الخلاص بالطبيعة... شعرياً

الخلاص بالطبيعة... شعرياً

عماد الدين موسى في ديوانه «كسماء أخيرة»
الأربعاء - 12 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 28 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15310]

تبدو الطبيعة وكأنها مخزن الصور والرؤى والكلمات في ديوان «كسماء أخيرة» للشاعر السوري عماد الدين موسى. وتنعكس تحولاتها على تحولات الذات الشاعرة، ونظرتها للواقع والعناصر والأشياء. فالمشهد الشعري مفتوح بحيوية على فضاء الطبيعة، يستقى منها المعنى والدلالة، ويضع نفسه في علاقة موازية لها، ودون ذلك يظل مشتتاً تحت سقف واقع مراوغ وصراعات عابرة، لا تصمد كثيراً في مرآة الشعر.
تؤطر الطبيعة عنوان الديوان عبر كاف التشبيه الواضحة، بينما يبقى المشبه به مفتوحاً على براح التخييل والتأويل، يراوح ما بين التصريح والتلميح، فمَن الذي يشبه هذه السماءَ الأخيرة، هل الذات الشاعرة نفسها، أم العالم المحيط بها، أم كلا الاثنين معاً، أم أن وجودهما محفوف دائماً بعدم الطمأنينة واليقين، مما يكثف من حيرة الشاعر في الوصول إلى حقيقة ذاته، كعتبة للوصول إلى حقيقة الطبيعة والأشياء. وهو ما يطالعنا على نحو ما في هذا النص الذي يستهل الديوان:
«لا الربيعُ بأزهارِه
ولا الخريفُ بإزهارِه أيضاً،
الطفلُ وهو ينظر في قارب حياته،
العجوزُ وهو يغمض قلبه كوردة..
ماذا ينبغي أن نفعل؟
وماذا نقول؟
الأشياء بموسيقاها الهادئة
إلى زوالٍ محتَّم،
والكائن كذلك».
ينفتح النص على الطبيعة بنظرة قلقة، يؤكدها تتالي ضربات أدوات النفي، لكنه ليس نفياً نهائياً ولا قاطعاً، إنما يظل مسكوناً برخاوة المشهد، بحالة من حميمية التوتر والرؤية، فما تطمح إليه الذات هو تثبيت المشهد في الطبيعة وفي الزمن، عند نقطة ما، ربما تستعيد في ظلالها ذكرياتها وأشواقها وأحلامها أيضاً، لكنه طموح يشارف المستحيل، فكينونة الطبيعة مبنية على التحول في رباعية ثابتة تتشكل عبر فصولها الأربعة، ومن خلالها تتجدد دورة الحياة، وهي رباعية تتسم بنوع من الانسجام الكوني. من اللافت أن النص يلتقط هذا المعني ببساطة موحية، في صورة الطفل «وهو ينظر في قارب حياته»، وصورة العجوز «وهو يغمض قلبه كوردة»... هنا يطالعنا شكل من أشكال المقابلة النصية، بين زمنين، الطفولة في سمتها البكر الغض، والشيخوخة في سمتها المعتّق العبق؛ في الزمن الأول تمثل رمزية «القارب» تجسيداً لحيوية الطفولة، والإحساس بالبراءة والمغامرة، بينما في الزمن الآخر، تمثل الوردة تجسيداً لرمزية القلب المجهد فوق سلالم الزمن، لكنه مع ذلك يكتنز أنفاسه في عبق الوردة نفسها. ووراء كل هذا يحيل النص بشكل عفوي إلى حدوسات مباغتة للغة والإيقاع في الأشياء، «فالأشياء بموسيقاها الهادئة»، وليس بصخبها وضجيجها، وعنفوانها المباغت التي تفرضه تحولات الطبيعة على المشهد. كما يبدو في النص التالي:
«خريفٌ آخر
يبتر قدمَ آخر ورقة
وآخرَ عصفورٍ أيضاً
خريفٌ أخير
كحطَّاب ثملٍ
وقطيعُ حيوانات رمادية
تُرى..
ما الذي سيفعله الفجر إن استيقظ غداً
دون عصافير أو غصن،
والندى..
ماذا سيفعل بغيومه؟»
يقع الديوان في 127 صفحة، ولا تبرح مناخات عناوينه الداخلية التسعة عشر أجواء التساؤلات والهواجس حول الطبيعة، فبعضها يبدو مشدوداً إليها، كأنها سيرة خاصة للنص، مثل: «بينما الأزهار تتساقط، الغابة لا تحتمل الغابة، الوردة صباحاً، أغنية السماء الهائلة»، وبعضها الآخر يحاول التحليق بعيداً، مكتفياً بالنظر خلسة إلى الطبيعة، وكأنها عابر سبيل، أو مجرد أثر طارئ على النص، مثل: «لا بد من مرآة، أثر، مرافئ أخرى أيضاً، ست مسودات، ماذا أقول ليدكِ في الوداع». لكن يبقى السؤال الذي يتحسسه الديوان بنعومة شديدة: كيف تصبح الطبيعة الملاذ والبديل عن الفقد والحرمان، والإحساس بالوحدة والاغتراب والشتات. وعلى نحو خاص: هل الطبيعة تمثل الجمال الهارب من النص ومن الواقع أيضاً، وأن مهمة الذات الشاعرة هي اصطياده في نشوته البكر الخام.. يطالعنا هذا الهم على نحو ما في نص (ص31) يشبه المناجاة، يقول:
«خذ يدي أيها الطائر
وامنحهما بعضاً من حرية جناحيك
خذ فمي أيها الطائر
ولَقنه ما تشاء من تغريداتك
خذ عيني أيها الطائر
وأطلقهما في سماء حياتك
أيها الطائر
أيها الطائر
ليتني أهتدي إلى حياة أخرى /
حياتك».
يكشف النص في توسلاته اللاعجة عن حالة من النجوى الداخلية للتوحد بالطبيعة، بعناصرها وطيورها وكائناتها، تصل إلى حد الرغبة في الذوبان والخلاص بها، عوضاً عن الحرية المفقودة في الواقع، فالرغبة في التوحد بالطائر والتحليق بجناحيه، هي الرغبة نفسها في الانعتاق من الحيز الضيق الخانق، والبحث عن حياة أخرى، أكثر رحابة وانفتاحاً وحيوية، تشبه حياة الطائر.
في مقابل هذه النجوى، يطل الوجه الآخر كنقيض وضد للحلم بالطبيعة، وهو وجه هش ممتلئ بالصمم والخواء، لا يصمد أمام غضب الطبيعـة الذي يصعب السيطرة عليه واتقاء عواقبه القاسية. إنه وجه المدينة، وجه البلاد المتحفي خلف أقنعة الرصانة والثبات، وإيقاع الحياة اللاهث في غبار الميكنة وصراع الأضداد والتكنولوجيا، يقول النص مخاطباً هذا النمط:
«أيتها البلاد الواقفة على ربوة
أو بركان
صامتاً كتمثال
وحزيناً كقبر مهجور
ما من أثر لجرحٍ في خاصرة أيامنا
سوى ندبة غائرة في القلب
سوى نصل في يد الريح/
ينذر بالعاصفة».
يبلغ الحلم بالطبيعة توهجه شعرياً ودرامياً، حين يرقى إلى مستوى مشارفة الكينونة وفعل الوجود، مشرباً أحياناً بمسحة صوفية، ونثار من الصرخات المكتومة، تعلق فيها هموم الوطن السوري ومأساته الدامية، ففقد الوطن ليس فقداً للأشياء الحميمة، فحسب، وإنما أساساً فقد للحلم بالطبيعة:
«لَم تعد لدي أشياء حميمة
لَم يعد يعنيني شيء
حياتي التي في قفة
كقط مدلل أتركها على الحافة
لربما..
يتلقفها أي عابر».
يعتمد الشاعر كثيراً على بنية التكرار لكلمات وعبارات ذات دلالة معينة، بغرض الاختزال والتكثيف، وخلق نمو درامي مباغت في المشهد أو اللقطة الشعرية، لكنه كثيراً ما يقع في مصيدة التشابه، فيصبح التكرار عبئاً على النص، يشتت ما يحتويه على مستوى الرمز والدلالة والمعنى، خصوصاً في نصوص تتسم بالرهافة والبساطة الحانية في تراكيبها، وتنتمي إلى ما يمكن تسميته «شعرية اللمس»، حيث أغلب هذه النصوص أشبه بالومضات التليغرافية... مثلما يطالعنا في هذا النص (ص 25):
«بفمٍ باسم وعينٍ نصف مفتوحة
تنظر الصبية على بتلات الوردة الباكية
الوردة سرُّ الغابة
وحدها الصبية تدرك ذلك
الصبية بردائها المخملي الأحمر/
كراية
الصبية التي تنظر
وتبتسم
تماماً
تماماً
كالغدير».
لا يصعَّد تكرار كلمة «تماماً» كأداة للتوكيد، من جو التوتر في النص، فاللقطة أصلاً مبنية على حالة من الاسترخاء الشجية في النظر إلى الأشياء، وبها رائحة الأنوثة الغضة، كما أن الإحساس بالزمن يأخذ شكل الومضات الخافتة ببطء، ولا يحتمل اللهاث، والحالة فقط تحتاج للوثوق بذاتها في اللطشة الأخيرة، وليس عبر وسائط وزوائد تشكل عبئاً عليها من قبيل التكرار.. الأمر نفسه يطالعنا في نصوص كثيرة بالديوان تتكرر فيها ألفاظ وجمل بعينها، في أول النص وفي آخره، أو ينبني النص كله على التكرار. كما في نص (ص 68)، الذي وسم ظهر غلاف الديوان:
«كلُ طائر لا غصن له
كلُ غصن لا شجرة له
كلُ شجرة لا غابة لها
كلُ غابة لا شمس لها
كلُ شمس لا سماء لها
كلُ سماء لا ناظر إليها
كلُ ناظر لا عين له
فلينظر..
فلينظر بقلبه».
وبعد، لقد نجح الديوان في خلق موازاة شعرية شيقة إلى حد ما، مع الطبيعة، لكنه لم يستطع أن يخلق حواراً معها، تتعدد فيه مستويات الرؤية والتشكيل، ويصبح التكرار قيمة فنية تضيف للنص، وتخلق نوافذ إدراك جديدة له وللطبيعة معاً.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة