأبناء القادمين: ماذا حدث؟
ولا كتابة، ولا سيرة يتركها لنا الرئيس، ذلك أن الكتابة تتعلَّق بالتفاصيل التي لا تستعيدها الذاكرة. ثمة عجز يتواصل وتتضح تفاصيله عن كتابة السيرة، وهو العجز ذاته عن التذكر. وفي هذا العجز تكمن مشكلة رواية وراء الرئيس الهارب «دار الكا، بغداد، 2019». ولا بأس؛ فلكلِّ رواية مشكلة تحاول حلَّها، فالرئيس يعجز عن كتابة سيرته؛ لأنه لا يستطيع استبدال الكتابة بالسلطة المفقودة؛ هو الراوي الوحيد، كلي المعرفة والوجود، للقصة الوحيدة المتاحة للجميع والمفروضة عليهم فرداً فرداً، وقد عاشها وكتبها حدثاً فحدثاً، فصلاً ففصلاً، طيلة خمسة وثلاثين عاماً؛ فكيف للكلمات أن تعادل السلطة بقصتها المتكاملة؟ إن الاستسلام للكتابة يعزز فقدان القدرة على استعادة القصة الوحيدة التي أجاد الرئيس كتابتها، وهي تمثيل السلطة بامتلاكها، ويُفيد كذلك أن الموت صار الحكاية الوحيدة المعبرة عنها بقول الرئيس لنفسه «سأموت». فإذا كانت فكرة كتابة المذاكرات، أو السيرة الذاتية للرئيس، قد حضرت في ذهن ووجدان الرئيس تحت ضغط وإلحاح الموت، وإن عليه أن يحسم الجدل القادم، لا محالة، بين الأبناء المختلفين بصدد الإجابة عن السؤال المفترض «ماذا حدث؟»، فإن الرئيس نفسه غير معني بهذا الجدل، هو رافض للاستسلام له؛ فهو قد عرف أنه لا يجد ذاته فيما يكتب ويتذكر؛ هذه الذات المضيّعة كان الرئيس قد وجدها وتمسّك بها وهو يكتب قصته – سيرته المحببة بدماء وحياة أبناء شعبه كونه الحاكم الأوحد للبلاد، فأما ما بعد فقدان السلطة فلا قصة، لا سيرة. هذه الحقيقة فعلت فعلها في نوفيلّا الجزائري، فكانت نتاجاً لها على كل الصعد، بدءاً من العنوان إلى الاقتصاد في التفاصيل، وليس ختاماً بعدد صفحات النوفيلّا.
يختصر عنوان النوفيلّا، وراء الرئيس الهارب، كلَّ شيء في هذه الرواية؛ فهو ترجمان للنص. نحن هنا إزاء تعقُّب وتتبع لمسار الرئيس الهارب. والتتبع هو إحدى الدلالات العميقة للقص. لكن هذا التتبع يُحايث ما حدث حقاً وحقيقة على أرض الواقع؛ فالرواية تقص أثر الرئيس، تتبع خطواته خطوة فخطوة. تبدأ النوفيلّا من لحظة السقوط المريعة، بعد انفجار ثانٍ مخنوق يقرر الرئيس الرحيل، إلى أين؟ لا يعرف! ثم تبدأ رحلة الهرب. نتتبع خطوات الرئيس المختبئ في جوف شاحنة بين دواليب الملابس وأثاث بيت يهرب أصحابه من الموت في الشوارع بعد احتلال البلاد. يتخذ الرئيس وضع الوقوف، وينظر إلى عاصمة بلاده المحتلة، بل إلى شعبه الجائع الذي خرج من البيوت القديمة، الآيلة للسقوط، إن لم تسقط وقتها حقاً، ليمارس شهوة الانتقام من سلطة الرئيس الهارب. من فتحة بين الدواليب ينظر ويرى كيف يسحل الجياع المنتقمون رؤوس تماثيله، ويسأل نفسه من أين جاء هؤلاء؟ والجواب حاضر دائماً: إنهم لم يخبروا الرئيس. مساعدوه وكبار ضباطه أخفوا عنه حقيقة الأمر، حقيقة البلاد. هو نفسه يختصر، كما عنوان هذه النوفيلّا، سيرته بالمباغتة التي تصنع الخوف ويتحول، بالتراكم، إلى حب وحاجة؛ فلا قيمة لسؤاله، إنما هو العتبة الأولى الممهِّدة لتمثيل فعل الندم، ندم الرئيس على ما فعله بنفسه وبلاده.
يفرض العنوان كل هذا؛ فنحن نتعقَّب مسار الهرب بالتوازي مع ما حدث في الواقع، كما لو أننا أمام فيلم يعرض قصة هرب الرئيس من قصره. ومما يفرضه هذا الأمر، ويمهِّد له هو الاقتصاد في التفاصيل. وهذه مفارقة تستحق المناقشة، فلا سيرة من دون تفاصيل، وقد نقول إن السير إنما تنمو وتتعمَّق بوفرة التفاصيل. فهل كانت النوفيلّا مهتمَّة بتفاصيل فعل الهرب، أم كانت مختصة بكتابة سيرة موجزة للرئيس الهارب؟. لقد جعل الاقتصاد بالتفاصيل الرواية سيرة مختصرة تختص بفعل الهرب نفسه، ويندرج في هذه السيرة رغبة الرئيس ذاتها بكتابة سيرته، هي بعض مما فرضه العنوان، مثلما فرض كذلك الاقتصاد في عدد صفحات هذه النوفيلا؛ إذ لا يزيد عدد صفحاتها على خمسٍ وسبعين صفحة.
ولكن، لماذا كل هذا الاقتصاد في التفاصيل، ومن ثمّ في عدد الصفحات؟ لماذا كان على مؤلف كتاب الطاغية المستبد، ذي التفاصيل المتسعة والمتداخلة، أن يقصر روايته على فعل الهرب وما يتصل به من تتبع وتقصّ، لا عن لحظة السيرة؟ في رواية سابقة لزهير الجزائري، عن موضوع وعالم مجاور، يختص بالخائف والمخيف، كنا إزاء وفرة وتوسُّع في التفاصيل؛ فعالم الخائف هو ذاته عالم المخيف؛ فلولا الخوف ما كان هناك خائف ولا كان هناك مخيف، وكلاهما اسم فاعل في النهاية، غير أن قصة الرئيس مختلفة كلياً عن قصة الخائف والمخيف.
وراء الرئيس الهارب تشح التفاصيل، وتغدو الرواية تمثيلاً سردياً لمنطق الهرب والندم على ضياع السلطة. ثمة توازن بين عجز الرئيس عن الكتابة والاقتصاد في السرد والتقصي، وبين العجز عن كتابة سيرة الديكتاتور لدى الكتَّاب العراقيين، وممثلهم هنا كاتب الرواية. ولا أظن أن هذا الأمر يقع على عاتق الكاتب وروايته، أو يشكِّل مثلبة عليه وعلى روايته؛ ذلك أن رواية الديكتاتور، كما تقدِّمها روايات أميركا اللاتينية، تبني عوالمها السردية على أساس من وجود التفاصيل المبذولة في الملفات الخاصة عن حياة الديكتاتور؛ فهي قصته وسيرته الشخصية المستمدة من الملفات المعاد تخيَّلها في روايات كتاب أميركا اللاتينية، وهو ما فعله، بالضبط، صاحب رواية عالم صدام حسين الذي لا نعرف حقيقة جنسيته، لكن روايته تقول لنا إن مؤلفها قد قرأ الملف الشخصي لصدام حسين وما يتَّصل به من ملفات ساندة. وهذا أمر غير متوافر في الحالة العراقية، فأين هي ملفات صدام الذي تذكره نوفيلّا الجزائري باسمه الشخصي المعروف، كما تنص على غيره من الأسماء العراقية الحقيقية المرتبطة به؛ هل يملك العراق ملفاً شخصياً حقيقياً عن حياة صدام؟ بيقين أقول، كلا، وألف كلا؛ فكلُّ شيء جرى تدميره أو سرقته أو حرقه وإتلافه، وكأنهم لا يريدون للعراق أن يكتب روايته الخاصة عن الديكتاتور العراقي السابق .
إن عجز الرئيس في نوفيلّا وراء الرئيس الهارب يترجم لنا عجزاً مماثلاً على صعيد الرواية العراقية عن كتابة رواية ديكتاتور ينفرد بها العراق وحده دون سائر البلاد العربية. لماذا هذا التخصيص؟ لأنه لا ديكتاتور في العالم العربي غير الديكتاتور العراقي، وهذا حكم الثقافة والتاريخ والجغرافيا والمعرفة أيضاً، مثلما إن لا منفى، عربياً، غير ما أنتجه الشتات الفلسطيني والمنفى العراقي المتواصل بعنادٍ ووقاحة لا غفران لها.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!