المفهوم المحفوظي للسرد لا يعترف بالتصنيف

سيد الوكيل يسبر أغواره في «حضرة المحترم»

نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
TT

المفهوم المحفوظي للسرد لا يعترف بالتصنيف

نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
نجيب محفوظ - غلاف الكتاب

بخلاف الكثير من الدراسات التي تناولت أعمال نجيب محفوظ ينطلق سيد الوكيل في كتابه «مقامات في حضرة المحترم» من رغبة في فهم ذاته بوصفه كاتباً. متى وجد صوته الخاص، متى بدأ إحساسه بهم وجودي يخصه ويأخذه في طرقه الخاصة ويُخلِّصه من السير في طرق كبار أحبهم في بداياته، من هذه الرغبة الأساسية تأتي أهمية هذه القراءة الجديدة في إبداع عميد الرواية العربية.
يُقسِّم الكاتب دراسته الصادرة عن دار بتَّانة بالقاهرة إلى ثلاثة أبواب: مقام الأسرار، مقام الكمال، مقام الوصل. وفي تقديمه للكتاب يقدم الناقد مصطفى الضبع تفسيره لمقامات المؤلف، حسب لغة عنونتها الصوفية؛ بأنها مقامات المكاشفة وإدراك المريد لأسرار الشيخ، ثم مقام البحث عن الكمال؛ سعي الشخصيات إلى كمالها وسعي القارئ إلى كماله، ثم تحقيق الوصل بين المريد والقطب. وعند القراءة قد يبدو لنا هذا التبويب متحققاً بشكل ما، لكننا سنكتشف أن علاقة المريد بشيخه البادية في العنوان تستوفي التعبير عن إجلال شخصي دون التسليم الذي يطبع علاقة المريد بالشيخ؛ فالكتاب حفر لاكتشاف عوالم محفوظ، والأنفاق السرية التي تصل بين عمل وآخر، والتي تجعل من روايات وقصص نجيب محفوظ تمثيلات لعدد قليل من الأسئلة تؤرقه ككل كاتب كبير. لهذا يُصدِّر الوكيل كتابه بعبارة من كتاب شاكر النابلسي «مذهب للسيف ومذهب للحب» تؤكد ضرورة رؤية أي رواية لمحفوظ من خلال أعماله كلها.
الشكل والمعنى
في الباب الأول من الكتاب يبحث الوكيل في مسألة النوع الأدبي، مذكراً بمقولة نقدية كانت مستقرة تجعل من يوسف إدريس رأساً للقصة، بينما تضع محفوظ على رأس الرواية، وعلى القارئ والسالك لطريق الكتابة أن يختار طريقاً من الطريقين. هذه القسمة الصارمة حرمتنا من تأمل ثلث ما كتب نجيب محفوظ، حيث لم يُنظر إلى قصصه إلا بوصفها روايات ضلت طريقها!
لمساءلة تلك القسمة المستقرة يعود الوكيل إلى بدايات السرد الحديث، أوائل القرن العشرين لدى عيسى عبيد ومجايليه عندما كانوا يتعثرون في التسمية يضعون اسم هذا على ذاك، ويمدون اسم الرواية على المسرحية والفيلم، وبينما اكتملت هوية القصة تأخر نضج الرواية، وانتظرت محفوظ ليمنحها شكلها الحديث، لكن هذا لا يعني أن قصصه روايات مشوهة، بل على العكس، استطاع محفوظ أن يستفيد من المرونة غير المحدودة للقصة في تطويعها وتوسيع طاقتها السردية بمعالجات مختلفة للزمن والحدث.
كان نموذج «نظرة» ليوسف إدريس مريحاً في انتمائه المدرسي لقصة الفكرة، بينما أربكت قصة محفوظ النقد، لأنه يتخذ من الفكرة أفقاً لتوليد أفكار جانبية تتصل بالفكرة الأساسية، ولهذا تبدو قصصه بأثرها القرائي وفضائها الدلالي بقوة الرواية.
ويبدو عطاء محفوظ في القصة كبيراً إذا أضفنا له رواياته المكتوبة بروح القصة مثل «أمام العرش» و«المرايا» وحتى «ملحمة الحرافيش»، حيث يرى الوكيل أنها مكتوبة بروح المتوالية القصصية رغم فضائها الملحمي، لافتاً إلى ملاحظة مهمة: أن أعمال محفوظ كلها لم تكن تحمل تصنيفاً على أغلفتها.
السكوت عن التصنيف يعكس المفهوم المحفوظي للسرد الممتد عبر تجربته الطويلة، حيث المرونة في الشكل الذي لا ينفصل أبداً عن المضمون والفكرة. وهذا يعني أن القصة لدى محفوظ ليست شكلاً مستقلاً لكنها طريقة للنظر إلى موضوع ما، ثم إذا به يختتم مسيرته بسرد يحير هواة التصنيف في «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة» دون أن ننسى «حديث الصباح والمساء»، التي تعصف بترتيبها الأبجدي قواعد القصة والرواية لتنزع نحو المعاجم.
العنف النقدي الذي مورس انطلاقاً من شكل واحد، بحسب الوكيل، هو ذاته الذي مارسه النقاد عندما حاولوا الوقوف على أفكار واضحة في إبداع محفوظ؛ فيسجل عبد المحسن طه بدر ثم علي شلش، أربعة عناوين هي: حتمية التطور - الإنسان المؤمن بطبيعته - التوسط بين الاشتراكية والرأسمالية - المستقبل المظلم. هذا الجهد المشكور يغض الطرف عن حقيقة بسيطة: النص الأدبي غير مخلص حتى لصاحبه. وواقعية محفوظ الإنسانية تتسع لأكثر من هذه العناوين الأربعة.
بحثاً عن الجدوى
في الجزء المعنون «مقام الكمال» يسعى سيد الوكيل إلى البحث عن الهموم الوجودية التي تحكم العالم المحفوظي، ليس من خلال الأعمال الكبرى كملحمة الحرافيش أو رواية أولاد حارتنا، بل من خلال قراءتين مطولتين لنوفيلا «قلب الليل» ورواية «الشحاذ» ويراهما معبرتين عن القلق الوجودي لدى الكاتب، بأكثر مما تعبر «أولاد حارتنا» ذات البنية المستعارة لرواية التاريخ الإنساني والمحتشدة بالتفاصيل.
«قلب الليل»، حوارية بين موظف بالأوقاف وجعفر الراوي الذي ذهب للمطالبة بحقه في ميراث جده. تتبادل الشخصيتان عبء السرد في الحوار الذي يكشف عرضاً عن مأزق جعفر الراوي الوجودي.
ننتهي من هذه الحوارية التي تقع في 149 صفحة وقد تعرفنا على مراحل حياة جعفر الراوي من طفولته، حيث الخيال والحلم وسيلته للإجابة عن أسئلة الوجود الغامضة، ثم بحثه عن نفسه في الدين، ثم في الفن، وأخيراً في الفلسفة، وكأن حياته معادل لرحلة الإنسان على الأرض في بحثه عن مسار يحقق العدل والحرية، وهذا من أهم أسئلة نجيب محفوظ التي تقود لسؤال أكثر تعقيداً حول مأزق الوجود الإنساني، ويعبر عنه جعفر الراوي من خلال وعيه بطبيعته: «إني أتمرغ في التراب، ولكنني في الأصل هابط من السماء». هذه المسافة هي التي تجعل الإنسان قادراً على فعل أي شيء. وجعفر الراوي هو ذلك الإنسان؛ فهو لم يعرف الحدود في حياته، عندما تديَّن وعندما انخرط في المتعة، وعندما انغمس في الفكر، حتى أنه لم يتمالك نفسه وقتل «سعد كبير» لمجرد أنه صارحه بأن ما يعتبره نظرية فلسفية جديدة مجرد هراء.
بسبب الطبيعة المزدوجة لا يعرف الإنسان الاعتدال، وتظل الحياة لغزاً، لا يحلها التنقل بين يقين الإيمان ومتع الجسد وتأملات العقل.
في «الشحاذ» يسعى محفوظ وراء الأسئلة ذاتها من منظور آخر. يتعرض الوكيل للتشخيص النفسي الذي قدمه الدكتور يحيى الرخاوي لبطل الرواية عمر الحمزاوي باعتباره مريضاً بالاكتئاب، ويقبل به لأن الرخاوي يصفه بـ«الاكتئاب الوجودي» المتعلق بالسؤال الخالد: أكون أو لا أكون؟
نحن بصدد القلق الوجودي مجدداً، سواء بلغ حد المرض أو لم يبلغ. وعلى النقيض من جعفر الراوي يبدو عمر الحمزاوي شخصية متزنة، مطمئنة إلى النجاحات التي حققتها في الحياة، وفجأة يعصف به السؤال الوجودي عن معنى حياته التي عاشها. سؤال يرى محفوظ أنه «لا يلح علينا إلا بعد أن يفرغ قلبنا».
بعد السؤال لم يعد الحمزاوي كما كان، سار في طريق البحث الذي قطعه جعفر الراوي. يبحث عن المعنى في الملاهي، وفي كتابة الشعر، ثم ينتهي معتزلاً الحياة في كوخ ناءٍ، لا أمل لديه إلا أن يتسول جواباً عن الحقيقة التي ينشدها.
اللقاء في المنام
في الباب الثالث من الكتاب «مقام الوصل» يقف سيد الوكيل أمام ثيمة الأحلام في إبداع نجيب محفوظ، التي توجت بعمل خاص مكرس للحلم «أحلام فترة النقاهة» التي كتبها عقب ست سنوات من التوقف بسبب الاعتداء الإرهابي عليه، قضاها في العلاج الطبيعي لاستعادة لياقة يده، ثم كانت «أحلام فترة النقاهة» التي جاءت تتويجاً لحضور الحلم في أعمال محفوظ، والذي يعطي ملمح تيار الوعي المنسجم مع الواقعي في كتابة محفوظ. ربما كان دافع الأحلام الأخيرة رحلة داخلية كالتي مر بها عمر الحمزاوي تحت تأثير من سحابة اكتئابية خلال سنوات التوقف التي أعقبت الجريمة. وإذا كان الحلم مهمة اللاوعي الحر، فكتابته مهمة الوعي، حيث قام العقل الخبير بطرائق السرد بعمليات استبدال فني لتبدو على هذا النحو، ولتقود عدداً من الكُتاب إلى السير في هذا الطريق فلا تظل كتابة الأحلام عملاً بدأ وانتهى في تجربة كاتب واحد، بل تنفتح لتصبح نوعاً أدبياً تكمن الكتابة في إطاره.
ينوه الوكيل بعمل سبق أحلام فترة النقاهة بخمسة أعوام، وهو رواية مصطفى بيومي «أحلام سرية» قبل أن يتناول أربعة أعمال أعقبت الأحلام المحفوظية: «أحلام الفترة الانتقالية - محمود عبد الوهاب»، «ما وراء الجدار - مصطفى يونس» و«دفتر النائم - شريف صالح» وعمله هو نفسه «لمح البصر». ويقدم الوكيل قراءته لأعمال الكتاب الثلاثة بينما يختتم «مقامات في حضرة المحترم» بأحد أحلام كتابه، الذي تحقق فيه الوصل مع شيخ الكتابة في التكية، بعد رحلة حلمية متعددة المحطات.



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».