نورلاند: لا أمل في انسحاب السوريين من غرب ليبيا إذا بقي مرتزقة «فاغنر» بشرقها

السفير الأميركي يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يتمنى بقاء السراج «لفترة أطول قليلاً»... ويعتبر أن حفتر وجيشه «يمكن أن يكونا جزءاً من الحل»

السفير ريتشارد نورلاند
السفير ريتشارد نورلاند
TT

نورلاند: لا أمل في انسحاب السوريين من غرب ليبيا إذا بقي مرتزقة «فاغنر» بشرقها

السفير ريتشارد نورلاند
السفير ريتشارد نورلاند

دافع سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، عن سياسة بلاده في هذه البلاد، نافياً دعمه طرفاً على حساب آخر، في رد على اتهامات تتكرر في ليبيا بأنه يدعم تيار الإسلام السياسي ويغض الطرف عن توسيع تركيا نفوذها في هذه البلاد في إطار جهوده لاحتواء النفوذ الروسي.
وقال نورلاند، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، إن الليبيين «سئموا» من الحرب، مشيراً إلى «إجماع متزايد» بينهم على أن حل النزاع يجب أن يكون عبر الحوار السياسي وليس القوة العسكرية. وأشاد بقرار رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» في طرابلس، فائز السراج، التنحي من منصبه، واصفاً ذلك بالخطوة «الشجاعة وغير المسبوقة». لكنه قال إنه «يتمنى» بقاءه لفترة أطول حتى يصبح انتقال السلطة ممكناً.
وتحدث السفير الأميركي عن زيارته الأخيرة لكل من مصر وتركيا حيث قابل مسؤولين، بينهم قادة بارزون في أجهزة الاستخبارات، موضحاً أنه يريد «تشجيع» القاهرة وأنقرة على التشاور مباشرة «كوسيلة لتجنب الحسابات الخاطئة» في ليبيا.
وشرح اقتراح بلاده بخصوص جعل مدينتي سرت والجفرة منزوعتي السلاح، قائلاً إنه يعني «أن تتولى قوات شرطية مشتركة أو أفراد الأمن المدني، على الأرجح، البقاء في تلك المناطق» بعد إخلائها من السلاح، مضيفاً أن بقاء «أي جماعات مسلحة، بما في ذلك مجموعة فاغنر، لن يؤدي إلا إلى تقويض إجراءات بناء الثقة» بين حكومة «الوفاق» و«الجيش الوطني».
وتناول السفير الأميركي قضية انتشار مرتزقة مجموعة فاغنر الروسية في ليبيا، قائلاً إن «ليس هناك شك في أن مجموعة فاغنر تتصرف نيابة عن الحكومة الروسية، وأن أنشطتها تساعد في زعزعة الاستقرار في ليبيا». وتابع أن «أولئك الذين يدعون إلى انسحاب المقاتلين السوريين وغيرهم من غرب ليبيا، على سبيل المثال، لا يمكنهم أن يأملوا في حدوث ذلك طالما استمرت مجموعة فاغنر في تعزيز وجودها في الشرق». ورفض إعطاء موقف من شرعية الاتفاق الذي وقعته حكومة «الوفاق» مع تركيا العام الماضي، قائلاً إن الخلاف بخصوص المياه الإقليمية في المتوسط يجب أن يُحل وفق القانون الدولي ومن خلال حوار بين الأطراف المعنية. لكنه زاد: «ما أفهمه هو أن حكومة الوفاق الوطني فعلت ما كان عليها فعله للنجاة من هجوم الجيش الوطني الليبي».
وفيما يأتي نص المقابلة:
> الأطراف الليبية منخرطة في حوار في المغرب وتونس ومصر وسويسرا وربما في أماكن أخرى. هل أنتم متفائلون بتحقيق تقدم نحو التوصل إلى تسوية؟
