المفهوم المحفوظي للسرد لا يعترف بالتصنيف

سيد الوكيل يسبر أغواره في «حضرة المحترم»

نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
TT

المفهوم المحفوظي للسرد لا يعترف بالتصنيف

نجيب محفوظ - غلاف الكتاب
نجيب محفوظ - غلاف الكتاب

بخلاف الكثير من الدراسات التي تناولت أعمال نجيب محفوظ ينطلق سيد الوكيل في كتابه «مقامات في حضرة المحترم» من رغبة في فهم ذاته بوصفه كاتباً. متى وجد صوته الخاص، متى بدأ إحساسه بهم وجودي يخصه ويأخذه في طرقه الخاصة ويُخلِّصه من السير في طرق كبار أحبهم في بداياته، من هذه الرغبة الأساسية تأتي أهمية هذه القراءة الجديدة في إبداع عميد الرواية العربية.
يُقسِّم الكاتب دراسته الصادرة عن دار بتَّانة بالقاهرة إلى ثلاثة أبواب: مقام الأسرار، مقام الكمال، مقام الوصل. وفي تقديمه للكتاب يقدم الناقد مصطفى الضبع تفسيره لمقامات المؤلف، حسب لغة عنونتها الصوفية؛ بأنها مقامات المكاشفة وإدراك المريد لأسرار الشيخ، ثم مقام البحث عن الكمال؛ سعي الشخصيات إلى كمالها وسعي القارئ إلى كماله، ثم تحقيق الوصل بين المريد والقطب. وعند القراءة قد يبدو لنا هذا التبويب متحققاً بشكل ما، لكننا سنكتشف أن علاقة المريد بشيخه البادية في العنوان تستوفي التعبير عن إجلال شخصي دون التسليم الذي يطبع علاقة المريد بالشيخ؛ فالكتاب حفر لاكتشاف عوالم محفوظ، والأنفاق السرية التي تصل بين عمل وآخر، والتي تجعل من روايات وقصص نجيب محفوظ تمثيلات لعدد قليل من الأسئلة تؤرقه ككل كاتب كبير. لهذا يُصدِّر الوكيل كتابه بعبارة من كتاب شاكر النابلسي «مذهب للسيف ومذهب للحب» تؤكد ضرورة رؤية أي رواية لمحفوظ من خلال أعماله كلها.
الشكل والمعنى
في الباب الأول من الكتاب يبحث الوكيل في مسألة النوع الأدبي، مذكراً بمقولة نقدية كانت مستقرة تجعل من يوسف إدريس رأساً للقصة، بينما تضع محفوظ على رأس الرواية، وعلى القارئ والسالك لطريق الكتابة أن يختار طريقاً من الطريقين. هذه القسمة الصارمة حرمتنا من تأمل ثلث ما كتب نجيب محفوظ، حيث لم يُنظر إلى قصصه إلا بوصفها روايات ضلت طريقها!
لمساءلة تلك القسمة المستقرة يعود الوكيل إلى بدايات السرد الحديث، أوائل القرن العشرين لدى عيسى عبيد ومجايليه عندما كانوا يتعثرون في التسمية يضعون اسم هذا على ذاك، ويمدون اسم الرواية على المسرحية والفيلم، وبينما اكتملت هوية القصة تأخر نضج الرواية، وانتظرت محفوظ ليمنحها شكلها الحديث، لكن هذا لا يعني أن قصصه روايات مشوهة، بل على العكس، استطاع محفوظ أن يستفيد من المرونة غير المحدودة للقصة في تطويعها وتوسيع طاقتها السردية بمعالجات مختلفة للزمن والحدث.
كان نموذج «نظرة» ليوسف إدريس مريحاً في انتمائه المدرسي لقصة الفكرة، بينما أربكت قصة محفوظ النقد، لأنه يتخذ من الفكرة أفقاً لتوليد أفكار جانبية تتصل بالفكرة الأساسية، ولهذا تبدو قصصه بأثرها القرائي وفضائها الدلالي بقوة الرواية.
ويبدو عطاء محفوظ في القصة كبيراً إذا أضفنا له رواياته المكتوبة بروح القصة مثل «أمام العرش» و«المرايا» وحتى «ملحمة الحرافيش»، حيث يرى الوكيل أنها مكتوبة بروح المتوالية القصصية رغم فضائها الملحمي، لافتاً إلى ملاحظة مهمة: أن أعمال محفوظ كلها لم تكن تحمل تصنيفاً على أغلفتها.
السكوت عن التصنيف يعكس المفهوم المحفوظي للسرد الممتد عبر تجربته الطويلة، حيث المرونة في الشكل الذي لا ينفصل أبداً عن المضمون والفكرة. وهذا يعني أن القصة لدى محفوظ ليست شكلاً مستقلاً لكنها طريقة للنظر إلى موضوع ما، ثم إذا به يختتم مسيرته بسرد يحير هواة التصنيف في «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة» دون أن ننسى «حديث الصباح والمساء»، التي تعصف بترتيبها الأبجدي قواعد القصة والرواية لتنزع نحو المعاجم.
العنف النقدي الذي مورس انطلاقاً من شكل واحد، بحسب الوكيل، هو ذاته الذي مارسه النقاد عندما حاولوا الوقوف على أفكار واضحة في إبداع محفوظ؛ فيسجل عبد المحسن طه بدر ثم علي شلش، أربعة عناوين هي: حتمية التطور - الإنسان المؤمن بطبيعته - التوسط بين الاشتراكية والرأسمالية - المستقبل المظلم. هذا الجهد المشكور يغض الطرف عن حقيقة بسيطة: النص الأدبي غير مخلص حتى لصاحبه. وواقعية محفوظ الإنسانية تتسع لأكثر من هذه العناوين الأربعة.
بحثاً عن الجدوى
في الجزء المعنون «مقام الكمال» يسعى سيد الوكيل إلى البحث عن الهموم الوجودية التي تحكم العالم المحفوظي، ليس من خلال الأعمال الكبرى كملحمة الحرافيش أو رواية أولاد حارتنا، بل من خلال قراءتين مطولتين لنوفيلا «قلب الليل» ورواية «الشحاذ» ويراهما معبرتين عن القلق الوجودي لدى الكاتب، بأكثر مما تعبر «أولاد حارتنا» ذات البنية المستعارة لرواية التاريخ الإنساني والمحتشدة بالتفاصيل.
«قلب الليل»، حوارية بين موظف بالأوقاف وجعفر الراوي الذي ذهب للمطالبة بحقه في ميراث جده. تتبادل الشخصيتان عبء السرد في الحوار الذي يكشف عرضاً عن مأزق جعفر الراوي الوجودي.
ننتهي من هذه الحوارية التي تقع في 149 صفحة وقد تعرفنا على مراحل حياة جعفر الراوي من طفولته، حيث الخيال والحلم وسيلته للإجابة عن أسئلة الوجود الغامضة، ثم بحثه عن نفسه في الدين، ثم في الفن، وأخيراً في الفلسفة، وكأن حياته معادل لرحلة الإنسان على الأرض في بحثه عن مسار يحقق العدل والحرية، وهذا من أهم أسئلة نجيب محفوظ التي تقود لسؤال أكثر تعقيداً حول مأزق الوجود الإنساني، ويعبر عنه جعفر الراوي من خلال وعيه بطبيعته: «إني أتمرغ في التراب، ولكنني في الأصل هابط من السماء». هذه المسافة هي التي تجعل الإنسان قادراً على فعل أي شيء. وجعفر الراوي هو ذلك الإنسان؛ فهو لم يعرف الحدود في حياته، عندما تديَّن وعندما انخرط في المتعة، وعندما انغمس في الفكر، حتى أنه لم يتمالك نفسه وقتل «سعد كبير» لمجرد أنه صارحه بأن ما يعتبره نظرية فلسفية جديدة مجرد هراء.
بسبب الطبيعة المزدوجة لا يعرف الإنسان الاعتدال، وتظل الحياة لغزاً، لا يحلها التنقل بين يقين الإيمان ومتع الجسد وتأملات العقل.
في «الشحاذ» يسعى محفوظ وراء الأسئلة ذاتها من منظور آخر. يتعرض الوكيل للتشخيص النفسي الذي قدمه الدكتور يحيى الرخاوي لبطل الرواية عمر الحمزاوي باعتباره مريضاً بالاكتئاب، ويقبل به لأن الرخاوي يصفه بـ«الاكتئاب الوجودي» المتعلق بالسؤال الخالد: أكون أو لا أكون؟
نحن بصدد القلق الوجودي مجدداً، سواء بلغ حد المرض أو لم يبلغ. وعلى النقيض من جعفر الراوي يبدو عمر الحمزاوي شخصية متزنة، مطمئنة إلى النجاحات التي حققتها في الحياة، وفجأة يعصف به السؤال الوجودي عن معنى حياته التي عاشها. سؤال يرى محفوظ أنه «لا يلح علينا إلا بعد أن يفرغ قلبنا».
بعد السؤال لم يعد الحمزاوي كما كان، سار في طريق البحث الذي قطعه جعفر الراوي. يبحث عن المعنى في الملاهي، وفي كتابة الشعر، ثم ينتهي معتزلاً الحياة في كوخ ناءٍ، لا أمل لديه إلا أن يتسول جواباً عن الحقيقة التي ينشدها.
اللقاء في المنام
في الباب الثالث من الكتاب «مقام الوصل» يقف سيد الوكيل أمام ثيمة الأحلام في إبداع نجيب محفوظ، التي توجت بعمل خاص مكرس للحلم «أحلام فترة النقاهة» التي كتبها عقب ست سنوات من التوقف بسبب الاعتداء الإرهابي عليه، قضاها في العلاج الطبيعي لاستعادة لياقة يده، ثم كانت «أحلام فترة النقاهة» التي جاءت تتويجاً لحضور الحلم في أعمال محفوظ، والذي يعطي ملمح تيار الوعي المنسجم مع الواقعي في كتابة محفوظ. ربما كان دافع الأحلام الأخيرة رحلة داخلية كالتي مر بها عمر الحمزاوي تحت تأثير من سحابة اكتئابية خلال سنوات التوقف التي أعقبت الجريمة. وإذا كان الحلم مهمة اللاوعي الحر، فكتابته مهمة الوعي، حيث قام العقل الخبير بطرائق السرد بعمليات استبدال فني لتبدو على هذا النحو، ولتقود عدداً من الكُتاب إلى السير في هذا الطريق فلا تظل كتابة الأحلام عملاً بدأ وانتهى في تجربة كاتب واحد، بل تنفتح لتصبح نوعاً أدبياً تكمن الكتابة في إطاره.
ينوه الوكيل بعمل سبق أحلام فترة النقاهة بخمسة أعوام، وهو رواية مصطفى بيومي «أحلام سرية» قبل أن يتناول أربعة أعمال أعقبت الأحلام المحفوظية: «أحلام الفترة الانتقالية - محمود عبد الوهاب»، «ما وراء الجدار - مصطفى يونس» و«دفتر النائم - شريف صالح» وعمله هو نفسه «لمح البصر». ويقدم الوكيل قراءته لأعمال الكتاب الثلاثة بينما يختتم «مقامات في حضرة المحترم» بأحد أحلام كتابه، الذي تحقق فيه الوصل مع شيخ الكتابة في التكية، بعد رحلة حلمية متعددة المحطات.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended