الحظ بين الغيب والقدر... والفلسفة

ستيفن هيلز رئيس قسم الفلسفة في جامعة بلومزبيرغ الأميركية يفكك «الوحش الأسطوري»

تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا
تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا
TT

الحظ بين الغيب والقدر... والفلسفة

تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا
تمثال معبودة الحظ في الأساطير القديمة فورتشونا

يبدو الحظ كما خيط ذهبي يمتد عبر نسيج تاريخ الأفكار جامعاً الآلهة القديمة والمقامرين والفلاسفة واللاهوتيين والأباطرة والعلماء والعبيد على صعيد واحد. ومع أن البشرية ألقت عبر العصور كل ما أوتيت من القدرة والخيال والمعرفة لتفكيك الحظ سعياً لجلبه سعيدا أو لتجنبه شقياً: فهناك أساطير لاهوتية كثيرة منذ البدايات الأولى عن الحظ بصفته مفسراً للأقدار، وقامت حركات فلسفية كاملة للتعامل مع سطوته، ونشأت فروع وتطبيقات جديدة من الرياضيات لتحليله وتحديده، واستمرت أجيال من الأفاقين وتجار الأمل تحصيل عيشهم من التجارة به، لكننا لم نحقق حتى الآن أي نجاح يذكر في نضالنا المتوارث لاستئناس هذا الوحش العنيد أو قهره. البروفسور ستيفن هيلز، رئيس قسم الفلسفة بجامعة بلومزبيرغ (بنسلفانيا - الولايات المتحدة) يعتقد أنه يملك الآن نظرية علمية تفسر سبب فشل البشرية المتراكم هذا: لقد كنا نقاتل أو نسترضي طوال هذا الوقت وحشاً أسطورياً لا وجود فعلياً له، وإن كل الحكاية مرتبطة بنظرة الأفراد للعالم، وموقفهم الشخصي الذاتي من الأحداث حولهم.
أجرى هيلز لاختبار نظريته هذه سلسلة تجارب (رفقة زميلته جنيفر جونسون) نشرت نتائجها في مجلات أكاديمية متخصصة بعلم النفس الفلسفي أثبتت افتراضه بأن الناس المتفائلين بطبعهم يأخذون تجارب الآخرين على أنها من قبيل الحظ الحسن، في حين يرى المتشائمون التجارب ذاتها علامة على سوئه. واستخدم هيلز لاختبار فرضيته قصصاً من الحظ الغريب، وطلب إلى العينة المشاركة - بعد تحديد نظرتها للحياة وفق اختبار مستقل -، الإشارة فيما إذا كان أبطال تلك القصص سعداء الحظ، أم تعساء. على سبيل المثال، كانت هناك قصة تسوتومو ياماغوتشي الموظف الياباني البسيط في شركة ميتسوبيشي للمعدات الثقيلة الذي كان في رحلة عمل إلى مدينة هيروشيما عام 1945 ونجا من القنبلة النووية التي ألقاها الأميركيون عليها في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، قبل أن يعود إلى مقر عمله في ناجازاكي لينجو مرة ثانية من القنبلة النووية الأميركية الثانية التي ألقيت على ثاني مدينة قبل إعلان اليابان استسلامها. وفقاً لبحث هيل، فقد تبين أن هناك علاقة إيجابية كبيرة بين مستوى التفاؤل عند الشخص وكيفية وصفه طبيعة حظ الآخرين في تجربة حياتية معينة. الأكثر تفاؤلاً، اعتبروا أن ياماغوتشي – مثلاً – كان سعيد الحظ بعدما كان الياباني الوحيد الذي نجا من القنبلتين الغادرتين معاً، في حين اعتبر المتشائمون أن الرجل يمكن أن يكون الأيقونة المثالية لسوء الحظ. وقد تغيرت مواقف الطرفين عند إعادة صياغة القصص بلغة إيجابية أو سلبية؛ ولذا بدا أن تصورات الناس عن الحظ ليست نهائية ولا متناسقة وتتأثر بالإطار الذي تعرض فيه ويصعب عموماً التنبؤ بها. ويقود ذلك تلقائياً إلى بوابة نقاش مثيرة يطلق عليها العلماء «معامل الحظ» تزعم بأنه نوع من النبوءة الشخصية التي تحقق ذاتها. ففي إحدى التجارب، نشر ريتشارد وايزمان، أستاذ السيكولوجيا التجريبية، إعلاناً من نصف صفحة جريدة يومية يعد فيه بجائزة مالية لمن يستجيب للإعلان. المتشائمون بالطبع رأوا أنفسهم حكماً سيئ الحظ وامتنعوا عن الاستجابة للإعلان، في حين استجاب المتفائلون وحصلوا على المال، ليتعزز عندهم الشعور بكونهم محظوظين. ومن المفهوم بالطبع أن الشعور بامتلاك حظ سيئ يخلق الخوف والقلق؛ مما يجعل صاحبه أقل قدرة على اغتنام الفرص مقارنة بمن يعدون أنفسهم أفضل حظاً.
كتاب هيلز الأحدث الذي عنونه «أسطورة الحظ: الفلسفة والأقدار والغيب – بلومزبري، 2020»، يستعرض خلاصة هذه التجارب، لكن بعد جولة مثيرة للبحث في تصورات البشر عن الحظ عبر الحقب التاريخية المتعاقبة، بداية من كلاسيكيات الإغريق والرومان فيقرأ توصيف أفلاطون في «الجمهورية» للحظ والأقدار، كما أسطورة أوديب وفلسفة الرواقيين، قبل استكشاف تحولات مفهوم الحظ تالياً مروراً بتوماس الأكويني، وغاليليو، وفلاسفة الأخلاق، وانتهاء إلى عصرنا الحديث: ثرثرات ألبير كامو، ومدارس علم النفس الحديث ونظرية الاحتمالات الرياضية. ويعمد هيل إلى تطعيم نصه في كل مراحل الرحلة باللطائف والنوادر بشأن الحظ مما يكسب المناقشة الصريحة - المزعجة ربما للكثيرين - دفئاً ملحوظاً. فالحظ تشخصن عند الإغريق القدماء وكان يحمل اسماً مؤنثاً (توتشيه) نُسبت ابنة لزيوس كبير الآلهة الأسطورية عندهم، قبل أن يتبناها الرومان لاحقاً باسم (فورتشونا) وكان يعبّر عنها برمز عجلة ضخمة لا يعرف من يقودها وتأخذ معها في دورانها مصائر البشر صعوداً فهبوطاً. ويذكر هيل أن الإمبراطور قسطنطين عندما بنى روما الجديدة (القسطنطينية) عاصمة للمسيحية أبقى مع ذلك معبد للإلهة (فورتشونا) لعل وعسى. وقبل الإغريق والرومان وبيزنطة، كان الفراعنة المصريون يتداولون روزنامات سنوية تحدد يوماً بيوم الموقف من الحظ حول شيء من مصالح البشر: لا تسافر في النهر هذا اليوم، ولا تأكل هذا النوع من الطعام في ذاك، وهكذا. وقد تركت لنا معظم شعوب العالم القديم تعويذات لجلب الحظ الجيد وتجنب السيئ، وهي أصول بعض الرموز المؤسطرة التي لا تزال متداولة إلى اليوم كالخرزة الزرقاء وعلاقة اليد المنقوشة. ويشير هيل إلى أن أصل منصب نديم – أو مهرج البلاط – كانت نتيجة اعتقاد ساد في بعض العصور القديمة عن أنه يمكن حماية الملك بمرافقة نديم له بشكل دائم لعل الحظ يخطأ بينهما فينزل عواقب الحظ السيئ بالنديم لا بسيده.
وبينما حفلت الوثائق والنصوص القديمة بقصص عن ارتباط الحظ بالأقدار – كقصة الرجل الذي لمح ملك الموت من بعيد صباح يوم ببغداد، فهرب بحصانه ساعات نحو سامراء ليجد أن موعده مع قدره المحتم كان في سامراء مساءً -، فإن الرواقيين مثلوا نقلة نوعية في فلسفة تعامل البشر مع الحظ. فهم تحدوا سطوته عبر التخلي عن الآمال وقمع الشغف الذي قد يجعلهم بحاجة إلى الحظ من حيث المبدأ، بل ذهب أحدهم – وهو الفيلسوف سينكا إلى اعتبار ما يراه الناس بأعطيات الحظ الطيب إن هي إلا النقيض من ذلك لأنها تغوي بالأمل الزائف، في حين سعادة الإنسان متأتية حصراً من الذات المتصالحة مع نفسها. أما الأديان السماوية فقد كانت واضحة لناحية حصر الأقدار جميعها بالخالق، فأدانت كل ما قد يسئ إلى التسليم الكامل بإرادته – مع أن كثيرا من المجتمعات المحلية عبر العالمين المسيحي والإسلامي استمرت في تناقل ممارسات وأشياء مرتبطة بالحظ كتراث ثقافي للبسطاء لا يتعارض مباشرة مع الإيمان.
ويفرد كتاب هيلز صفحات كثيرة لمناقشة ممتعة عن دور المقامرين في الانخراط الشخصي أو حفز المعارف من الملمين بعلوم الحساب على تطوير نظريات للتنبؤ الرياضي وعلم الاحتمالات في إطار سعيهم الحثيث والدائم والتاريخي لتعظيم حظوظ الربح وتقليل الخسارات.
وفي هذا الارتحال عبر التقاليد والأوقات والثقافات يجادل كاتب «أسطورة الحظ» باقتدار وتمكّن، ويسوق محاججات مقنعة لوضع (الحظّ) في مكانه المناسب: أسطورة تامة، وسمة شخصية وموقفاً أخلاقياً وانحيازاً معرفياً من قبل منطقنا الذاتي على نحو يمنح تعبير «إن البشر يصنعون حظهم» معنى جديداً، حاثاً الناس على استعادة المبادرة في التعاطي مع العالم وعدم الوقوع في سحر تلك الأسطورة الخالدة عن وهم يقال له «الحظ».


مقالات ذات صلة

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل

عمر شهريار
ثقافة وفنون إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً...

أنيسة مخالدي (باريس)

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.