وزيرة الخارجية الإندونيسية: على المجتمع الدولي دعم حل أزمتي اليمن وسوريا سياسياً

قالت في حوار مع «الشرق الأوسط» إن رئاسة السعودية لمجموعة العشرين وحدتها أمام أزمة الجائحة

ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)
ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)
TT

وزيرة الخارجية الإندونيسية: على المجتمع الدولي دعم حل أزمتي اليمن وسوريا سياسياً

ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)
ريتنو مارسودي (الشرق الأوسط)

أكدت ريتنو مارسودي وزيرة الخارجية الإندونيسية على ضرورة إيقاف تصعيد النزاع ووقف عسكرة بحر الصين الجنوبي فورا كضرورة ملحة. وأشارت إلى ضرورة تدعيم العملية السلمية السياسية في اليمن وسوريا.
وأرسلت جاكرتا 3 رسائل لمجموعة العشرين، شددت خلالها على ضرورة تعزيز تعاون مجموعة العشرين من أجل توفير اللقاحات العادلة والقدرة على تحمل تكلفتها، ودعم تعافي التجارة والاستثمار الدوليين، وتمكين منظمة الصحة العالمية، لدعم البلدان النامية في مواجهة جائحة «كورونا».
وأكدت الوزيرة، أن السعودية أبلت بلاء حسنا لدى قيادتها لأعمال مجموعة العشرين، في أحلك الظروف التي تمر على البشرية.
وقالت مارسودي في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات الملموسة للاستجابة للصدمات العالمية غير المسبوقة، ومساعدة دول العالم الأشد فقرا في النجاة من تداعيات الأزمة. أعتقد أنه في ظل رئاسة السعودية، يمكن لمجموعة العشرين أن تظل موحدة وتعمل معا لمعالجة هذه الأزمة وتحدي التعددية». وتابعت: «نشيد برئاسة المملكة لمجموعة العشرين على قيادتها وجهودها القصوى في قيادة هذا المنتدى لضمان أهمية مجموعة العشرين خلال الأزمة، حيث التزمت المجموعة بضخ أكثر من 5 تريليونات دولار من الحوافز المالية المستهدفة في الاقتصاد العالمي، من شأنها أن تساعد في الحد من الآثار الاقتصادية المدمرة، فضلا عن مساعدة البلدان المحتاجة لمكافحة تفشي الجائحة مع الدعوة إلى مشاركة الدائنين من القطاع الخاص». وفيما يلي تفاصيل الحوار:
> تنعقد قمة مجموعة العشرين في نوفمبر (تشرين الثاين) المقبل برئاسة السعودية. ما أهمية هذه القمة من حيث التوقيت والمكان؟ وما هي أهم الملفات التي سيتم بحثها؟
- لنتذكر أن مجموعة العشرين ولدت من رحم أزمة في عام 1999، وواجهت مرة أخرى تحديات في 2008 - 2009 مع الأزمة المالية العالمية. منذ ترقيتها إلى القمة رفيعة المستوى لرؤساء الدول والحكومات في عام 2008، لعبت دورا أساسيا في تمكين التعاون الدولي وتحمل مسؤولية القيادة العالمية في وقت الأزمات، لذلك، كمنتدى يمثل معظم الاقتصاد العالمي، فإنه حان الوقت لمجموعة العشرين لإظهار الوحدة والتضامن من خلال استجابة عالمية منسقة للانتعاش الاقتصادي.
من هذا المنطلق أرغب في تسليط الضوء على بعض العناصر المهمة لأكون جزءا من نتائج زعيم مجموعة العشرين في نهاية هذا العام، تتمثل في 3 رسائل، أولا، يتحتم أن تتعاون مجموعة العشرين من أجل توفير اللقاحات العادلة والقدرة على تحمل تكلفتها، حيث يتحتم أن تحقق منفعة عامة عالمية يمكن الوصول إليها عالميا. ثانيا، مواصلة مجموعة العشرين دعم تعافي التجارة والاستثمار الدوليين، كمحرك مهم للنمو وخلق فرص العمل خلال فترة الأزمة هذه.
ثالثا، تعزيز عمل مجموعة العشرين مع المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، لدعم البلدان النامية في مواجهة التعافي الصحي والاجتماعي والاقتصادي بسبب جائحة «كورونا».
> ما تقييمك للدور الذي لعبته السعودية في نجاح أنشطة واجتماعات دول مجموعة العشرين في ظل جائحة «كورونا» والتوصيات والاقتراحات التي نتجت عنه على مختلف المستويات؟