- لقد أحرز الليبيون تقدماً نحو تسوية سياسية. وساعدت عدة جولات من المحادثات في جنيف ومونترو، بالإضافة إلى مناقشات مفيدة لبناء الثقة جرت في مصر والمغرب، على تمهيد الطريق لمنتدى الحوار السياسي الليبي القادم (LPDF) بتوجيه من الأمم المتحدة والآن حان الوقت للتركيز على هذه العملية. أعلم أن العديد من الليبيين يرون أن هذا مجرد مؤتمر آخر يتحدث فيه السياسيون، وربما يعتقدون أنه سيفشل كما حدث في المحادثات السابقة. ومع ذلك، هناك العديد من الأشياء المختلفة هذه المرة. بادئ ذي بدء، لقد سئم الناس الحرب: وخلال مشاوراتي العديدة مع القادة الليبيين، لمستُ أن هناك إجماعاً متزايداً على أهمية الحوار السياسي - وليس القوة العسكرية لحل النزاع. وبالمثل، يرغب الليبيون بشكل متزايد في إعادة فرض السيادة الليبية وإخراج القوات الأجنبية المسلحة من البلاد. بالإضافة إلى ذلك، سيكون منتدى الحوار السياسي الليبي النسخة الأولى من المحادثات التي يجب فيها على المشاركين الإعلان عن عدم الترشح للمناصب السياسية في المؤسسات الجديدة التي سيتم إنشاؤها. ومن الجدير بالذكر أيضاً في نفس السياق، أن رئيس الوزراء السراج قد أشار إلى نيته التنحي في نهاية المطاف وتسليم مقاليد الحكم إلى السلطة التنفيذية الجديدة التي سيتم إنشاؤها في إطار منتدى الحوار السياسي الليبي وهذه خطوة شجاعة وغير مسبوقة تميز هذه اللحظة أيضاً عن المحاولات السابقة لإيجاد تسوية سياسية.
> شاركتَ أخيراً في اجتماعات حول ليبيا مع كل من المصريين والأتراك. هل توسطت في «هدنة ليبية» بينهما؟ وماذا تتوقع أن تفعل القاهرة وأنقرة لدفع الليبيين نحو عقد اتفاق؟
- لقد شجعتني مشاوراتي مع كبار المسؤولين في القاهرة وأنقرة في وقت سابق من هذا الشهر وفي أغسطس (آب)، تمشيا مع رغبة الوزير بومبيو في استخدام الأدوات الدبلوماسية الأميركية للمساعدة في تهيئة الظروف التي تؤدي إلى عملية سياسية ناجحة في ليبيا. وتشير المشاورات التي أجريتها إلى أن الولايات المتحدة ومصر وتركيا وشركاء دوليين آخرين يبحثون عن طرق عملية لدعم منتدى الحوار السياسي الليبي. وتساعدنا مثل هذه المشاورات على فهم المصالح المشتركة في إيجاد تسوية سلمية تفاوضية للنزاع بدلاً من تصعيد وزيادة زعزعة استقرار ليبيا والمنطقة. وبناء عليه، أود بالتأكيد أن أشجع مصر وتركيا على التشاور مباشرة مع بعضهما البعض كوسيلة لتجنب الحسابات الخاطئة وبناء التعاون من أجل مصلحتهما المشتركة في أن تكون ليبيا دولة مستقرة وآمنة.
> ما المقصود من اقتراحكم «بنزع السلاح» من مدينتي سرت والجفرة؟ وهل هذا يعني انسحاب مجموعة فاغنر منهما أيضاً؟
- ضمن سياستها المتبعة، دعت الولايات المتحدة باستمرار إلى رحيل جميع القوات الأجنبية بما في ذلك المرتزقة والقوات المتعاقدة من ليبيا. هذه الجماعات المسلحة الأجنبية لم تؤد إلا إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في ليبيا وتصعيد النزاع. فمجموعة فاغنر، وهي شركة تعاقدات مرتبطة بالكرملين، هي من بين تلك الأطراف الفاعلة. وعلى المدى القريب، ما أوصينا به هو إجراء ملموس لبناء الثقة من خلال نزع السلاح من سرت والجفرة، على أن تتولى قوات شرطية مشتركة أو أفراد الأمن المدني، على الأرجح، البقاء في تلك المناطق. ويجب أن يتفاوض الليبيون أنفسهم على التفاصيل الدقيقة لتفعيل هذه الفكرة. وقد تكون هذه خطوة أولى ملموسة تسهل اتخاذ خطوات إضافية نحو خفض التصعيد. إن بقاء أي جماعات مسلحة، بما في ذلك مجموعة فاغنر، لن يؤدي إلا إلى تقويض إجراءات بناء الثقة هذه.
> هل تعتقدون أن هؤلاء المرتزقة الروس لم يكن من الممكن نشرهم دون موافقة من أعلى السلطات في موسكو، أي الكرملين؟
- تعارض الولايات المتحدة أي تواجد عسكري أجنبي في ليبيا بما في ذلك تواجد مجموعة فاغنر. وكما رأيتم، فإن جيشنا، أي أفريكوم، قد فضح علناً الأنشطة العسكرية الروسية والحالات التي جلبت فيها روسيا أسلحة متطورة في انتهاك لحظر الأسلحة. وللأسف، ليس هناك شك في أن مجموعة فاغنر تتصرف نيابة عن الحكومة الروسية، وأن أنشطتها تساعد في زعزعة الاستقرار في ليبيا. أولئك الذين يدعون إلى انسحاب المقاتلين السوريين وغيرهم من غرب ليبيا، على سبيل المثال، لا يمكنهم أن يأملوا في حدوث ذلك طالما استمرت مجموعة فاغنر في تعزيز وجودها في الشرق.
> هل تعتقد أن روسيا تسعى لإقامة قاعدة لها في ليبيا، وماذا يعني ذلك إن كان صحيحاً؟
- أنا لا أدعي أنني أعرف النوايا الروسية، وهذا السؤال يوجه إلى موسكو. ما أعرفه هو أن الليبيين يبحثون عن وجود عسكري أجنبي أقل وليس أكثر في بلدهم. ونحن نشارك هذا التوجه ونرى أن منتدى الحوار السياسي الليبي هو أفضل أداة لمساعدة الليبيين على تحقيق ذلك.
> اشتكت روسيا مؤخراً من أنها عرضت الجلوس والتحدث معكم بشأن ليبيا، لكنكم رفضتم. لماذا؟
- لم أرفض قط إجراء محادثات مع روسيا. الولايات المتحدة لديها اتصالات منتظمة مع روسيا، بما في ذلك بشأن ليبيا. إن الحكومة الروسية على علم جيد بموقفنا من دور فاغنر في ليبيا، ودعمنا لمنتدى الحوار السياسي الليبي. أعتقد أن هناك تياراً داخل روسيا يدعم فعلياً حلاً سياسياً ليبياً ويدرك أن بإمكان روسيا تحقيق مصالحها المشروعة في ليبيا، مثل تعزيز الأعمال التجارية الروسية ومكافحة الإرهاب، من خلال الحوار السياسي. لكن الاستثمار العسكري الروسي في ليبيا يقوض هذا الموقف.
> لقد تعرضتم لانتقادات مستمرة من قبل خصومكم في ليبيا، الذين يزعمون أنكم تميلون أو حتى تدعمون الإخوان المسلمين في غرب ليبيا، وتتجاهلون التدخل العسكري التركي. فما ردكم؟
- نحن لا ندعم أي طرف في الصراع الليبي. من الناحية العملية، لم يكن من المحتمل أن يحدث التدخل العسكري التركي لو لم يُشرك الجيش الوطني الليبي مرتزقة فاغنر في هجومه على طرابلس. والتحدي الآن هو مساعدة جميع الليبيين - شرقاً وغرباً وجنوباً - على تهيئة الظروف لاستعادة سيادتهم وتمهيد الطريق لرحيل جميع القوات الأجنبية المقاتلة. وتنخرط الولايات المتحدة في دبلوماسية نشطة مع جميع الأطراف، وهو ما أطلق عليه البيت الأبيض انخراطاً دبلوماسيا كاملاً وتاماً (بدرجة 360)، من أجل دعم منتدى الحوار السياسي الليبي. إن الديناميكية العسكرية التصعيدية المستمرة محفوفة بخطر سوء التقدير ومستويات جديدة من العنف. ويجب أن يكون واضحاً للجميع أن تجدد الأعمال العدائية في ليبيا لن يُسفر عن منتصر، بل سيجلب المزيد من المجازر والمزيد من النشاط الإجرامي والمزيد من الهجرة غير الشرعية والمزيد من المشاكل للمواطن الليبي العادي - سواء كان ذلك من حيث انخفاض الدخل، أو تدهور الرعاية الصحية وقطاع الكهرباء. كما قلت، نحن نعارض أي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا ولا نتسامح مطلقاً مع الإرهابيين. وستفتح التسوية السياسية في ظل منتدى الحوار السياسي الليبي الطريق أمام رحيل جميع القوات الأجنبية ويمكن أن تسهل حل المشكلات التي تزدهر في ظل حالة عدم الاستقرار التي يفرضها الصراع الليبي.
وبالمثل، سيتعين نزع سلاح الميليشيات أو تسريحها أو دمجها حيثما أمكن في الخدمات العسكرية أو الأمنية النظامية الخاضعة للسيطرة المدنية. وكيف يحدث ذلك بالضبط هو سؤال يقرره الليبيون أنفسهم. وستكون عملية القرار هذه أكثر فاعلية في ظل المؤسسات السياسية الجديدة في ليبيا ذات السيادة بعد تسوية سياسية في ظل منتدى الحوار السياسي الليبي.
> ما هو موقفكم من شرعية المعاهدة التركية مع حكومة الوفاق بخصوص التنقيب عن النفط في البحر المتوسط، وكذلك الاتفاقية الأمنية؟
- لا تتخذ الولايات المتحدة موقفاً بشأن النزاعات البحرية الثنائية التي تنطوي على مطالبات متنافسة على المياه الإقليمية - فهذه مسألة تخص القانون الدولي والمفاوضات بين الأطراف نفسها. ما أفهمه هو أن حكومة الوفاق الوطني فعلت ما كان عليها فعله للنجاة من هجوم الجيش الوطني الليبي.
> هل أوضح لك السيد السراج سبب عرضه الاستقالة نهاية الشهر الجاري؟ هل ما زلت تتوقع منه أن يفعل ذلك قريباً؟
- أريد فقط أن أثني على رئيس الوزراء السراج لإعلانه نيته التنحي. إن قراره التاريخي بالتنحي طواعية يظهر أنه مستعد لوضع مصالح الشعب الليبي فوق مصلحته الشخصية، ويستحق الاحترام. فيما يتعلق بالتوقيت الدقيق، يجب أن أقر بأنه في وقت إعلانه توقعنا أنه سيكون قادراً على تسليم السلطة إلى سلطة تنفيذية جديدة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول). ومع ذلك، وبسبب جائحة فيروس كورونا وغيرها من التعقيدات في تنظيم الحوار، أشارت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى أن التوقيت الحالي لاجتماعات منتدى الحوار السياسي الليبي سيؤخر هذا الأمر إلى نوفمبر (تشرين الثاني). لذلك آمل وأتوقع أن يبقى في منصب رئيس الوزراء لفترة أطول قليلاً، على الأقل حتى يصبح انتقال السلطة هذا ممكناً. وأكرر قولي إنه من الواضح لي أنه ينوي التنحي.
> لمحت في إيجاز صحافي قبل شهور إلى أن البعض في مصر ربما دعموا الجانب الخطأ في ليبيا، في إشارة إلى المشير حفتر. هل لا يزال المصريون متمسكين به، وهل للأميركيين أي اتصال معه الآن؟
- إعلان القاهرة، الذي وسع المشهد السياسي للشرق، ودعم مصر لمنتدى الحوار السياسي الليبي بخطوات مهمة مثل استضافة محادثات الغردقة الأمنية، دليل على أن المصريين يستثمرون في الحل السياسي للصراع الليبي وليس الحل العسكري. لا أريد أن أتحدث نيابة عن المصريين، لكن في مشاوراتي مع كبار المسؤولين أشاروا إلى نهج براغماتي يعترف بأن التصعيد العسكري لا يؤدي إلا إلى زعزعة استقرار ليبيا ومن المحتمل أن يهدد المنطقة بشكل أوسع. وكجارة (لليبيا)، هذا هو عكس ما يريدون رؤيته تماماً. لذلك سأكرر هنا تقديري الحقيقي لخطوات مصر الملموسة في دعم منتدى الحوار السياسي الليبي.
فيما يتعلق بالجزء الثاني من سؤالك، لدينا اتصالات مع المشير حفتر والجيش الوطني الليبي، ونعترف بأنهما يمكن أن يكونا جزءاً من الحل إذا كانا على استعداد لاتباع المسار السياسي الخالص. لقد كانت إشارة جيدة من الجيش الوطني الليبي على أن إنتاج النفط يمكن استئنافه لصالح الليبيين. ونحن نتفهم أن ممثليهم يتخذون مقاربة بناءة في محادثات 5+5 هذا الأسبوع في جنيف. إن تواصلنا مع الجيش الوطني الليبي هو جزء من انخراطنا الدبلوماسي الواسع النطاق مع جميع الأطراف، ولا ينبغي الخلط بينه وبين الانحياز.



الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.


الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.