ماكرون يدعو الفرنسيين إلى «عدم الاستسلام لشعور الرعب» بسبب العمليات الإرهابية

ثلاثة قتلى في نيس... والحكومة ترفع التأهب الأمني إلى الدرجة القصوى

الرئيس الفرنسي يتحدث إلى الجنود الفرنسيين في موقع الهجوم الإرهابي بمدينة نيس أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي يتحدث إلى الجنود الفرنسيين في موقع الهجوم الإرهابي بمدينة نيس أمس (رويترز)
TT

ماكرون يدعو الفرنسيين إلى «عدم الاستسلام لشعور الرعب» بسبب العمليات الإرهابية

الرئيس الفرنسي يتحدث إلى الجنود الفرنسيين في موقع الهجوم الإرهابي بمدينة نيس أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي يتحدث إلى الجنود الفرنسيين في موقع الهجوم الإرهابي بمدينة نيس أمس (رويترز)

ليلة الرابع عشر من يوليو (تموز) عام 2016 وعند الساعة العاشرة، نفذ التونسي محمد الأحوج بوهلال عملية دهس إرهابية في الجادة المسماة «متنزه الإنجليز» في مدينة نيس الفرنسية المتوسطية التي تعد إحدى أجمل مدن «الريفييرا الفرنسية». وخلال العملية التي استمرت أربع دقائق، قضى بوهلال على 86 شخصاً، وأصاب مئات من الذين كانوا يتفرجون على الألعاب النارية بمناسبة العيد الوطني الفرنسي بالجروح. من هنا، فإن الهجوم الإرهابي الذي استهدف صباحاً كاتدرائية المدينة التي لا تبعد سوى عشرت الأمتار فقط عن مسرح الجريمة الأولى، أعاد إلى أذهان سكانها وإلى الفرنسيين بشكل عام أن سيف الإرهاب ما زال مسلطاً على رؤوسهم، خصوصاً أن عملية نيس أمس، جاءت بعد أسبوعين فقط على عملية إرهابية أخرى ارتكبها لاجئ روسي الجنسية، شيشاني الأصل في مدينة كونفلان سانت هونورين (شمال باريس)، حيث قام بذبح صامويل باتي، مدرس مادة التاريخ والجغرافيا في تكميلية المدينة وفصل رأسه عن جسده انتقاماً منه كونه أبرز صوراً كاريكاتورية مسيئة في صفه، في مادة حرية التعبير، سبق أن نشرتها وأعادت نشرها مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة.
صباح أمس، كانت المدينة الوادعة مجدداً على موعد مع الإرهاب. فقد هاجم رجل يدعى، بحسب ما تسرب عن الأجهزة الأمنية، إبراهيم وهو تونسي الجنسية ووصل حديثاً إلى فرنسا مروراً بجزيرة لامبيدوزا الإيطالية، ويبلغ من العمر 21 عاماً، الكاتدرئية، مسلحاً بسكين، فقتل بداية الرجل الذي يقوم بخدمتها، ثم عمد إلى مهاجمة امرأتين؛ فذبح الأولى وقطع رأسها وأصاب الثانية بجروح بالغة. إلا أن هذه الأخيرة نجحت في الخروج من الكاتدرائية ولجأت إلى مقهى قريب حيث توفيت. وأفادت أنباء عن وقوع جرحى آخرين لم تكن قد حددت هوياتهم حتى عصر أمس. وسريعاً جداً، تدخلت الشرطة البلدية والشرطة الوطنية بناء على اتصال هاتفي من أحد المواطنين. وبينت مقاطع فيديو نشرتها «القناة الإخبارية الفرنسية» (أل سي آي) عدداً من رجال الشرطة (ستة أو سبعة) يقتحمون الكاتدرائية من باب جانبي وسمع العديد من طلقات النار انتهت بالسيطرة على الجاني الذي أصيب بالرصاص لكنه بقي حياً، ونقل سريعاً إلى مستشفى «باستور» في المدينة. وأكد عمدة المدينة أن الجاني استمر بالصياح «الله أكبر»، حتى بعد السيطرة عليه، ما اعتبره كريستين أستروزي بمثابة «توقيع» يفيد بأن الهجوم عمل إرهابي إسلاموي. وفي تصريح بعيد الحادثة، قال أستروزي إن سكان نيس وقعوا أمس، «مجدداً ضحايا (الإرهاب الإسلاموي) وأنهم يدفعون جزية ثقيلة لكونهم ضحاياه».
وأضاف المسؤول المحلي: «طفح الكيل... حان الوقت الآن لكي تتبرأ فرنسا من قوانين السلام من أجل القضاء نهائياً على (الفاشية الإسلاموية) في أراضينا»، كما طالب بقوات إضافية من الشرطة من أجل «تعزيز أمن المدينة وطمأنة سكانها». وعمدت البلدية الى إقفال كل كنائس المدينة. وفي السياق عينه، تسلمت القضية النيابة العامة المتخصصة بالشؤون الإرهابية وعمدت إلى فتح تحقيق قضائي تحت عناوين متعددة؛ أولها «ارتكاب عمليات اغتيال ذات علاقة بمشروع إرهابي»، والقيام بمحاولة اغتيال وتشكيل مجموعة إجرامية إرهابية. وكلفت الإدارة العامة للأمن الداخلي (المخابرات الداخلية) والإدارة المركزية للشرطة القضائية القيام بالتحقيق. ولم تكن عملية نيس وحدها التي أثارت قلق الأمنيين ونقمة الفرنسيين، إذ بعد ساعات قليلة أطلق عناصر من الشرطة في مدينة أفينوين الواقعة جنوب البلاد، النار على رجل كان يشهر سكيناً ويحاول الاعتداء على مارة، مردداً، بحسب مصارد الشرطة في هذه المدينة: «الله أكبر».
وأفادت معلوماتها بأن الدورية طلبت منه الانصياع لأوامرها ورمي سكينه، إلا أنه رفض ذلك، ما دفعها لإطلاق رصاصات مطاطية باتجاهه ثم الرصاص الحي ما أرداه قتيلاً. وفي الحالتين، ضربت القوى الأمنية طوقاً حول مكاني الهجومين، خصوصاً في نيس، حيث أغلقت الطرقات المفضية إلى الكاتدرائية ومنها الشارع المسمى جاك ميدسين الذي يعد أحد أكبر الشوارع ازدحاماً في المدينة، حيث يقع كثير من المطاعم والمقاهي وأسواق الخضار والأسماك والزهور. وترتاد الشارع المذكور أعداد كبيرة من سياح الداخل والخارج. وكان لافتاً أن السلطات الدينية في المدينة كشفت عن تلقيها تنبيهات من الجهات الأمنية تحذرها من احتمال حصول هجمات إرهابية في المدينة. وقال جيل فلوريني، وهو كاهن مسؤول في المدينة، إن الكنيسة تلقت تحذيراً «قبل يومين أو ثلاثة أيام بصدد حصول هجمات (إرهابية) إضافية مع اقتراب عيد جميع القديسين (الذي هو مناسبة لتذكر الموتى عند المسيحيين)». وأضاف الكاهن المذكور أن المسؤولين الكنسيين «كانوا في حالة تأهب لكنهم لم يتوقعوا أن يحصل الاعتداء بهذا الشكل».
وأثارت هذه العملية ردود فعل فورية. فالنواب الذين كانوا مجتمعين لإقرار خطة الرئيس ماكرون لفرض الحجر على كامل الأراضي الفرنسية حتى الأول من ديسمبر (كانون الأول) المقبل أوقفوا أعمالهم ووقفوا دقيقة صمت حداداً على الضحايا. ولاحقاً، قال رئيس الحكومة جان كاستيكس بعد عودته من اجتماع طارئ لخلية الأزمة في وزارة الداخلية برئاسة الرئيس ماكرون وحضور وزير الداخلية جيرالد دارمانان والمسؤولين الأمنيين، إن الحكومة قررت رفع حالة التأهب الأمني إلى الدرجة القصوى، وإن ردها على العملية الإرهابية «سيكون صارماً وحازماً وفورياً». ووصف عملية نيس بأنها «هجوم جبان»، مضيفاً أن اجتماعاً للمجلس الأعلى للدفاع سيعقد صباح اليوم في قصر الإليزيه. وكما في كل مرة تحصل فيها عملية إرهابية، زار ماكرون مدينة نيس ورافقه وزيرا الداخلية والعدل وشخصيات من الكنيسة الكاثوليكية. ولدى وصول الرئيس الفرنسي إلى مكان الحادثة، أدلى بتصريح ندد فيه بـ«الإعتداء الإرهابي الإسلاموي»، مستعيداً العبارة نفسها التي استخدمها في تعليقه على عملية كونفلان سانت هونورين. وأضاف ماكرون وعلامات التجهم بادية على وجهه، أن فرنسا «لن تتنازل عن قيمها»، ذاكراً منها «حرية الإيمان أو عدم الإيمان»، معتبراً أن بلاده تهاجم بسبب دفاعها عن قيمها. وككل مرة، دعا ماكرون الفرنسيين إلى التمسك بوحدتهم وإلى «عدم الاستسلام لشعور الرعب» إزاء تكرار العمليات الإرهابية التي تستهدفهم. وعملياً، كشف عن زيادة أعداد العسكريين الذين يعملون في إطار ما يسمى «عملية سانتينيل» لمساندة قوى الأمن الداخلي، رافعاً العدد من 3 آلاف إلى 7 آلاف، وذلك لتوفير الحماية الكافية لأماكن العبادة بما فيها الكنائس مع اقتراب عيد جميع القديسين الأحد المقبل وأعياد الميلاد ورأس السنة.
وعلى الصعيد السياسي أيضاً، أثارت الحادثة ردود فعل كان أعنفها ما صدر عن مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف التي دعت إلى العمل بقوانين عرفية لجبه العمليات الإرهابية المتكررة بفرنسا. وقال النائب أريك سيوتي وهو ينتمي إلى حزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي، إنه «حان الوقت لتغير الحكومة أسلوب تعاطيها والإطار القانوني لمحاربة الإرهاب»، مضيفاً أن هناك أشخاصاً خطرين تعرفهم الأجهزة الأمنية ويتعين التخلص منهم وطردهم. وكان سيوتي يشير بذلك إلى ما يسمى لوائح الأشخاص الذين يعتبرون تهديداً أمنياً بسبب راديكاليتهم الإسلاموية. وقال وزير الداخلية عقب عملية كونفلان سانت هونورين، إن هناك 261 شخصاً من هؤلاء سيتم ترحيلهم، كما أن هناك 51 جمعية ستتم مراجعة أوضاعها. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة أمرت بحل جميعة «بركة سيتي» و«تجمع الشيخ ياسين»، لاعتبار أنهما يدخلان في إطار التوجهات «الراديكالية الإسلاموية», وتعمل الحكومة على الإعداد لمشروع قانون بالغ التشدد لمحاربة ما تسميه «الانفصالية الإسلاموية»، أو محاربة «أعداء الداخل»، وفق توصيف وزير الداخلية. ولم يتأخر رد فعل الجالية المسلمة التي تستشعر خطر الإساءات اللاحقة بها بسبب العمليات الإرهابية. فقد صدر عن رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية محمد موسوي بيان جاء فيه: «إنني أدين بقوة الاعتداء الإرهابي الذي حصل قريباً من كاتدرائية نوتردام في نيس. وتعبيراً عن حزننا وتضامننا مع الضحايا وأقربائهم، أدعو مسلمي فرنسا إلى إلغاء الاحتفالات التي ترافق المولد النبوي».


