حميدتي لـ «الشرق الأوسط»: سلاح «المقاطعة» بلا قيمة... والتطبيع مكسب لنا

نائب الرئيس الانتقالي السوداني قال إن «الدعم السريع» من الجيش وستعود إليه

حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس
حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس
TT

حميدتي لـ «الشرق الأوسط»: سلاح «المقاطعة» بلا قيمة... والتطبيع مكسب لنا

حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس
حمدان دقلو (حميدتي) خلال الحوار مع «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري بالخرطوم أمس

قال نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني محمد حمدان «دقلو» إن الموقف التاريخي للسودان من القضية الفلسطينية لا يمنعه من إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، واصفاً سلاح المقاطعة بأنه بلا قيمة، ولم يستفد منه أحد، قاطعاً بأن 90 في المائة من السودانيين يدعمون إقامة علاقات مع إسرائيل، في الوقت الذي يقفون فيه إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
وأكد دقلو في حوار مع «الشرق الاوسط»، أن بلاده لم تتعرض لأي ابتزاز من الولايات المتحدة للتطبيع مع إسرائيل، مشيراً إلى أن هذا الخيار كان خيار السودانيين. واضح أن «اللاءات الثلاث» التي أطلقها مؤتمر القمة العربي في الخرطوم عام 1967 «لا سلام، لا مفاوضات، لا اعتراف بإسرائيل» لم تفد السودان شيئاً، «لذلك نعمل للتصالح مع كل العالم، وإسرائيل جزء منه». وأضاف: «عانينا من العزلة الدولية لأكثر من 27 عاماً، بسبب إدراجنا في قائمة الإرهاب الأميركية... لذلك نسعى للتصالح مع العالم». وقال: «إسرائيل جزء من العالم، والسلام معها يحقق مكاسب لنا».
ووصف دقلو الحرب في دارفور بأنها كانت تمرداً ضد الدولة. وقال الدولة هي المسؤولة عن الجرائم التي ارتكبت، نافياً بشدة حدوث «تطهير عرقي»، وقال: «الذين يروجون لهذه المزاعم، كانوا يريدون الانتصار لقضيتهم».
وكشف دقلو رفضه طلب الرئيس المعزول عمر البشير ضرب المتظاهرين، بقوله: «قلت له بوضوح؛ قوات الدعم السريع لن تضرب المحتجين»، وتابع: «النظام المعزول كان يخطط لعمليات قتل بطريقة بشعة وواسعة، لذلك استدعينا قوات الدعم السريع لحماية المتظاهرين».
وأشار قائد الدعم السريع إلى أن مصير قواته الدمج في الجيش السوداني، «هي منه وستعود إليه»، وفق ما نصت عليه اتفاقية السلام بين الحكومة والحركات المسلحة.
وحول لقائه بالمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، إبان زيارتها للسودان، قال دقلو: «تحدثت معها حول تحقيق العدالة لضحايا دارفور، لكنها لم تطلب تسليم المطلوبين بأوامر قبض لـ(الجنائية)».

> أعلنتم تأييد العلاقات مع إسرائيل، متجاهلين الموقف التاريخي السوداني الرافض للتطبيع.
- لا أرى موقفاً تاريخياً يحول بين السودان وإقامة علاقات مع إسرائيل، فلا عداء بيننا ولا حرب. ولا يوجد هناك جيش مسلم أو عربي يقاتلها لنقف معه، وهذا يعني أن سلاح المقاطعة بلا قيمة، فقط أدخلتنا في عزلة دولية استمرت 27 عاماً، وهذا ما يستوجب تطبيع علاقتنا بإسرائيل وإقامة علاقات مع كل العالم، فالسلام يحقق المكاسب للسودان.
> ماذا كسب السودان؟
- السودان سيكسب كثيراً، كان مصنفاً مع الدول الراعية للإرهاب، وعلينا الخروج من هذا الوضع... والوصول لسلام مع العالم مثل الآخرين، فلا حدود تجمعنا مع إسرائيل.
يملك الإسرائيليون تكنولوجيا متقدمة، ولا سيما الزراعية، فمثلما لم نكسب شيئاً من العداء مع إسرائيل، يمكن أن نكسب بإقامة علاقات معها، دون أن نتخلى عن موقفنا من حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، لأن علاقتنا مع إسرائيل لن تمنع ذلك. الفلسطينيون أنفسهم أقاموا علاقات معها، إضافة إلى دول عربية وإسلامية طبعت العلاقات معها، أظن أننا سنكون أكثر فائدة للقضية الفلسطينية وليس العكس.
> هل كان تطبيع العلاقات مقايضة بحذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟
- الحذف من قائمة الإرهاب وإقامة علاقة مع إسرائيل موضوعان منفصلان، مع ذلك بذل الرئيس دونالد ترمب جهده لإقامة علاقة تجمعنا مع إسرائيل، فالأولى قضية التزامات أوفينا بها، وبالتالي تم حذف السودان من قائمة الإرهاب، تم الفصل بين الملفين في زيارة وزير الخارجية الأميركي للسودان، لكن الإدارة الأميركية وآخرين اجتهدوا لتطبيع العلاقة مع إسرائيل، وخروجنا من العزلة الدولية مكسب كبير في نظري. والتطبيع كان خيارنا ولم نتعرض لاي ابتزاز أميركي كما اشيع
> هل تتوقع ردة فعل من الجماعات المتطرفة تجاه الاتفاق؟
- أجندة التطرف لن تنتهي، لكننا مستعدون للسيناريوهات كافة، لكن 90 في المائة من الشعب السوداني يدعم إقامة علاقات مع تل أبيب.
> التقيتم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، ماذا دار بينكما؟
- تحدثنا حول العدالة واستقلال القضاء وحقوق الضحايا، وخاصة ضحايا دارفور، تكلمت عن 5 مطلوبين معروفين، أحدهم موجود في المحكمة، و3 في سجن كوبر بالخرطوم، والخامس خارج السودان، وبحثنا خيارات المحاكمات، ما إن كانت مختلطة أو مراقبة أو في محاكم خاصة.
> لماذا لا تسلمون المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية؟
- لم تطلب فاتو بنسودا ذلك.
> هناك اتفاقات بين السودان والاتحاد الأوروبي بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، كانت على رأسها قوات الدعم السريع التي تقودها أنت.
- نساعد ضحايا الاتجار بالبشر منذ العام 2016. وأعدنا كثيراً من الضحايا، كنا قوات الدعم السريع نسلمهم للشرطة، لأن مهمتنا مراقبة الحدود وإنقاذ الضحايا من عصابات الاتجار بالبشر، ألقينا القبض على كثير من المجرمين، بينهم متطرفون ومرتكبو جرائم. نتمنى أن تقوم الدولة والمعنيون برسم خطط لإنقاذ الضحايا ومعالجة جذور المشكلة.
> هل تراجعت تجارة البشر أم تزايدت؟
- تراجعت، لكنها مستمرة، لأننا قبضنا على معظم رؤوس العصابات وسلمناهم للسلطات، وأغلب المهاجرين من الآرتريين والإثيوبيين والسوريين، وأعداد السودانيين بينهم قليلة.
> هل التعاون بينكم والاتحاد الأوروبي قائم، أم حدثت متغيرات بعد الثورة؟
- لا يوجد تواصل مباشر بيننا والاتحاد الأوروبي، فالشرطة ووزارة الداخلية هي المسؤولة.
> كشاهد، ما دوافع الحرب في دارفور؟
- بدأت المشكلات القبلية في دارفور في ثمانينات القرن الماضي بين الرعاة والمزارعين، لكنها تطورت من حرب قبلية إلى تمرد في عام 2003. واضطرت الحكومة للاستعانة بالقبائل المحلية بعد أن فشلت القوات الحكومية في دحر التمرد، فأشارت أصابع الاتهام لدور القبائل العربية، لكن الحكومة كانت قد استعانت بكل القبائل. للحرب إفرازاتها من لجوء ونزوح وتشريد، وحدث كثير من الأخطاء أثناء النزاع، وكان لنا رأي واضح ضد الإجراءات الحكومية، لكن ما حدث هو مسؤولية الدولة، وقد عبرت عن ذلك للمسؤولين وقلت لهم إن ذلك سيؤلب الرأي العام ضد الدولة، ولم يستجيبوا له إلا في 2013.
> أين كنت في ذلك الوقت؟
- حين بدأت الحرب كنت أمارس التجارة، ثم انضممت لقوات حرس الحدود بداية 2004 بقوات قليلة، نحو 200 شخص، تم تدريبهم في الجنوب كقوات نظامية، بعد تخرجهم شاركنا في عمليات محدودة وفي مناطق محددة. ثم اختلفت مع الحكومة على ما يحدث في دارفور 3 مرات، في 2004. وقواتي كانت نحو 400 من العسكر المدربين، الذين ينفذون خطط هيئات العمليات، ولم نرتكب خطأ واحداً، حتى اختلفت معهم في عام 2007. وتم تكوين قوات الدعم السريع في 2013 بعد أن اعتصمت وقواتي، لكننا لم نتمرد.
> من أين جاءت تسمية «الجنجويد» والمحمول السالب المرتبط بها؟
- جنجويد مصطلح قديم وجد رواجاً إعلامياً بعد أن ألصق بالقبائل العربية، ويقصد به «اللص أو الحرامي» ونتجت الاتهامات المعروفة، فأصبحت «جنجويد» تشير إلى القبائل العربية في دارفور.
> لماذا ألصق المصطلح بقوات حرس الحدود؟
- حرس الحدود لم تكن كلها نظامية، خليط من الدفاع الشعبي، ويقودها أشخاص غير عسكريين، ألصقت بها التهمة لأن غالبها كان من القبائل العربية.
> هل ارتُكبت جرائم دارفور من قبل القوات الحكومية وحدها، أم أن حركات التمرد أيضاً مسؤولة؟
- القوات المسلحة هي التي تقود العمليات، وما حدث تُسأل عنه قيادات «الفرق» وقادة القوات لأنها تتحرك بتعليمات محددة ضمن خطة العمليات.
> كيف أخذت الحرب طابع التطهير العرقي، بعد أن كانت تمرداً؟
- هذه دعاية وتأليف، هي تمرد ضد حكومة، لم يحدث تطهير عرقي، فمن روجوا لهذه المعلومات موجودون الآن، وحين بحثنا الأمر معهم ذكروا أنهم كانوا يريدون ترويج قضيتهم، لكن لا يوجد تطهير عرقي، كل القبائل تشردت وقتل منها من قتل.
> هل كانت تصدر الأوامر من القائد الأعلى بشكل مباشر؟
- ترسم قيادة الجيش خطة القتال، ولا أحد يستطيع التحرك دون خطة عمليات متسلسلة من أعلى حتى آخر جندي.
> ما حدود مسؤولية الرئيس المعزول عمر البشير عما حدث في دارفور؟
- الدولة مسؤولة عن تلك الحرب، ولا أستطيع القول إن الرئيس وجّه تعليمات مباشرة، صحيح التوجيهات تصدر منه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن هناك قادة مسؤولين.
> هل قام بمحاسبات بصفته القائد الأعلى على التجاوزات؟
- لم أشهد أو أرى محاسبات، فالمسؤولية عن الضحايا والجرائم التي حدثت في دارفور مشتركة بين المقاتلين من الحكومة أو المتمردين، هي مسؤولية مشتركة، وقد نبهت لهذا، ولديّ شهود عليه، بأن ما يحدث سيؤلب الرأي العام ولا يحقق نتيجة، ولو كانت القيادة العليا تريد حسمه لحسمته، قلت حديثي هذا في 2004، ثم عادوا في 2013 فحسمت القضية.
> بعد بداية الثورة استدعيت الدعم السريع للخرطوم، وراج أنها جاءت لحماية النظام وقمع المحتجين والمتظاهرين؟
- استدعيناها نحن لحماية المتظاهرين، ولم يكن الرئيس أو غيره يعلم بالأمر.
> متى اتخذت قرار حماية المتظاهرين؟
- نحن جزء من هذا التغيير، واخترنا أن نكون جزءاً منه، نصحنا الحكومة السابقة، لكنها لم تقبل النصح ووصلت لطريق مسدودة، هناك أسرار عن التغيير لا أريد الحديث عنها الآن، لكن اللجنة الأمنية حمت المتظاهرين.
> ومع ذلك قتل كثير من المتظاهرين.
- كان مخططاً أن تحدث عمليات قتل بشعة وواسعة، ولو لم نجرد العسكريين من سلاحهم، ونمنع استخدام الرصاص، مع وجود اللجنة الأمنية (التي كوّنها البشير وقامت بتنحيته)، لضربت الثورة من اليوم الأول. نحن من أوقف العنف المفرط وضرب المتظاهرين، وحرصنا على سلمية المظاهرات. لم نكن راضين عن المتاريس وحرق الإطارات وإغلاق الطرق، لكن بما أنها كانت سلمية قلنا تستمر لأننا نقبل الرأي والرأي الآخر، وهذه كانت نصائحنا، لم نخف موقفنا الرافض لضرب المتظاهرين، وقلنا لن نضربهم ولن نمنعهم، البشير كان يعلم بذلك.
> ألم يطلب منكم الرئيس المعزول قمع الاحتجاجات؟
- طلب منا ضرب المتظاهرين، لكن قلنا له بوضوح، لن نضرب المتظاهرين، وكانت ردة فعلة أن سكت.
> هل كان هناك دور لرئيس جهاز الأمن والمخابرات الأسبق صلاح عبد الله «قوش» في دعم التغيير؟
- لا أعرف له دوراً، لكن هناك أسراراً كثيرة جداً يمكن أن نتكلم فيها مستقبلاً، لكني لم أر له دوراً في التغيير.
> لماذا رفضت عضوية المجلس العسكري برئاسة نائب الرئيس عوض بن عوف؟
- رفضت لأن مجلس ابن عوف ليس تغييراً فقط، غيرنا المؤتمر الوطني، لكننا وجدناه باقياً، لذلك رفضت، وليتني رفضت التغيير الثاني.
> لماذا؟
- المجلس الثاني جاء فيه نفس القدامى، وللأسف الشديد وافقنا، وكان من المفروض ألا نوافق.
> الدعم السريع وبعض صغار ضباط الجيش انحازوا للثوار.
- الدعم السريع جزء من الشعب، وحين وصل الثوار إلى القيادة وقفت معهم، ومعهم جنود وضباط في الجيش، بينهم رتب كبيرة حالت التراتبية العسكرية دون ظهورهم.
> شهد ميدان الاعتصام هتافات مؤيدة للدعم السريع، لكن المشهد انقلب فجأة ضدها.
- هم أصحاب الأجندات المعادية، تم فض الاعتصام، لأنهم كانوا يريدون إزالة الصورة التي استطعت رسمها عند المواطن، من خطط لذلك كان يريد إنزال صورتي هذه.
> من هم أصحاب الأجندة؟
- لا أستطيع تحديدهم الآن، لكن أقول هم من يروجون لتجريم قوات الدعم السريع وقائدها «حميدتي»، هم من فضوا الاعتصام.
> ما تفسيرك للعداء للأجندة المعادية للدعم السريع؟
- هي أجندة واضحة للعلن، وقد ألقي القبض على خلايا تعمل على ضرب الدعم السريع وتشويه صورته وشيطنته، ولا أدرى ما قصدهم، هو عمل منظم ضدنا.
> من هم المنظمون، قوى داخلية أم خارجية؟
- لا أتهم أي دولة خارجية، لكنهم سودانيون بالخارج يعملون ضد الدعم السريع، بجانب أنصار النظام البائد، وبعض أنصار الثورة لعبوا دوراً في التأليب ضدنا.
> ظللت فترة طويلة تتكلم عن معلومات تتعلق بفض الاعتصام، ألم يحن الأوان لكشف النقاب عنها؟
- هناك تحقيق، ولا نريد التأثير على العدالة، سنتكلم في وقتها.
> إذا وجّهت لجنة التحقيق اتهامات للدعم السريع، فهل ستستجيبون لها؟
- استجبنا لها، وهناك من أدلوا بأقوالهم.
> توصلت عبر مفاوضات لاتفاق سلام مع الحركات المسلحة في جوبا، هل سيسهم ذلك في الاستقرار وتحقيق السلام؟
- دخلنا المفاوضات إخوة، ولم ندخلها أعداء، قضية السلام قضيتنا كلنا سودانيين، لأن هنالك مظالم تاريخية نعمل مع الإخوة في الكفاح المسلح على حلّها.
> البعض يصف الاتفاقية بأنها مجرد محاصصات.
- هذا سلام حقيقي، لكن أكيد هناك محاصصات، شاركوا بموجبها في السلطة، لكن المحاصصات يجب أن تقوي الدولة وتكون حكومة قوية ومسؤولة، فالحركات تستحق المشاركة في السلطة، لأنها عانت التهميش.
> الحركات المسلحة التي كانت معادية للدعم السريع، وخاضت ضده المعارك أصبحت أكثر قرباً منه، ما تفسيرك؟
- نحن قاتلنا رجالاً وصالحنا رجالاً، نحن جزء لا يتجزأ من السودان، فالطرفان كانا خاسرين من المعارك.
> أين وصل التفاوض مع عبد العزيز الحلو؟ وكيف أقنعته بالتفاوض معك بعد أن كان يرفض، إلى جانب عبد الواحد محمد نور؟
- يرجع الفضل للرئيس سلفاكير ميارديت ومستشاره توت قلواك، فقد تبنيا المبادرة، جلست مع عبد العزيز في بيته ساعتين، فوجدت رجلاً هادئاً يرغب في السلام، لكن عنده عدم ثقة في الناس، طمّأنته ووجدنا أن رؤيتنا أحدنا قريبة من الآخر. للأسف الشديد أعداء السودان والثورة في الخرطوم، ومجموعة معه، يروجون ويشوهون صورة الدعم السريع، حين يرفض الحلو التفاوض معي فلا مشكلة، لكن مشكلتي في الاتهامات. قلت لعبد العزيز؛ الدعم السريع قامت بحماية المدنيين في كادوقلي وبورتسودان وفي كسلا والقضارف وحلفا، وقلت له ظلمتني وظلمت قوات الدعم السريع، فتوافق معي تماماً، ونتمنى انضمام أخينا عبد العزيز الحلو وعبد الواحد النور لركب السلام، تكلمنا مع عبد الواحد محمد نور وأرسلنا له الوفود، وما يزال الاتصال بيننا مستمراً.
> شاركت في تحقيق سلام دولة جنوب السودان، كيف أفلحت في جمع الفرقاء هناك؟
- بعد توقيعهم اتفاق سلام، كان هناك فقدان ثقة بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه الأول رياك مشار، واستطعنا إعادة الثقة بين الرجلين من خلال التواصل الذي نجم عن اصطحابي رياك مشار لجوبا، ثم أدخلنا القوات التدريب، وأعدنا الثقة بينهم فتحقق السلام، وسيتجاوزون العقبات.
> ترأست لجنة الطوارئ الاقتصادية ووعدت بتحقيق مكاسب في وقت وجيز.
- كنا نخطط لجعل سعر صرف الجنيه في حدود 80 جنيهاً للدولار، للأسف الشديد أفشلنا أعداء السودان، وقرر بنك السودان رفع السعر إلى 120. فارتفعت السوق الموازية إلى 200 جنيه للدولار، ما أفشل عمل اللجنة، لأن خططنا وشروطنا لم يتم قبولها، لكنا نحاول «التماشي» مع الأمر، حتى لا تنهار البلد منذ بدايات تكوين الحكومة.
> ما القوى التي تعمل على إفشال عمل لجنة الطوارئ الاقتصادية؟
- لا أستطيع تسمية شخص، لكن أعداء السودان موجودون، ولو لم نضعهم في الطريق الصحيحة، لن تمضي البلد إلى الأمام.
> لماذا لم تُفعلوا هذا القانون؟
- لا نريد الدخول في خلافات، ونوقف الحديث عن تغول العسكريين، فبنص الوثيقة مجلس السيادة سلطة تشريفية، وما نقوم به مساعدة للجهاز التنفيذي لإنجاح المرحلة الانتقالية.
> نصت الاتفاقية على إعادة دمج وتسريح كل القوات في الجيش وتكوين جيش سوداني واحد، ما مصير قوات الدعم السريع في هذه العملية؟
- الاتفاقية حددت جداول لتنفيذ إعادة الدمج والتسريح، وباعتبارنا جزءاً من القوات المسلحة، ونعمل وفق خططها، سنعمل على التأسيس لجيش سوداني واحد، الدعم السريع مصيره القوات المسلحة.
> بنهاية الفترة الانتقالية، هل تفكر في الاستمرار كسياسي وتقوم بدور؟
- تحدثنا في هذا الموضوع كثيراً، لكن الظروف تتغير، دعنا نترك الأمر للظروف، وأن تستقر البلاد فلا تحتاج لنا، فأنا اليوم لو لم أكن «مغلوباً على أمري» لما واصلت، دعنا نترك الأمر للقدر والظروف.
> الشراكة بين قوى الثورة داخل الحكومة الانتقالية والعسكريين.
- لا نواجه مشكلة مع تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، لكن الصفوف تمايزت وظهر الصادق من غير الصادق، والوطني وغير الوطني، نحن لا نقول «الحرية والتغيير» كلها غير صادقة، فغالبهم يسعون لاستقرار البلد. سنعمل بالاشتراك مع «الحرية والتغيير» وشركاء العملية السلمية بجانب المكون العسكري لوضع خطة لتغيير الأوضاع القائمة، نحن نريد الوصول لحكومة الفترة الانتقالية، وأن ننتقل من العداء والخلافات لإخراج البلاد من هذه الورطة. ولا نريد التقسيم إلى عسكريين ومدنيين.
> الرئيس البرهان قال أمس إن الشراكة في أحسن حالاتها.
- صحيح في أحسن حالاتها لو تم تنفيذ ما اتفقنا عليه، لكن لو لم ينفذ فستكون في أسوأ حالاتها.
> قلت إن الحكومة الانتقالية فاشلة في تحقيق أهداف الثورة حتى الآن.
- الفشل واضح، سعر صرف الدولار 250 جنيهاً، نحن لا نلوم الحكومة وحدها على ذلك، فهناك أطراف أخرى، بعد توقيع اتفاق السلام يفترض أن نعيد هيكلة الحكومة الانتقالية؛ المجلس السيادي ومجلس الوزراء، ونُكون مجلساً مشتركاً بين الأطراف لتكوين حكومة قوية مسؤولة. سنعمل على اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب، نحن لا نتحدث عن مستقلين بالطبع، بل عن خبرات وقدرات، ففكرة المستقلين لم تعد موجودة.
> هل يتحمّل الشق المدني في الحكومة الانتقالية المسؤولية وحده؟
- لا، بل يتحملها الكل، هذه مسؤولية جماعية...
> الحكومة المدنية ظلت تشكو أنها بلا أنياب، أو أدوات تنفيذ.
- هذا كلام غير صحيح، الحكومة تملك كل الصلاحيات.
> هل يملك رئيس الوزراء مثلاً تحريك قوات الدعم السريع؟
- لم يطلب أي طلب وتأخرنا دقيقة...
> يتردد أنك كنت أكثر قرباً من رئيس الوزراء، ربما ثمة جفوة في العلاقة.
- لا توجد جفوة، لكن السياسات لا يتم تنفيذها، لا توجد مشكلة بيني ورئيس الوزراء، وأنا لا أعمل من أجله، بل من أجل البلد، اتخذنا 51 قراراً لم تنفذ.
أقدم صوت اعتذار للشعب السوداني على صفوف الخبز والوقود وغلاء الدولار، وفي ذات الوقت أقول لهم بلدنا ستعبر، فنحن متفائلون، لكن ساعدونا، وأوقفوا المظاهرات والمتاريس وحرق الإطارات، وتعالوا نتحاور ونتناقش لنحلّ المشكلات.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.