«الانتفاضة اللبنانية»... وصفات لوقف التشتت وجمع الشمل

«الانتفاضة اللبنانية»... وصفات لوقف التشتت وجمع الشمل

غسان صليبي يرى أن فقدان الثقة يعيق التنسيق في حده الأدنى
الخميس - 6 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 22 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15304]

مع حلول الذكرى الأولى للانتفاضة اللبنانية صدر عن «دار نلسن» في بيروت، كتاب للباحث الاجتماعي والخبير النقابي غسان صليبي، ميزته أنه يسمح بإعادة قراءة هذا الحدث المفصلي، في سياقه الزمني. فالمؤلّف يتكون من مجموعة مقالات تغطي وتتناول بالتحليل التململ الشعبي، والاحتجاجات المعيشية والبيئية في شوارع بيروت بين عامي 2015 و2017. وصولاً إلى الانتفاضة في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019؛ حيث يلحظ القارئ أن هذه المظاهرات الجامعة، لم تنبت من فراغ، وكانت لها مقدماتها وإرهاصاتها الواضحة. وتتواصل المقالات متحدثة عن سقوط حكومة سعد الحريري، والانهيار المالي، وتشكّل حكومة حسان دياب، وما رافق أزمة كورونا من عثرات زادت لبنان انهياراً على انهيار.

المقالات نشرت بين عامي 2017 و2020. لكنها بعد جمعها متسلسلة، تساعد على معاينة الخط الزمني الذي مر به لبنان في السنوات الأربع الأخيرة، وهي التي شهدت التحضير للانهيار الكبير. ويقول الكاتب: «كل ما أتمناه هو أن يجد المنتفضون في كتابي هذا ما يساعدهم على استئناف النضال الذي لن ينتهي قريباً».

الكتاب مقسم إلى 3 أجزاء، جزء سياسي يوصّف ويشرّح العاهات التي بات يعاني منها النظام اللبناني. وآخر اجتماعي يلقي الضوء على اضمحلال العمل النقابي ومشكلات المجتمع المدني، والعدد الأكبر من الصفحات خصصت للانتفاضة، لما لها من أهمية في إحداث تحولات مجتمعية عميقة.

في القسم السياسي، يبحث الكاتب في قضايا كثيرة، منها الدستور والشأن العام، ومدى التبعية السياسية وهامش النزعة إلى الاستقلال، والسياسات الحزبية وتوظيفها للطائفية، ويعرج على قصة زياد عيتاني الذي اتهم بالتعامل مع إسرائيل وسجن، وأثارت قصته غباراً كثيفاً، ثم تمت تبرئته. كذلك قصة منع فرقة «مشروع ليلى» من الغناء في مهرجانات جبيل، كذلك نقرأ عن حراك النفايات والضرائب الذي يمكن اعتباره بداية شرعية للانتفاضة الكبرى.

أما القسم الثاني، الاجتماعي، فيتطرق إلى قضايا الفقر الذي يتفاقم بوتيرة متسارعة، والتعليم الرسمي وسلسلة الرتب والرواتب، ويعالج مشكلة الحوار الاجتماعي، مع تفصيل لواقع الحركة النقابيّة اللبنانيّة ممثّلة بالاتحاد العمّالي العام، الذي فقد مع الزمن ديمقراطيته واستقلاليته وفعاليته.

وعن الانتفاضة، يوجد في الكتاب ما يقارب 40 مقالة، واكب من خلالها التحركات الشعبية في قراءة سوسيولوجية، مع الأخذ بعين الاعتبار أبعادها السياسية والاقتصادية. وهو يعتبر أن الكتاب عبارة عن إعلان «موت عهد وانهيار وطن وولادة انتفاضة لبنانيّة غير مكتملة». يقر الكاتب، وهو الذي شارك في الاحتجاجات، بأن الطريق طويل، لذا يتمنى أن يكون هذا الكتاب مساهمة منه في إعادة تفعيل انتفاضة تبدو بالنسبة له مشتتة ومتعثرة. لذا يرسم خريطة طريق للمحتجين، واقتراح بتحويل التحركات إلى «انتفاضة مستدامة» في الشارع وفي المؤسسات، لأن لبنان وصل إلى حافة خطر قد يؤدي إلى «دفن الكيان في ذكرى مئويته الأولى».

خلال تحركات 2015 - 2017 كان تركيز المحتجين ينصبّ على الانخراط في الترشح للانتخابات النيابية وخرق لوائح السلطة، بهدف وقف الفساد وبناء دولة مدنية. وهي الغايات التي خاض من أجلها المستقلون الانتخابات النيابية عام 2018 وخرجوا بفوز رمزي، لا يحقق أي تغيير فعلي. كتب المؤلف يومها: «إنها السنة التي تمظهر فيها الانحطاط المتراكم عبر السنين؛ الانحطاط الأخلاقي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والوطني. يعلّمنا التاريخ أن سنوات الانحطاط طويلة، وأنها تسير من سيئ إلى أسوأ». وهو ما حصل بالفعل. مع بداية عام 2019 شهدت البلاد تحركات شعبية جديدة، وتوسعت المطالب، وتعددت المجموعات، وشارك الاتحاد العمالي العام بزخم، وبدأت بوادر الانهيار الاقتصادي تصبح أكثر وضوحاً.

في 17 أكتوبر من العام نفسه، انطلقت شرارة الانتفاضة رفضاً للضريبة على «الواتساب» مستهدفة في البدء وزير الاتصالات، إلا أنها تحوّلت بسرعة فائقة إلى معارضة للسلطة السياسيّة بأكملها تحت شعار «كلن يعني كلن». ثم أصبح المطلب الأبرز هو تشكيل حكومة انتقالية من شخصيات مستقلة، وهو ما لا يزال إلى اليوم المطلب الذي يصعب تحقيقه، بسبب التركيبة النيابية التي لا تسمح بذلك.

يرى الكاتب أن إسقاط الجميع كما كان ينادي شعار «كلن يعني كلن» يؤدي إلى خراب. أما تعثر المنتفضين فيعود برأيه، إلى 4 حساسيات على الأقل.

أولاً، عدم الثقة بين الجمعيات التي قادت حراك 2015 وفشلها في التنسيق فيما بينها في حينه. ثانياً، عدم الثقة بين الجيل الشاب الذي يشكل غالبية المنتفضين غير المنظمين، وهذه الجمعيات. ثالثاً، صعوبة تنظيم الكتلة الشبابية الوازنة في إطار يسمح لها بفرض شيء من مطالبها. وأخيراً التنوّع المناطقي والفكري والسياسي داخل الانتفاضة. لذلك فإن المخرج كما يطرحه هو التنسيق المرن الذي يسمح للمجموعات بأن تحتفظ بخصوصيتها، مع الوصول إلى حد أدنى من التوافق. ويقترح الكاتب لهذا الغرض 3 أنواع من التشكيلات؛ تشكيلات مهنيّة، وأخرى مناطقيّة وتشكيلات مركزيّة تنسّق بين الجميع.

من نقاط ضعف الانتفاضة أيضاً، تشتت المطالب وتنوعها. والنصيحة التي يسديها صليبي للمنتفضين هي قصر الأهداف بالشقين الاقتصادي والاجتماعي، وتأجيل المطالب السياسية لأنها خلافية. ويضيف: «عندما ننتصر في هذه المعركة، ونكون قد تنظمنا أكثر، سنكون مستعدين لخوض نضالات ذات انعكاسات سياسية. وإلا تعرّضنا لما تعرّضت له الحراكات السابقة التي شاءت التسرع ورفع السقف السياسي، ما أضاع المطالب الاجتماعية والبيئية».

وتنوعت مطالب المنتفضين بين من يريد نزع سلاح «حزب الله»، وغيرهم يرى أولويته في الضغط على المصارف وعلى مصرف لبنان، بعد حجز أموال المودعين، وبعضها الآخر يستكمل رفع شعار «كلن يعني كلن» من دون ضغط فعلي وموجّه.

في الصفحات الأخيرة يوجه الكاتب كلمة إلى المواطن يقول له فيها: «صفتك الأساسية، في هذه اللحظة التاريخية وامتداداتها عبر الزمن المقبل، هي أنك رهينة على هذه الأرض التي اسمها لبنان. اعرَفْ أنك رهينة، واعترفْ بذلك، أمام نفسك وأمام الآخر. الرهينة هو إنسان مخطوف ومعتقل في انتظار تلقي الخاطف فدية من أجل إطلاق سراحه». لكن صليبي لا يخبرنا بنوعية ولا مقدار الفدية التي يتوجب على المواطن أن يتكبدها. فـ«الانتفاضة»، أو «الثورة» كما يحب أن يطلق عليها المتحمسون لها مسار مفتوح، وطريقها كالسير على درب الجلجلة، وهي رغم كل المشاق التي رافقتها، لا تزال على أعتاب عامها الثاني.


كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة