«أرمينيا باشينيان»... علاقات معقدة مع موسكو وأزمة في قره باغ

«أرمينيا باشينيان»... علاقات معقدة مع موسكو وأزمة في قره باغ

السبت - 15 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 31 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15313]

وفقًا للعديد من الخبراء، تميزت السياسة الاقتصادية لرئيس وزراء أرمينيا الحالي نيكول باشينيان بأنها «نيو ليبرالية». وحقاً، عمل الزعيم الأرميني على تخفيض الضرائب على الشركات الصغيرة، وتقليل عدد الوزارات والإدارات الحكومية، وإدخال حوافز ضريبية للشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في أرمينيا. وعموماً، مع وصول باشينيان إلى السلطة، بدأ الناتج المحلي الإجمالي لأرمينيا في النمو. وفي العام 2019 بلغ النمو 7.6 في المائة.
في هذا السياق بدأت ملامح سياسة باشينيان الخارجية تتضح، في إطار توجهه نحو تعزيز العلاقات مع أوروبا، وإعلانه عزمه على إدخال نظام بدون تأشيرة بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا. وكذلك، وصفه الاتحاد الأوروبي بأنه «الشريك الرئيس» لأرمينيا في الإصلاحات. إلا أنه مع ذلك تعامل بحذر شديد مع موسكو، إذ تعمد أن تكون ثاني زيارة خارجية له بعد انتخابه مباشرة، بها إلى منتجع سوتشي الروسي للقاء الرئيس فلاديمير بوتين بهدف تأكيد نياته المحافظة على علاقات وثيقة مع الجارة الروسية. وللعلم، كانت الزيارة الأولى خارجياً إلى قره باغ حيث شارك في فعالية احتفالية.
بصفة عامة، بدا أن باشينيان كرئيس وزراء أدار انقلاباً هادئاً في قناعاته السابقة حول العلاقة مع موسكو، وبدأ يخفف من اندفاعاته في عدد من المواقف. ويكفي تذكر أنه عندما كان نائبا عن المعارضة، صوت في العام 2013 ضد عضوية أرمينيا في «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» الذي أنشأته روسيا، بحجة أن العضوية في الاتحاد تهدد الأمن القومي لأرمينيا وسيادتها، ويمكن أن تضر أيضًا بعلاقات أرمينيا مع الغرب والدول المجاورة، بما في ذلك إيران وجورجيا. ثم إنه بحسب قول باشينيان، دخلت أرمينيا الاتحاد الاقتصادي الأوراسي «ليس طواعية، بل قسراً». ووصف العلاقات بين روسيا وأرمينيا بـ«العلاقة بين المتحدث والمستمع». وانتقد الرئيس السابق سيرج سركسيان في موضوع الأمن والدفاع وفكرة الاعتماد على روسيا في ضمان ذلك، وقال في حينها إن أرمينيا «خسرت في مسألة التوازن العسكري مع أذربيجان بسبب تدخل الاتحاد الروسي في هذا الملف».
وفوق كل هذا، صوت باشينيان عام 2016 ضد إنشاء نظام دفاع جوي روسي متكامل في القوقاز، قائلاً إن على أرمينيا تطوير نظام دفاع جوي خاص بها. وتساءل «لماذا يجب أن ننقل أنظمة دفاعنا الجوي تحت قيادة روسيا؟... روسيا لا يمكن اعتبارها ضامناً حقيقياً لأمن أرمينيا. هذه الاتفاقية تخلق فقط وهم تعزيز أمن أرمينيا».
بيد أن تطور مواقف باشينيان حول العلاقة مع روسيا لم يكن وليد لحظة، بل امتد لسنوات بعد تأسيس حزبه، فهو عارض مواقف المتشددين في الذين دعوا إلى تبني فكرة التكامل الأوروبي، وانسحاب أرمينيا من «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» و«الاتحاد الاقتصادي الأوراسي». وبعد وصوله إلى السلطة، اتضحت معالم التبدل في نظرته إلى العلاقة مع موسكو، وقال إن أرمينيا لن تغادر «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» و«الاتحاد الاقتصادي الأوراسي». وأوضح أنه «ليس لديه مشاكل مع القاعدة العسكرية الروسية» في أرمينيا، مبررًا وجودها بالحاجة لإقامة توازن في ظل العلاقات السيئة بين أرمينيا وتركيا. ورأى أن القاعدة الروسية في كيومري «تحرس الحدود الأرمنية التركية وأرمينيا بحاجة إليها». وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أعلن أن أرمينيا لن تنضم إلى «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، لكنها ستواصل تطوير العلاقات مع هذه المنظمة.
الخيارات الصعبة في قره باغ
على صعيد ثانٍ، حملت المواجهة الواسعة في ناغورني قره باغ أخيراً تعقيدات جدية وضعت باشينيان أمام خيارات صعبة، ومن أبرزها إظهارها حاجة أرمينيا إلى تعزيز التحالف العسكري والأمني مع موسكو. هذا يعني وضع البلاد في مسار مخالف لتوجهات رئيس الوزراء الذي سعى إلى تطوير العلاقات مع الغرب. لذلك بدا باشينيان حذرا في طلب المساعدة الروسية عسكريا، وسعى إلى تنشيط الاتصالات مع فرنسا والولايات المتحدة بصفتهما العضوين الآخرين في الرئاسة المشتركة لـ«مجموعة مينسك».
ولكن تطورات الموقف الميداني تبقي السيناريوات المختلفة مفتوحة، وخصوصا بسبب نجاح أذربيجان في تحقيق تقدم ميداني واسع. هذا الأمر دفع باشينيان إلى الشروع بتجهيز البلاد لخوض الخيارات الأسوأ، وهو ما ظهر من خلال إشارته أخيرا إلى أن «أرمينيا لن تستسلم، وستقاوم حتى النصر». لكن لا خيار أمام الزعيم الأرميني إلا بالحصول على دعم من موسكو وطهران. ويضاف إلى ذلك تشكيل تحالف واسع تقوده فرنسا التي شددت لهجتها في مواجهة التدخل التركي الواسع.
المشكلة هنا، أن موسكو لا تبدو متسرعة للانخراط في عملية لا تبدو نتائجها محسومة، خصوصاً، مع محاولات باشينيان الإبقاء حتى الآن على التوازن في علاقاته مع الغرب من جانب ومع روسيا من جانب آخر. ثم إن باشينيان لا يبدو قادرا على تفعيل «معاهدة الأمن الجماعي» مع روسيا التي كان طالب في وقت سابق بالانسحاب منها، خصوصا أن المعاهدة تنص على «تدخل البلدان المنضوية في المعاهدة لحماية أي عضو يتعرض لاعتداء يهدد أمنه وسيادته»، وهو نص لا ينسحب على الوضع في قره باغ حيث تدور المعارك في منطقة متنازع عليها، وليس داخل الأراضي الأرمينية.
في أي حال يظل ملف قره باغ يشكل عنصرا جامعا لكل أرمينيا، ما يعني أن باشينيان الذي كان رفع شعار «الدفاع عن أرتساخ» (أرتساخ الاسم الأرمني للإقليم) خلال قيادته الأعمال الاحتجاجية في يريفان في 2018 لا يمكنه التراجع وقبول تسوية جديدة تنهي السيطرة الأرمينية على جزء من الإقليم المتنازع عليه.


أرمينيا أخبار أرمينيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة