تسارع الإجراءات والتدابير الفرنسية في «الحرب على الإسلاموية»

تسارع الإجراءات والتدابير الفرنسية في «الحرب على الإسلاموية»

رسوم كاريكاتورية للرئيس التركي تزيد التوتر بين باريس وأنقرة
الخميس - 13 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 29 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15311]

باريس ماضية في تنفيذ التدابير والإجراءات الصارمة بحق من وما تعتبره يساهم في بث آيديولوجيا إسلاموية متطرفة أو الترويج لها. وجاءت العملية الإرهابية التي وقعت عصر 17 الحالي، قريباً من تكميلية مدينة كونفلان سانت هونورين، حيث ذبح اللاجئ عبد الله أنزوروف، وهو روسي الجنسية (18 عاماً) وشيشاني الأصل، مدرس التاريخ والجغرافيا صامويل باتي وفصل رأسه عن جسده لتضع الحكومة الفرنسية في موقف صعب دفعها للمباشرة بتنفيذ ما كانت قد توعدت به وجاء على لسان الرئيس إيمانويل ماكرون في باب محاربة «الانفصالية الإسلاموية». وعهدت لوزارتي الداخلية والعدل «ترجمة» التدابير والإجراءات على أرض الواقع، وهو ما انطلق مع البدء بترحيل العشرات من الأجانب المتهمين بتبني فكر راديكالي متشدد. وبحسب جيرالد دارمانان، وزير الداخلية، فإن ما لا يقل عن 261 سيطردون تباعاً من الأراضي الفرنسية. وجاءت الخطوة الثانية من خلال حل «تجمع الشيخ ياسين»، وهي جمعية داعمة للفلسطينيين، أسسها الناشط الإسلامي عبد الكريم صيفريوي الموقوف حالياً في جريمة القتل الأخيرة والذي وجّه له القضاء تهمة «الضلوع في تنفيذ عملية اغتيال إرهابية».

كان الترحيل الخطوة الأولى التي تلاها مباشرة صدور قرار عن وزارة الداخلية بإغلاق مسجد مدينة بانتان (شمال باريس) لستة أشهر، وهو ما اعترض عليه المشرفون على المسجد المذكور أمام القضاء الإداري. إلا أن حكماً صدر ليلة أول من أمس عن المحكمة الإدارية في مدينة مونترويل ثبّت قرار وزارة الداخلية، معتبراً أنه «لم يمس بشكل خطير وغير مشروع الحريات الأساسية»، والمقصود بها هنا حرية الدين والمعتقد. وفي معرض تبريرها الإغلاق المؤقت، اعتبرت الوزارة المعنية أن المسجد المذكور، وهو يستوعب ما لا يقل عن 1300 مؤمن، قد تحول إلى «موقع إسلاموي راديكالي» يعمل «ضد مصلحة الجمهورية» الفرنسية. المأخذ الرئيسي للسلطات يستند إلى كون موقع المسجد أعاد نشر فيديو على موقعه على تطبيق «فيسبوك» لوالد تلميذة في تكميلية كونفلان سانت هونورين يندد فيها بما قام به أستاذ التاريخ في الصف الرابع تكميلي من عرض صور كاريكاتورية للنبي محمد سبق أن نشرتها مجلة «شارلي إيبدو» في بداية عام 2015 وأعادت نشرها في الأول من سبتمبر (أيلول) الماضي مع بدء محاكمة الأشخاص الذين يعدون على علاقة بالعملية الإرهابية الواسعة التي جرت مطلع العام المذكور ضد رسامي ومحرري المجلة الساخرة. بيد أن المعركة القضائية لم تكتمل فصولاً؛ إذ أعلن المسؤولون عن المسجد ومحاموهم أنهم سينقلون القضية أمام «مجلس الدولة»، وهو أعلى سلطة للقضاء الإداري. ومن الأسباب التي دفعت محكمة مونترويل للتصديق على القرار الوزاري، أنها لم تر أن الضمانات التي رفعها المسؤولون عن المسجد لعدم تكرار أخطاء الماضي كافية. كذلك، فإن المحكمة رأت أن رئيس الفيدرالية الإسلامية التي تشرف على المسجد واسمه محمد حنيش لم يقم بواجبه لتجنب إعادة نشر الفيديو الذي يعد أحد الأسباب التي شجعت الشيشاني على ارتكاب جريمته الإرهابية. وكانت الفيدرالية قد أبعدت الداعية إبراهيم دوكوريه عن المسجد وقد عدّته المحكمة في قرارها «ضالعاً في التيار الإسلاموي الراديكالي» في منطقة إيل دو فرانس التي تضم باريس ومحيطها المباشر. ومن الحجج التي توقفت عندها المحكمة، أن من مرتادي المسجد أفراد ينتمون إلى التيار الإسلاموي الراديكالي، وأن الكثير منهم ذهبوا للقتال في سوريا أو العراق.

يريد الوزير دارمانان أن تكون «الحرب على أعداء الجمهورية» أو من يسميهم «أعداء الداخل» شاملة. وفي هذا السياق، يندرج قيام مجلس الوزراء، أمس، بناءً على اقتراح من دارمانان، بحل جمعية «بركه سيتي» التي تتهمها الحكومة بـ«الترويج لأفكار الإسلام الراديكالي». وجاء في مرسوم الحل أنها «تبث وتدعو إلى أفكار حاقدة وتمييزية وعنيفة»، وذلك عبر حساب رئيسها إدريس يمو، على تطبيق «تويتر»، أو على حسابات الجمعية نفسها على «تويتر» و«فيسبوك». ويذكر المرسوم، أن إدريس يمو، المسمى أيضاً «سي حامدي» عبّر عن رغبته في معاقبة راسمي الكاريكاتور عند أعادت «شارلي أيبدو» نشرها مضيفة أنه «شخصياً» ذهب إلى سوريا في شهر سبتمبر عام 2018 وتحديداً إلى منطقة خاضعة لـ«داعش». وبحسب دارمانان، فإن «بركه سيتي» الناشطة في الضواحي الفرنسية ولكن أيضاً في 26 بلداً وفق ما تدعي، «تقوم بتبرير الأعمال الإرهابية». ونقل الناطق باسم الحكومة غابريل أتال عن الرئيس ماكرون قوله، في مجلس الوزراء، إن قرار الحل يشكل «مرحلة مهمة في الحرب على الإرهاب». وجاء الرد على القرار الحكومي بتغريدة للجمعية المذكورة أكدت فيه أنها «ستطلب اللجوء السياسي في بلد يضمن سلامة المسلمين»، مضيفة أنها «سوف تقوم بكل ما تستطيعه من أجل ضمان مصالح المستفيدين (من أنشطتنا) في 26 بلداً». وبحسب إدريس يمو، فإنه طلب «رسمياً» اللجوء السياسي له شخصياً وللجمعية من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وبرر ذلك بأنه «يتعرض لتهديدات بالقتل». وأكد محاميه سميم بولاقي، أن قرار الحكومة «يعني رمي حقوق الإنسان في سلة القمامة وأنه انتهاك للدستور». ويأتي طلب «سي حامدي» اللجوء إلى تركيا في وقت تتفاقم فيه العلاقات بين باريس وأنقرة. وما زاد من اشتعالها أمس نشر «شارلي إيبدو» رسوماً كاريكاتورية للرئيس التركي وردود أنقرة العنيفة عليها.

وفتحت النيابة العامة في أنقرة، أمس (الأربعاء)، تحقيقاً يستهدف مسؤولي مجلة «شارلي إيبدو» لنشرها رسماً اعتبر إهانة للرئيس رجب طيب إردوغان. وقالت الرئاسة التركية، في بيان باللغة الفرنسية، إنها ستتخذ إجراءات «قضائية ودبلوماسية» بعد نشر المجلة الرسم الكاريكاتوري لإردوغان. ونددت بأشد العبارات بالرسم الكاريكاتوري، ووصفته بـ«الدنيء» الذي يعكس عداءً للأتراك والإسلام. وقال إردوغان، في تصريحات أمس في أنقرة، إنه إذا اتخذت فرنسا قراراً بحظر السفر إلى تركيا، فإن أنقرة ستدرس سبل الرد وتتخذ الإجراءات المناسبة.

وأمس، أعلن الناطق باسم الحكومة، أن فرنسا «لن تتخلى عن مبادئها وقيمها وتحديداً حرية التعبير والنشر»، منوهاً بالتضامن الأوروبي مع بلاده. ويفهم كلام أتال على أنه دعم ومساندة لـ«شارلي إيبدو»؛ الأمر الذي سيزيد التوتر في العلاقات مع أنقرة. وأكثر من ذلك، أفاد المسؤول الفرنسي بأن فرنسا «تتعرض في الأيام الأخيرة لتهديدات إرهابية متصاعدة، تتغذى من دعوات الحقد»؛ الأمر الذي عده مفيداً «لإرادة محاربة الإسلاموية بكل أشكالها ومن غير هوادة».

هكذا تبدو فرنسا اليوم وكأنها في حالة حرب متعددة الأشكال والمسارب على الإسلاموية والإرهاب والراديكالية والتطرف. ولم يكن قرار حل «بركه سيتي» مفاجئاً؛ إذ إن دارمانان أعلن عن عزمه القيام بهذه الخطوة مراراً منذ عملية قتل صامويل باتي، وأضاف إليها «التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا» الذي وصفه بـ«الموقع الإسلاموي العامل ضد مصالح الجمهورية» الفرنسية. وكشف الوزير الفرنسي، عن أن مرسوم الحل قيد الإعدادّ ومن المنتظر أن يطرح على مجلس الوزراء الأسبوع المقبل. ووفق الداخلية، فإن ما حصل جزء من حملة تستهدف 51 جمعية وتجمعاً معتبرة ذات توجهات إسلاموية.


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة