«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي

«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي
TT

«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي

«حفار القبور» السوري: جثث متحللة رائحتها لا تفارق أنفي

أثارت شهادة شاهد، عرف بـ«حفار القبور»، في جلسة محاكمة مسؤولين سوريين عن جرائم حرب، في مدينة كوبلنز غرب ألمانيا، كثيراً من الصدمة داخل قاعة المحكمة وخارجها، لما تضمنته من روايات مؤلمة لمعاناة سوريين في السنوات الماضية. وتضاف هذه الشهادة إلى سجل صور مؤلمة أخرى وثقها مصور لجثث آلاف الضحايا، قبل أن ينشق عن النظام ويساهم في إصدار «قانون قيصر» في الكونغرس الأميركي، ليكون مرجعاً في العقوبات المفروضة على النظام. الشاهد الذي يعرف برمز «ز- 30»، روى مشاهداته الرهيبة في المحاكمة التي انطلقت في مدينة كوبلنز الألمانية في 23 أبريل (نيسان) الماضي، لمحاكمة الضابط السوري السابق أنور رسلان، والمجند السابق إياد الغريب، عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبوها في سوريا بعد عام 2011. المتهمان رسلان والغريب الوحيدان اللذان نجح محامون وناشطون سوريون وأوروبيون في جمع ملفات كافية عنهما، لوضعهما في قصف الاتهام.
«الشرق الأوسط» حصلت على شهادة «ز- 30» التي سجلها «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية» في برلين، برئاسة المحامي أنور البني، وهنا نصها:

كنت أعمل أعمالاً حرة وسائق «تاكسي». عملت في محافظة دمشق في عام 2010. وعندما بدأت المظاهرات عام 2011 كانوا يستخدمون عمال النظافة والطوارئ لقمع المظاهرات. وفي شهر يوليو (تموز)، جاء «عنصر أمني» يدعى «ي ز» قُتل مع شقيقه بتفجير في منطقة باب مصلى لاحقاً. وقال لي إنه تم اختياري مع خمسة أشخاص للعمل بالمقر الأمني؛ لأننا «شجعان». وأضاف أنه سيتم تعويضنا بالمال، وتم إعطاؤنا بطاقة أمنية وملابس أمنية.
لم أقبل الزي العسكري، وكانت العلاقة مباشرة مع نائب المحافظ الذي تم اغتياله فيما بعد في مشروع دمر. وقال لي: «إنك مسؤول عن 12 عاملاً، ومهمتي مرافقتهم إلى مقبرة نجها، وإحصاء وتسجيل أسماء المتوفين. أي المقبرة الجنوبية في نجها، قرب ما يعرف بـ«مقبرة الشهداء»، وتابعة لـ«مزار السيدة زينب».
في البداية، قاموا بتسوير المقبرة؛ حيث المقبرة مساحتها 40 دونماً، وزودوني بكتاب من أجل إحضار آليات ثقيلة والوقود اللازم لتشغيلها. وكنا نقوم بالحفر يومياً لتجهيز المكان. وكان يرسلني إلى «مشفى تشرين العسكري» لإحضار الجثث. خلال سنة ونصف سنة وضعنا الآلاف، لدرجة لم يعد هناك مكان للدفن. كنا نقوم بفتح القبور المدنية ونضع في كل قبر 9 جثث أو أكثر.
وكان هذا يتم مرتين أسبوعياً وأحياناً ثلاث مرات. كانت الكتب التي تأتي مع البرادات عبارة عن قوائم فيها أعداد الجثث من كل جهة، مثل إدارة أمن الدولة، أو الأمن العسكري، مع رقم الفرع. مثلاً: «فرع فلسطين» 100 جثة، و«فرع الأربعين» 50 جثة. كنا نسجل الأعداد الواصلة بالبرادات إلى المقبرة حسب الكتب المرفقة.
لا أستطيع تحديد أي فرع أمني مسؤول عن أكبر عدد من الجثث؛ لكن سمعت كثيراً يتحدثون فيما بينهم عن نشاط أفرع أمنية في أيام معينة، والتنافس فيما بينها. وكانت تُجمع الجثث في «مشفى حرستا» أو «مشفى تشرين» وتُحمل من قبل عساكر إلى البرادات وتنقل إلى المقبرة في نجها. وكانت تأتي برادات إضافية من مناطق مختلفة، مثل قدسيا وداريا والمدن المحيطة بدمشق، و«مشفى المجتهد» أو «المواساة» ومشافٍ خاصة، وشاحنات تحمل الجثث من سجن صيدنايا، ويتم تفريغها في المقبرة، إلى أن امتلأت المقبرة بشكل كامل بالجثث.
بدأت العمل في الشهر السابع في عام 2011، يومياً أذهب إلى نجها. كانت هناك حفرة كبيرة. وجاءت ثلاث أو أربع سيارات برادات كبيرة. يزيد طول الواحدة عن 11 متراً، فيها جثث حوالي 700- 800 شخص. وكانت بينهم جثث لنساء وشبان يافعين وأمهات مع أطفالهن. كان يتم رميهم في الحفرة التي تردم بـ«التراكس» (البلدوزر).
في البداية، أثناء العمل، مُنع الشاهد وبقية العمال من الحديث تفصيلاً أو استخدام هواتفهم الجوالة، وقال إنه لم يعلم بداية أي شيء عن مهامه؛ لأن الضباط تكتموا على كل المعلومات؛ لكن بعد خمسة أشهر تقريباً وَثِقَ الضباط بهم، فأصبحوا يخبرونهم أكثر عن هذه المهام.
شاهدت مناظر مريعة لأرجل وأيدٍ من أعضاء بشرية، وكانت رائحة الجثث فائحة، وهناك كثير من الدم لدرجة أنني كنت أشعر بالدوخة عندما يُفتح باب البراد. بسبب تراكم الجثث لمدة طويلة داخل البراد تنبعث الرائحة كقنبلة غاز قوية جداً. كانوا يقومون بتكديسها على دفعات ريثما تمتلأ الشاحنة بالكامل.
بداية، لم أشارك شخصياً في دفن الجثث القادمة من المراكز الأمنية؛ بل كنت أكتفي بالوقوف بعيداً قرابة عشرين متراً، ومراقبة العمال وهم يقومون برمي الجثث من البراد إلى الحفرة حتى يصلوا إلى الجثث المكدسة بنهاية البراد التي غالباً ما تكون مليئة بالمواد المخاطية نتيجة التحلل، أو بالديدان بسبب انعدام الهواء داخل البراد والتخزين لمدة طويلة؛ لكني شاركت في دفن جثث سجن صيدنايا مع العمال؛ لأنها لم تنبعث منها رائحة. كانت جثثاً حديثة، وأخبرنا الضباط أنهم أُعدموا في اليوم نفسه. قيل لنا إنه غالباً يبدأ الإعدام الساعة الثانية عشرة ليلاً، ويتم الدفن الساعة الرابعة صباحاً. رأيتُ آثار الحبال الملتفة على رقابهم، وآثار التعذيب أيضاً. كانوا يأتون مكبلي الأيدي مع أرقام ورموز مكتوبة على ملصقات وُضِعت على جبهات وصدور الجثث.
حدث ذات مرة أن أحدهم لم يكن ميتاً بعد؛ بل كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، فأمر الضابط أن تمر الجرافة فوقه.
سكنت الرائحة في أنوفنا كل هذه السنوات، وكنا نتحسسها حتى لو كنا في منازلنا أو أي مكان آخر. أما مناظر الجثث فكانت كفيلة أن تبقيني دون طعام أو شراب لأيام متواصلة. ولا تزال تزورني كوابيس وتمنعني من النوم. المشاهد سببت لي رُعباً واضطرابات في السكر والضغط دائم.
أذكر أن العمال أخبروني ذات يوم بوجود جثث نساء وأطفال - من الذكور والإناث أيضاً - وعن رفض الضباط السماح لهم بدفن النساء في أماكن مخصصة؛ بل تعدى الأمر رفض الطلب إلى التهديد بالاعتقال والتعذيب. وشاهدت مرة جثة امرأة مقتولة، تحضن رضيعها المذبوح بين يديها. هذا ما جعلني أنهار.
كما أن العمال أخبروني بأن ملامح بعض الوجوه كانت غائبة تقريباً. كان ذلك برأيهم نتيجة استخدام مواد كيماوية لإذابتها، لاستحالة تآكلها بطريقة طبيعية، أو ربما نتيجة تعذيب. وأخبروني أيضاً عن علامات التعذيب المنتشرة على كافة أنحاء الجسد، وعلامات الأزرق والأحمر والأسود على الجثث، وقلع أظافر اليدين والقدمين؛ بل وفي بعض الحالات قطع أعضاء بشرية.
في منتصف عام 2015 أعلمني المسؤول عني بأنهم أخذوا أرضاً جديدة في منطقة القطيفة، وعليَّ أن أذهب مع آليات لحفرها، وكانت مساحتها 20- 30 دونماً. وبالفعل حفرناها وبدأنا نستخدمها لدفن الجثث. وكنا نذهب إلى طريق صيدنايا نلتقي بالبرادات ونذهب بها إلى المقبرة في كل يوم سبت واثنين. ثلاث أو أربع سيارات شحن متوسطة الحجم مغطاة بشادر، في كل منها 100 أو أكثر من الجثث. يصل العدد إلى 500. استمررت بالعمل في مقبرة القطيفة إلى 2017؛ حيث امتلأت بالجثث في كل مكان. وأخبرني المسؤول عني أنهم سيحفرون أرضاً عند جسر بغداد. وفي المقبرتين كان بين الجثث ضباط تابعون للنظام، وكانوا يطلبون مني سحب جثث ذات أرقام محددة، ويقومون بلفها بالعلم السوري، وينقلونها خارج المقبرة.
من خلال عملي، علمت أيضاً من سائقي «باكر» و«تراكس» (آليات ثقيلة للحفر) أنه تم تكليفهم بحفر مقابر جماعية في مطار المزة، وكانوا يرمون الجثث في الحفرة (المقبرة) من فرع الجوية في المزة. كما علمت منهم أنهم حفروا حفراً لمقابر جماعية في مركز «الفرقة الرابعة» (في الحرس الجمهوري). وكان ضابط في منطقة الصبورة يرسل لنا الجثث بشكل مباشر من مناطق القتال بالغوطة وداريا. كنا أيضاً نقوم بجمع الجثث بالسيارات من الشارع في الغوطة الغربية وسبينة ومحيط «السيدة زينب» وندفنها في المقبرة.
وحين استُخدم السلاح الكيماوي (في صيف 2013) في عين ترما، كانت الشوارع مليئة بالجثث، وكلفونا بجمعها ودفنها. ذات مرة كنا قرب الغوطة الغربية وكان القصف عليها بالطائرات، وكدنا نصاب بالقصف ومعنا برادات دفن الجثث. تواصل المسؤول مع ضباط لوقف القصف على مكان وجودنا. أيضاً كان قائد في «قوات الدفاع الوطني» في دمشق لديه مقر وسجن في حي ابن عساكر. كانوا يعتقلون الشباب من الشوارع ويضعونهم في السجن، ثم يرسلون الجثث لنا لدفنها.



الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.


1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
TT

1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)

خسرت الجماعة الحوثية أكثر من 1400 مقاتل من محافظة ذمار، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب صنعاء، خلال شهرين، في حصيلة محلية تكشف عن حجم الاستنزاف البشري المتصاعد في صفوفها، بالتزامن مع تكثيف أنشطتها التعبوية وإقامة معارض لصور قتلاها في مدينة ذمار و12 مديرية تابعة لها، ضمن مسعى لتحويل خسائرها المتلاحقة إلى أدوات للتحشيد والتجنيد وتعويض النقص في مقاتليها.

وقالت مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قتلى الجماعة سقطوا في جبهات متفرقة، أبرزها تعز والضالع والجوف والساحل الغربي ومأرب، مشيرةً إلى أن معارض الصور ومواكب التشييع التي تشهدها المحافظة تكشف عن جانب من حجم الخسائر التي تتكبدها الميليشيات، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المحافظة إلى خطوط المواجهة لتعويض قتلاها.

الحوثيون يقيمون معارض صور قتلاهم لتمجيد ثقافة الموت (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، كثفت الجماعة إقامة معارض صور لقتلاها في مدينة ذمار وبقية مديريات المحافظة، ضمن فعاليات أسبوعها السنوي المخصص للقتلى، مستغلةً المناسبة لتكريس خطابها التعبوي وتطبيع المجتمع مع الموت في الجبهات، بدلاً من الإقرار بالتكلفة الإنسانية الباهظة لمعاركها وما تخلّفه من مآسٍ في أوساط الأسر اليمنية.

معارض مفتوحة

في مدينة ذمار، حوَّلت الجماعة الحوثية عدداً من الأحياء والشوارع الرئيسية والمدارس والمساجد والمقرات الحكومية إلى معارض مفتوحة لصور مئات من قتلاها، بينهم أطفال وصغار سن، سقطوا في جبهات القتال المختلفة، وفقاً للمصادر المحلية.

وامتدت الفعاليات إلى مديريات وصاب العالي، وعنس، وضوران آنس، ووصاب السافل، ومغرب عنس، وجبل الشرق، وجهران، وميفعة عنس، والحداء، والمنار، وعتمة، حيث نصبت الجماعة المعارض والخيام لعرض صور القتلى، في مشهد يعكس اتساع نطاق خسائرها ومحاولاتها توظيفها في خدمة أجندتها العسكرية والتعبوية.

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مدينة ذمار (إعلام حوثي)

ولم تقتصر المعارض على قتلى الجبهات، بل شملت، حسب المصادر، فئات مرتبطة بالتعبئة العامة والحشد والأقسام الأمنية، إلى جانب موظفين في المكاتب الحكومية، بمن فيهم العاملون في القطاع التربوي والطلبة الذين دفعت بهم الجماعة إلى جبهات القتال.

وفي مؤشر على محدودية التجاوب الشعبي مع فعاليات الجماعة، كشفت المصادر عن ممارسة الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في مناطق متفرقة من ذمار لإجبارهم على تنظيم زيارات جماعية إلى معارض القتلى، غير أن هذه المساعي لم تحقق الإقبال الذي كانت تتطلع إليه الجماعة، إذ وصفت المصادر الحضور بأنه «باهت»، رغم محاولات فرض المشاركة.

مواكب تشييع

بالتوازي مع المعارض، واصلت الجماعة الحوثية تنظيم مواكب تشييع قتلاها، وإغراق الشوارع والحارات والأزقة في المدينة ومديريات المحافظة بصورهم وشعاراتها الطائفية، ضمن حملة دعائية تسعى من خلالها إلى إظهار التعبئة بوصفها حالة شعبية، رغم ما يصاحبها من ضغوط على السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.

ويؤكد ناشطون من ذمار أن تكثيف إقامة معارض القتلى يعكس حجم النزيف البشري في صفوف الجماعة، موضحين أنها تستغل فعالياتها السنوية لتجديد خطابها التعبوي واستهداف صغار السن والموظفين الخاضعين لسلطتها، بدلاً من التعامل مع الخسائر بوصفها مأساة إنسانية تطول الأسر والمجتمع.

الحوثيون يجبرون السكان على الاحتشاد لزيارة مقابر القتلى في ذمار (إكس)

وحذر الناشطون من أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتحشيد يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف، عبر دفع شباب جدد إلى الجبهات لتعويض النقص في صفوف الميليشيات، بما يفاقم معاناة الأسر ويُبقي المحافظة رهينة دوامة متواصلة من الخسائر البشرية.

وفي وقت يواجه فيه الملايين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية وإنسانية متدهورة، قدرت مصادر يمنية مطلعة أن الجماعة أنفقت مليارات الريالات اليمنية (الدولار 535 ريالاً) على طباعة صور قتلاها، وتجهيز المعارض، وتنظيم الفعاليات المصاحبة لها في مناطق سيطرتها، في وقت تكافح فيه أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف هذه النفقات عن اختلال أولويات الجماعة، التي تخصص موارد كبيرة لأنشطتها الدعائية والتعبوية، بينما تتفاقم الأعباء المعيشية على السكان وتتراجع قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية.


تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
TT

تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية يومها الرابع والعشرين، الأربعاء، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز؛ حيث كثّفت الجماعة الحوثية هجماتها على قرى ومديريات صبر، في محاولة للوصول إلى جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب، وسط ضربات جوية استهدفت مواقع للجماعة في مناطق متفرقة.

وتتركز المواجهات في جبهات الشقب وكحلان والأقروض؛ حيث تسعى القوات الحوثية، وفق تقديرات ميدانية، إلى السيطرة على مواقع تتيح لها إغلاق الطرق الجبلية البديلة التي يستخدمها السكان والقوات الحكومية للتنقل بين مديريات الريف الجنوبي، بما يُعزز عزل المدينة، ويُقيد حركة الإمدادات والإسناد العسكري.

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية لكونها تربط مديريات صبر والموادِم والمسراخ بالريف الجنوبي لتعز، ويؤدي اختراقها، حسب التقديرات الميدانية، إلى عزل القوات المدافعة عن بعضها وقطع خطوط الإسناد عنها، في وقت تحاول فيه الجماعة تعويض خسائرها وتراجعها في الجبهات الغربية، خصوصاً تلة الميدان ومحيط طريق الضباب.

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وتحدّثت أنباء ميدانية عن معارك عنيفة في جنوب جبل صبر، تركزت في جبهتي كحلان والشقب، وسط ترجيحات بأن الجماعة شنت هجوماً سعت من خلاله إلى انتزاع مواقع من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدافعة عن المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من التصدي لهجوم حوثي استهدف قريتي كحلان وحمة في مديرية المسراخ جنوب تعز، فيما تواصلت المواجهات في المحاور الغربية للمدينة بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

مركبات مصطفة من قوات «درع الوطن» على جانب طريق عقب عملية عسكرية في منطقة باب المندب (رويترز)

وفي محور باب المندب، أعلنت قوات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة الجنوبية» تنفيذ عملية عسكرية سيطرت خلالها على مرتفعات ومواقع استراتيجية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين. وتواصل القوات، بدعم جوي من التحالف، عملياتها ضد جيوب الجماعة المتبقية في المنطقة، والمتحصنة في التلال والمناطق المزروعة بالألغام.

وامتدت الضربات الجوية، وفق المعطيات الميدانية، إلى المخا وحرف سفيان شمال محافظة عمران، في إطار اتساع نطاق العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها.

مئات العمليات العسكرية

في سياق العمليات العسكرية، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 1382 عملية استهداف خلال يوم الثلاثاء، قال إنها طالت مراكز القيادة الميدانية والتحصينات ومصادر النيران والتجمعات العسكرية والاحتياطيات ووسائل الحركة والإمداد التابعة للحوثيين.

وأوضح النزيلي أن وحدات محور تعز والمقاومة الشعبية نفذت، بإسناد من الطيران الحربي، إغارات وهجمات منسقة أسهمت، وفق البيان، في إحباط محاولات الجماعة استعادة المواقع التي فقدتها، وتحقيق تقدم ميداني، وتعزيز السيطرة النارية على عدد من المواقع والمرتفعات.

جندي يمني في تعز يستعد لتلقيم مدفع بقذيفة خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية في جبهات باب المندب وذوباب والمضاربة، واستهدفت تعزيزات وآليات للجماعة، بالتزامن مع استمرار العمليات في المحاور الشمالية والشمالية الغربية والجبهة الشرقية شرق صنعاء، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسيّر.

وذكر البيان أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 440 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 146 آلية وعربة ووسيلة نقل عسكرية وقطعة سلاح ثقيل ومعدة قتالية، مؤكداً استمرار الضغط على مواقع الحوثيين وتحركاتهم بين الجبهات.

وفي تطور موازٍ، اتهم النزيلي الحوثيين بتشويه جثامين عدد من الجنود الذين تسلمتهم القوات المسلحة اليمنية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقال إن الجهاز الطبي في المستشفى العسكري بتعز وثق صب مواد كيميائية حارقة على الجثامين وتكسير أطرافها وطمس معالم الوجوه.

وعدّ النزيلي هذه الأفعال انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم. واستشهد بحوادث سابقة قال إن الجماعة ارتكبتها بحق أسرى وجنود، بينها قضية العميد حسين العصيمي عام 2020، وحوادث تسليم جثامين جنود احتجزتهم الجماعة في الجوف عام 2023.

دعوة لتحرك أوروبي

سياسياً، دعا رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني رشاد العليمي، الاتحاد الأوروبي إلى تبني قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين، بأجنحتهم السياسية والعسكرية وقياداتهم وأجهزتهم الأمنية، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال العليمي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن الحكومة اليمنية تعوّل على تحويل الموقف السياسي الأوروبي إلى إجراءات قانونية واقتصادية ودبلوماسية للضغط على الجماعة ووقف هجماتها.

وحسب الإعلام الرسمي، حذّر العليمي من أن استمرار الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود، واستهداف الملاحة الدولية، يرفع تكلفة التأخير في اتخاذ إجراءات أوروبية، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات الجماعة بحق المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وحصار المدن واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين.

كما تناول الاتصال الأوضاع الإنسانية في تعز، إذ اتهم العليمي الحوثيين بعرقلة وصول المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية، وممارسة القتل والتنكيل والاعتقال والتهجير القسري، مؤكداً استمرار عملية «فجر اليمن» حتى إنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

ونقلت المصادر الرسمية اليمنية عن كوستا تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لـ«مجلس القيادة الرئاسي» والحكومة اليمنية، ومساندة الشعب اليمني، مشيراً إلى متابعة التطورات الميدانية والاحتياجات الإنسانية الملحّة في تعز ومناطق أخرى، والعمل على تعزيز الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الحكومة والشركاء المعنيين.