النظام السوري أمام معادلة حرجة: زراعة التبغ أم القمح؟

بعد الحرائق... صحيفة تقترح استصلاحاً سريعاً لتأمين الخبز

جانب من حرائق غابات اللاذقية التي تم التغلب عليها مؤخراً (إ.ب.أ)
جانب من حرائق غابات اللاذقية التي تم التغلب عليها مؤخراً (إ.ب.أ)
TT

النظام السوري أمام معادلة حرجة: زراعة التبغ أم القمح؟

جانب من حرائق غابات اللاذقية التي تم التغلب عليها مؤخراً (إ.ب.أ)
جانب من حرائق غابات اللاذقية التي تم التغلب عليها مؤخراً (إ.ب.أ)

يبدو النظام السوري في هذه المرحلة أمام معادلة حرجة: أيهما أهم لاقتصاده، التبغ بمردود العملة الصعبة، أم القمح الذي يعد أساس الأمن الغذائي في سوريا؟ ففي وقت تشتد فيه أزمة الخبز في سوريا، وتزداد تعقيدا مع تحديد حصة الفرد من الخبز المدعوم بثلاثة أرغفة ونصف الرغيف، يوميا، يحصل عليه بموجب «البطاقة الذكية»، تتحدث الأنباء عن افتقاد مادة الطحين من الأسواق، فبالإضافة إلى عوامل العقوبات الدولية، لجأت حكومة النظام، خلال السنوات الماضية، إلى تشجيع زراعة التبغ للحصول على القطع الأجنبي عبر التصدير، بدل التركيز على خطة زراعية تسد الحاجة للقمح محافظة على الأمن الغذائي.
بالأمس، وقبل أن يبرد جمر الحرائق في مناطق الساحل، اقترحت صحيفة محلية رسمية على الحكومة، بدمشق، إجراء استصلاح سريع للأراضي المحروقة وزراعتها بالقمح. وقالت صحيفة الثورة الرسمية، إن تلك الأراضي «ذات تربة خصبة وأمطار عالية ويمكن تجهيزها بكلف بسيطة، مع تأمين احتياجات هذه الزراعة من سماد ومحروقات وتشجيع الفلاحين على زراعة القمح».
وبلغت مساحة الأراضي المحروقة في محافظتي طرطوس واللاذقية11 ألفًا و500 هكتار، 60 في المائة منها أراضٍ حرجية، والمساحة المتبقية هي أراض زراعية 4 في المائة منها فقط مزروعة، بحسب تقارير وزارة الزراعة حول الأضرار التي خلفها 156 حريقا التهم أرياف محافظات حمص وطرطوس واللاذقية، تتوزع على49 حريقًا في طرطوس، 12 حريقًا في حمص و95 حريقًا في اللاذقية. وذلك بعد أقل من شهر على اندلاع حرائق مماثلة في منطقة الغاب بريف حماة.
ويحمل النظام السوري مسؤولية أزمة الخبز لواشنطن والدول الغربية، التي «تتفنن في كيفية معاقبة الشعب السوري بإصدار قوانين الحصار»، و«منع مرور سنبلة قمح من حقول جزيرتنا المعطاءة ...... التي تشكل بيدر قمحنا وخزان نفطنا وغازنا»، بحسب تعبير الصحيفة الرسمية، التي اقترحت على وزارة الزراعة أن تكون خطة العام 2021 «استثنائية لوضع استثنائي» من أجل دعم الأمن الغذائي ولأن «الحرب لم تنته». واقترح التقرير، زيادة أراضي زراعة القمح، عبر تخصيص ثلث المساحة المخصصة لزراعة الشعير في محافظات حماة وحمص وحلب ودرعا والسويداء للقمح، أي ما يعادل 200 ألف هكتار.
مصادر متابعة بدمشق قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة التي تواجهها الحكومة بدمشق، هي «عدم توفر القطع الأجنبي اللازم لشراء القمح والنفط، سواء من مناطق الإدارة الذاتية الجزيرة محافظة الحسكة الواقعة ضمن مناطق النفوذ الأميركي، أم عبر الاستيراد». وأكدت أن الحكومة مضطرة إلى «فرض تقنين مجحف على المواد الأساسية التي توفرها بالسعر المدعوم، لأنها تقوم ببيع أكبر حصة من المتوفر لديها للقطاع الخاص بأسعار مضاعفة، وهو ما يفسر توفر المواد الأساسية بالسوق الموازي».
يشار إلى أن تسعيرة ربطة الخبز الحكومي المدعوم، تبلغ 50 ليرة سورية، في حين تباع الربطة ذاتها في السوق السوداء بـ500 ليرة، وربطة الخبز السياحي بـ800 ليرة. الدولار الأميركي يعادل 2300 ليرة.