مقالات ذات صلة

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

العالم إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

قضت محكمة إسبانية، الجمعة، بالسجن 10 سنوات على زعيم خلية «إرهابية» نشطت في برشلونة، و8 سنوات على 3 آخرين بتهمة التخطيط لهجمات ضد أهداف روسية في المدينة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وذكرت «المحكمة الوطنية» في مدريد، في بيان، أنها أدانت «4 أعضاء في خلية إرهابية متطرفة مقرُّها برشلونة، حدّدوا أهدافاً روسية لتنفيذ هجمات ضدَّها في عاصمة كاتالونيا بشمال شرقي إسبانيا. وأضافت المحكمة، المسؤولة خصيصاً عن قضايا «الإرهاب»، أنها برّأت شخصين آخرين. وجاء، في البيان، أن زعيم الخلية «بدأ تحديد الأهداف المحتملة، ولا سيما المصالح الروسية في عاصمة كاتالونيا، وأنه كان في انتظار الحصول على موادّ حربية». وأوض

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

أعلنت السلطات الألمانية، الثلاثاء، القبض على سوري، 28 عاماً، في هامبورغ للاشتباه في تخطيطه شن هجوم ارهابي. وأعلن المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، والمكتب الإقليمي للشرطة الجنائية في ولاية هامبورغ، ومكتب المدعي العام في الولاية أنه يُشتبه أيضاً في أن شقيق المتهم الذي يصغره بأربع سنوات، ويعيش في مدينة كمبتن ساعده في التخطيط. ووفق البيانات، فقد خطط الشقيقان لشن هجوم على أهداف مدنية بحزام ناسف قاما بصنعه.

«الشرق الأوسط» (هامبورغ)
العالم هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

حكمت محكمة هولندية، اليوم (الخميس)، على أربع نساء، أعادتهنّ الحكومة العام الماضي من مخيّم للاجئين في سوريا، بالسجن لفترات تصل إلى ثلاث سنوات بعد إدانتهنّ بتهم تتعلق بالإرهاب. وفي فبراير (شباط) 2022 وصلت خمس نساء و11 طفلاً إلى هولندا، بعدما أعادتهنّ الحكومة من مخيّم «الروج» في شمال شرقي سوريا حيث تُحتجز عائلات مقاتلين. وبُعيد عودتهنّ، مثلت النساء الخمس أمام محكمة في روتردام، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، حيث وجّهت إليهن تهمة الانضمام إلى مقاتلين في تنظيم «داعش» في ذروة الحرب في سوريا، والتخطيط لأعمال إرهابية. وقالت محكمة روتردام، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ النساء الخمس «قصدن ساحات ل

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
العالم قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

أفادت صحيفة «بيلد» الألمانية بسقوط قتيلين عقب إطلاق نار بمدينة هامبورغ اليوم (الأحد). وأوضحت الصحيفة أنه تم استدعاء الشرطة قبيل منتصف الليل، وهرعت سياراتها إلى موقع الحادث. ولم ترد مزيد من التفاصيل عن هوية مطلق النار ودوافعه.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

أعلن الادعاء العام الألماني في مدينة كارلسروه، اليوم (الخميس)، تحريك دعوى قضائية ضد شابين إسلاميين بتهمة الإعداد لشن هجوم في ألمانيا باسم تنظيم «داعش». وأوضح الادعاء أنه من المنتظر أن تجري وقائع المحاكمة في المحكمة العليا في هامبورغ وفقاً لقانون الأحداث. وتم القبض على المتهمَين بشكل منفصل في سبتمبر (أيلول) الماضي وأودعا منذ ذلك الحين الحبس الاحتياطي. ويُعْتَقَد أن أحد المتهمين، وهو كوسوفي - ألماني، كان ينوي القيام بهجوم بنفسه، وسأل لهذا الغرض عن سبل صنع عبوة ناسفة عن طريق عضو في فرع التنظيم بأفغانستان. وحسب المحققين، فإن المتهم تخوف بعد ذلك من احتمال إفشال خططه ومن ثم عزم بدلاً من ذلك على مهاج

«الشرق الأوسط» (كارلسروه)

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة على الصين، خلال محادثات عُقدت في نيويورك الأحد، إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، قبل أيام من لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ.

وجاء الاقتراح بعد ثلاثة أيام من تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانغشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية.

وفي الفترة نفسها، طرح خبراء أمنيون أميركيون وصينيون ضوابط مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، محذّرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثّل هجوماً متعمداً من الطرف الآخر.

وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار. فهل يزيد ذلك خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة لم تكن أي منهما تسعى إليها؟

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قرارات أسرع

دخل الذكاء الاصطناعي مجالات متعددة من العمل العسكري، من تحليل كميات ضخمة من المعلومات والصور إلى المراقبة ورصد التهديدات ودعم عمليات القيادة واتخاذ القرار.

وتكمن إحدى أبرز ميزاته العسكرية في السرعة. فالأنظمة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات خلال فترة قصيرة يمكن أن تمنح الجيوش قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وهي أفضلية تزداد أهميتها في ساحات قتال تتسارع فيها وتيرة العمليات.

لكن الميزة نفسها تحمل خطراً معاكساً. فكلما ازدادت سرعة رصد التهديد والرد عليه، تقلّص الوقت المتاح أمام البشر للتحقق من المعلومات وتقدير نيات الخصم قبل اتخاذ قرار قد يصعب التراجع عنه.

ويشير معهد «بروكينغز» الأميركي إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى المجال العسكري، من الدفاع الإلكتروني إلى أنظمة الأسلحة وتحليل المعلومات والقيادة واتخاذ القرار، يفتح مسارات جديدة أمام أخطاء أو سوء استخدام يمكن أن يقود إلى التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلّق الأمر بقوى نووية، حيث يمكن أن تكون تكلفة تفسير نشاط معادٍ بصورة خاطئة أكبر بكثير منها في ساحات القتال التقليدية.

وزراء دفاع الصين ولاوس وبيلاروسيا وكمبوديا قبيل افتتاح منتدى شيانغشان في بكين في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

ولا يحتاج هذا السيناريو إلى أن يتّخذ الذكاء الاصطناعي قرار شن حرب بصورة مستقلة. فقد تبدأ المشكلة قبل ذلك بكثير، عندما تصبح المعلومات التي ينتجها أو يحللها جزءاً من سلسلة القرارات التي يتخذها البشر.

فالأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وقد يؤدي تصنيف غير دقيق لهدف أو تحليل خاطئ لمعلومة إلى تقديم صورة مضللة لصانع القرار، خصوصاً عندما يكون مطالباً بتحديد طبيعة التهديد والرد عليه بسرعة.

كما تبرز مشكلة أخرى في العمليات الإلكترونية، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم. فقد يكون مصدره دولة أو مجموعة غير حكومية أو جهة تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يمكن أيضاً تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن دولة أخرى تقف خلفها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الآلة وحدها، بل في التفاعل بين معلومات غير مكتملة وسرعة متزايدة وضغط لاتخاذ القرار. وقد يقود الرد على هجوم نُسب بصورة خاطئة إلى الخصم إلى سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة يصعب وقفها لاحقاً.

مخاطر تطول الأنظمة النووية

ويزداد القلق عند ارتباط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة النووية والعمليات الإلكترونية.

وحذّر خبراء أمنيون أميركيون وصينيون، الأسبوع الماضي، من أن تدَخُّل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي في شبكة للقيادة والسيطرة النووية، أو تنفيذه عملية إلكترونية عسكرية، قد يترك الطرف الآخر أمام وقت محدود لتحديد ما إذا كانت الحكومة المنافسة تقف خلف ما حدث.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إطلاق حرب نووية من تلقاء نفسه. لكن دمجه في أنظمة الإنذار والتحليل العسكري يمكن أن يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أزمات يكون الوقت المتاح لإدارتها محدوداً أصلاً.

وتزداد المخاطر مع انتشار أنظمة عسكرية أكثر استقلالية، مثل المسيّرات والسفن غير المأهولة. فتحرُّك غير مقصود أو استجابة آلية لحادث في منطقة تشهد احتكاكاً عسكرياً يمكن أن يُفسَّرا بصورة مختلفة لدى الطرف المقابل، ما يفرض على الحكومات احتواء الأزمة بعد وقوعها.

إبقاء القرار بيد الإنسان

ودفعت مخاطر سوء التقدير إلى البحث عن ضوابط تضمن بقاء السيطرة البشرية في المجالات العسكرية الأكثر حساسية.

وكانت الولايات المتحدة والصين قد اتفقتا في أواخر عام 2024 على ضرورة بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية تحت سيطرة البشر. ويرى باحثون أميركيون وصينيون مشاركون في حوار ينظمه معهد «بروكينغز» و«مركز الأمن والاستراتيجية الدولية» في جامعة تسينغهوا الصينية أن هذا المبدأ يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لضوابط أوسع.

ومن بين المقترحات إبقاء قرار تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة النووية والبنى التحتية الحساسة بيد البشر، وتحديد معنى واضح لـ«السيطرة البشرية» على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

كما يقترح الخبراء إنشاء قناة اتصال أميركية - صينية مخصصة للحوادث الناجمة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي أو الهجمات الإلكترونية المرتبطة به، بهدف منع سوء الفهم من التحوّل إلى أزمة أوسع.

ولا تمثل هذه المقترحات اتفاقاً بين الحكومتين، لكنها تزامنت مع تحرّك رسمي في الاتجاه نفسه. فقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد محادثاته مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، الأحد، إن واشنطن اقترحت آلية للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، على أن يبحث ترمب وشي هذه الآلية خلال لقائهما.

سباق أسرع من الضوابط

لكن إبقاء الإنسان ضمن سلسلة اتخاذ القرار لا يحل المشكلة بالكامل. فالولايات المتحدة والصين لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة لتنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، فيما يستمر التنافس بينهما على تطوير قدرات أكثر تقدماً.

كما أن بقاء الكلمة الأخيرة للإنسان لا يعني بالضرورة امتلاكه الوقت والمعلومات الكافية للتأكد من صحة ما تقترحه الأنظمة الآلية. فزيادة سرعة الأنظمة العسكرية قد تفرض على البشر اتخاذ قراراتهم تحت ضغط أكبر.

ويضاف إلى ذلك ما يصفه باحثو «بروكينغز» بمعضلة أمنية ناجمة عن صعوبة معرفة القدرات الحقيقية التي يمتلكها الخصم، أو تحديد ما إذا كانت تطبيقاته العسكرية للذكاء الاصطناعي دفاعية أم هجومية. وقد يدفع الغموض كل طرف إلى افتراض السيناريو الأسوأ وتطوير قدرات مقابلة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحسابات السياسية التي تقود الدول إلى الحرب أو تمنعها منها، لكنه يغيّر جانباً من معادلة الردع بين الدول المتنافسة، عبر تسريع رصد التهديدات والاستجابة لها وتقليص الوقت المتاح لتقدير الموقف قبل اتخاذ القرار.

ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، تزداد أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية ومنح القادة الوقت الكافي للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء قبل اتخاذ القرار. فالسرعة التي توفرها هذه الأنظمة قد تكون ميزة عسكرية، لكنها تزيد في المقابل أهمية التأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ خطوات قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.


وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)

دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران أمس الاثنين إلى وقف تسليحها ودعمها للحوثيين في اليمن، معتبرين أن ذلك يمثل نمطا خطيرا من التصعيد ينذر بتقويض التجارة الدولية ويؤدي إلى عدم استقرار عالمي.

وقال وزراء خارجية بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة في بيان صدر عقب اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة «نستنكر بأشد العبارات الضربات المستمرة وغير المقبولة التي ينفذها الحوثيون في اليمن ضد المملكة العربية السعودية».

وأضافوا «ندعو الحوثيين إلى الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية والتهديدات والهجمات على السفن المدنية، والعودة إلى العملية السياسية بحسن نية».


ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)

يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائه المرتقب مع نظيره الأميركي، الاثنين، في نيويورك، التحدث مع دونالد ترمب «بصراحة» لمحاولة «توجيهه نحو القرارات الصائبة»، ولا سيما فيما يتعلق بأوكرانيا، وفق مصادر مقربة من ماكرون.

وأضافت المصادر ذاتها أن ماكرون سيحاول في هذا الصدد إقناع نظيره الأميركي بـ«مواصلة دعم أوكرانيا» و«زيادة الضغط على روسيا».

ومن المقرر أن يُعقد الاجتماع في الساعة 17:35 بالتوقيت المحلي (21:35 بتوقيت غرينتش)، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي مقابلة مع محطة «لا بروميير» التلفزيونية، صرح ماكرون بأنه يعتزم أيضاً العمل على «تخفيف حدة التوترات المتعلقة بالرسوم الجمركية» مع الولايات المتحدة.

كما أعرب الرئيس الفرنسي عن رغبته في التوصل إلى «حل سلمي» لأزمة مضيق هرمز الذي يُعد «مفتاحاً» لتهدئة التوترات في أسواق الوقود.

وأكد عزمه طرح قضية الحرب في أوكرانيا، لما لها من تداعيات على ملف الطاقة و«أمن الأوروبيين».

وقال الرئيس الفرنسي إنه يسعى لترسيخ التقدم الذي أُحرز خلال قمة مجموعة السبع في يونيو (حزيران) الفائت في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث بدا أن دونالد ترمب يقترب ولو مؤقتاً من المواقف الأوروبية بشأن هذه القضية.

ويطالب الأوروبيون الولايات المتحدة بالإبقاء على التزامها بتسوية الصراع، مع مشاركة أميركية في المفاوضات جنباً إلى جنب مع أوكرانيا وأوروبا.

كما يطالبون بضمانات أمنية، أي التزام أميركي قوي بما يكفي لردع أي هجوم روسي جديد قد يلي وقفاً محتملاً لإطلاق النار.

وكان مبعوثا ترمب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، قد توجها إلى كييف لأول مرة في سبتمبر (أيلول) لإحياء جهود الوساطة الأميركية في هذا النزاع الذي يُعد الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وسبق لهما زيارة روسيا مرات عدة، علماً بأن روسيا كثفت ضرباتها الجوية ضد أوكرانيا - ولا سيما العاصمة كييف - منذ فصل الصيف.

غير أن جولات عدة من المفاوضات الثلاثية باءت بالفشل في تحقيق أي تقدم ملموس في الماضي.

ويتوجه ماكرون إلى نيويورك آتياً من سان بيار وميكلون، وهي منطقة فرنسية صغيرة في شمال المحيط الأطلسي، حيث التقى الرئيس الفرنسي، الأحد، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني. ودافع الزعيمان عن سيادة بلديهما، وأكدا السعي إلى تقارب «عميق» في مواجهة «تهويل ترمب».