- تأتي رئاسة السعودية لمجموعة العشرين في عام استثنائي، حيث يستمر تفشي جائحة «كوفيد - 19» في حماية الاقتصاد العالمي. في خضم هذه الأزمة، نشهد أيضا عدم وجود بيئة مواتية، بما في ذلك التنافس بين القوى الكبرى، وتدهور روح التعاون، وتراجع القيادة العالمية الجماعية. لا يمكن حلها إلا إذا وضعنا الاختلافات جانبا وقمنا بزيادة التعاون العالمي.
لذلك، نشيد برئاسة السعودية لمجموعة العشرين على قيادتها وجهودها في القيادة لضمان أهمية مجموعة العشرين خلال الأزمة.
>على الصعيد الثنائي ما تقييمك للعلاقات السعودية الإندونيسية على مختلف المستويات؟
- تعد السعودية من شركاء إندونيسيا المهمين على المستويات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف. ومع احتفالنا بالذكرى السنوية الثالثة والسبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، واثقون من أنه يمكننا تعزيز التعاون الوثيق بين البلدين، حيث تتجاوز علاقتنا الوثيقة السياق الثنائي، من خلال التعاون على المستوى الإقليمي ومتعدد الأطراف مثل مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وحركة عدم الانحياز ومجموعة 77. بهذه الطريقة، سنعمل على تعزيز مساهمتنا في الحفاظ على السلام والاستقرار والازدهار في مناطقنا وكذلك من أجل مصلحة الأمة. منذ عام 1982 أصبح لدى البلدين آلية ثنائية على شكل اجتماع للجنة المشتركة. في عام 2018 اتفقنا على رفع هذه اللجنة المشتركة إلى المستوى الوزاري. ففي الوقت الحالي نخطط لرفع الآلية الثنائية للبلدين إلى مستوى رئيس الحكومة.
> ما هو تقييمك للدور الذي تلعبه السعودية في المنطقة في مكافحة الإرهاب على وجه التحديد؟
- إندونيسيا والمملكة لديهما نفس الالتزام في مكافحة الإرهاب وتعزيز وجه الإسلام السلمي والتسامح الحقيقي. حاليا، يعمل البلدان عن كثب لتعزيز تعاونهما في مجال مكافحة الإرهاب، وسيصبح هذا التعاون الوثيق معيارا للتعاون الأكبر بين البلدين في المنطقة وفي المنتدى الدولي، ويتحتم أن تصبح كل من السعودية وإندونيسيا «جزءا من الحل» وليست «جزءا من المشكلة» في القضاء على الإرهاب والمساهمة في الحفاظ على السلام العالمي.
>ما هي آخر التطورات في مجال التعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين؟
- بناء على نتائج الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين البلدين وديناميكيات العلاقات الثنائية، يعمل البلدان حاليا على إنشاء وتنفيذ أوجه تعاون مختلفة في مجالات مختلفة وإن أهم ما يميز العلاقات الثنائية الحالية بين إندونيسيا والمملكة هو خطة تشكيل مجلس قيادي إندونيسي سعودي، وهو الآن في مرحلة المفاوضات.
>ما رأيك في الأزمة في منطقة الشرق الأوسط كالأزمة السورية وكذلك اليمنية وهل يمكن أن يكون لإندونيسيا دور في المساهمة فيه؟
- تعلمت إندونيسيا بشكل مباشر أن الحل السلمي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تعزيز الشمولية والجسر البناء. وللقيام بذلك، يتحتم أن نبتعد عن أي أعمال تتعلق بالمصلحة الذاتية من شأنها أن تعرقل التقدم. ومن المهم أن يواصل المجتمع الدولي تقديم الدعم لمحادثات السلام. في النهاية، نعتقد أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة السياسية وتحقيق السلام المستدام.
>على صعيد العلاقات الإندونيسية الأميركية يلاحظ تعزيز الشراكة الاستراتيجية على أهداف مشتركة بين البلدين في بحر الصين الجنوبي... ما السرّ في ذلك؟
- في السنوات السبعين الماضية، كانت علاقاتنا مع الولايات المتحدة قوية وتتحسن باطراد، حيث تمثل رابع أكبر شريك تجاري لنا وسادس أكبر مستثمر. وفيما يتعلق بالتعاون الإنمائي، كانت الولايات المتحدة تدعم إندونيسيا في الكثير من الطرق، بما في ذلك التعامل مع الجائحة، وإلى جانب التعاون الاقتصادي والتنموي، لدينا أيضا شراكة قوية في مجالات التعاون الدفاعي والتعليم والابتكار والبحث والاتصال بين الناس. وفي عام 2015 وافقت إندونيسيا والولايات المتحدة على الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى جديد. من شراكة شاملة إلى شراكة استراتيجية. وفي إطار الشراكة الاستراتيجية، اتفقنا على تحسين علاقاتنا ليس فقط على المستوى الثنائي، ولكن أيضا على المستوى الإقليمي والمتعدد الأطراف، وكشريكين استراتيجيين، ستواصل إندونيسيا والولايات المتحدة تعزيز الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة.
وبدلا من المبالغة في خلافاتنا، نحن ملتزمون بتعزيز شراكتنا الثنائية والعمل معا على مصالحنا المشتركة والقيم المشتركة. فعلى المستويين الإقليمي والدولي، نتعاون في الكثير من المجالات، مثل بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومكافحة الإرهاب وغيرها الكثير. أما فيما يتعلق بعلاقاتنا مع الولايات المتحدة والنزاع الحالي في بحر الصين الجنوبي، أود أن أكرر وأؤكد موقفنا وهو أن إندونيسيا ليست طرفا في النزاع. وسندعم ونحترم دائما مبادئ القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
عموما فإن إندونيسيا تحث جميع الأطراف على دفع الحوارات والتسوية السلمية للنزاعات، ولا سيما مدونة قواعد السلوك، التي تعمل «الآسيان» عليها حاليا. وعليه نشدد على إيقاف تصعيد النزاع ووقف عسكرة بحر الصين الجنوبي على الفور، مع ضرورة أن نعطي الأولوية لتعاوننا لمكافحة الوباء واستعادة اقتصادنا.
وفي هذا السياق، أتطلع إلى العمل مع جميع الأطراف للحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، حيث نقلت رسالتنا إلى الوزيرين الأميركي مايك بومبيو ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في مناسبات كثيرة، كلاهما يتفهم ويحترم موقف إندونيسيا.
>أبدى مجلس العلماء الأندونيسيين الاهتمام بدراسة عملية السلام الأفغانية. ما هي رؤيتك للمفاوضات التي جرت مؤخرا بين الحركة الطلابية والإدارة الأميركية؟
- إندونيسيا ملتزمة بعملية السلام في أفغانستان، ونحن نقوم بدور في دعم مفاوضات السلام في أفغانستان، وعلى سبيل المثال، قمنا بتقديم المنح وبرامج بناء القدرات بالإضافة إلى تسهيل عدد من المبادرات المتعلقة بأفغانستان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وفي محاولة لبناء أساس أقوى لعملية السلام، لا سيما بعد أن قدم الرئيس الأفغاني أشرف غني طلبا رسميا إلى الرئيس جوكو ويدودو للمساعدة في هذا المشروع المهم، نظمت إندونيسيا مؤتمر العلماء في مايو 2018، والذي كان موضع تقدير كبير من قبل الأفغان وأشادت بها الدول الأخرى. كما نجح المؤتمر في حشد الزخم نحو عملية السلام في ذلك الوقت باستضافة مجلس العلماء الإندونيسي، حيث كان موضوعه «الإسلام باسم رحمة للألمين: السلام والاستقرار في أفغانستان»، وكان جزءا من التزام إندونيسيا بتعزيز دور العلماء في تعزيز السلام، لأنهم يمثلون الشخصيات التي يتابعها معظم الأفغان ويُصغى إليهم، بالإضافة إلى أن إندونيسيا بدأت أيضا في إنشاء شبكة التضامن النسائي الأفغاني - الإندونيسي، وتتكون الشبكة من الكثير من الشخصيات النسائية المهمة والمؤثرة من إندونيسيا وأفغانستان، حيث تم تشكيلها بغرض مساعدة أفغانستان في النهوض بدور المرأة في إقامة السلام والحفاظ عليه.
وفيما يتعلق بآخر التطورات في المفاوضات المباشرة بين حكومة أفغانستان و«طالبان»، مفاوضات السلام في أفغانستان «APN»، فإن إندونيسيا ترحب بالعملية وتدعمها بالكامل.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...