وقالت مصادر اقتصادية، إن «الحكومة، خلال السنوات الماضية، بدل التركيز على خطة زراعية لسد الاحتياج من القمح للمحافظة على الأمن الغذائي، لجأت إلى تشجيع زراعة التبغ للحصول على القطع الأجنبي عبر التصدير، فضاعفت أسعار شراء التبغ من المزارعين، نوع الاكسترا كان بـ800 ليرة للكغم، أصبح بـ1800 ليرة، إلا أن ذلك لم يمنع المزارعين من بيع الأصناف الممتازة لتجار السوق السوداء من المحسوبين على النظام، حيث تهرب تلك الأصناف خارج البلاد، وما تبقى من أصناف، تشتريه المؤسسة العامة للتبغ الملتزمة بشراء كامل المحصول»، وذلك بالتزامن مع «تحول سوريا إلى منطقة لزراعة الحشيش والمخدرات بعد أن كانت دولة عبور فقط».
ويعد التبغ من أهم المحاصيل الاقتصادية في سوريا، وتقول المعلومات الواردة في موقع المؤسسة العامة للتبغ، إنه «المحصول الزراعي الثالث في سوريا ويعمل في زراعته حوالي ستين ألف مزارع، ويعيش على زراعته وصناعته وتجارته، حوالي تسعين ألف نسمة». وتشير معلومات رسمية، إلى أن زراعة التبغ راحت تمتد خلال السنوات القليلة الماضية، من الساحل نحو منطقة الغاب في ريف حماة وسط سوريا. وبلغت مساحة الأراضي المزروعة بالتبغ، هذا العام، نحو 27 ألف دونم كانت تزرع سابقا بالقمح والشعير.
كما توسعت المساحة في الريف الغربي لمحافظة حمص في مناطق تواجد ميليشيا حزب الله، وقدرت مساحتها العام الجاري بـ4700 دونم كانت تزرع قبل الحرب بأشجار التفاح والمشمش. وبعد التسوية بين قوات النظام والفصائل المعارضة في درعا، عادت زراعة التبغ لتنشط وتتوسع في ريف المحافظة الذي كان ينتج أجود أنواع القمح القاسي، فالدورة الزراعية القصيرة والعائد الاقتصادي الأفضل لزراعة التبغ، وهذا ما وضع النظام السوري أمام معادلة حرجة: التبغ أم القمح الذي يعد أساس الأمن الغذائي في سوريا.
وكانت «الإدارة الذاتية» الكردية في مناطق الجزيرة السورية قد حددت سعر القمح بالدولار الأميركي الثابت، ما أحرج دمشق لناحية تدني السعر الذي عرضته بالليرة السورية، وذلك قبل منع «الإدارة الذاتية» إدخال شحنات القمح إلى المناطق الخاضعة للنظام السوري، بزعم الحفاظ على الاحتياطي من القمح الذي سجل إنتاج نحو 900 ألف طن منه في عام 2019، وفي العام الذي سبقه نحو 350 ألف طن، اشترت دمشق منه 100 ألف طن، أي حوالي 40 في المائة من المحصول. وهذا العام جاء المنع الكردي، بالتوازي مع قانون قيصر، ما حرم مناطق سيطرة النظام من الحصول على حاجتها من القمح.



«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.


​ضربات مكثفة على الحوثيين واشتباه بسمية قذائفهم

الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)
الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)
TT

​ضربات مكثفة على الحوثيين واشتباه بسمية قذائفهم

الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)
الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)

شهدت الساحة اليمنية خلال الساعات الأخيرة تصعيداً عسكرياً واسعاً شمل عدة محافظات ومناطق، بالتزامن مع دخول عملية «فجر اليمن» يومها الرابع والعشرين، وسط استمرار الاعتداءات الحوثية على الأعيان المدنية والسكان المدنيين داخل البلاد وفي السعودية.

وذكرت القوات المسلحة اليمنية، في مستهل هذا اليوم، أنها نفذت 749 عملية استهداف ضد مواقع وتحصينات الجماعة الحوثية خلال 24 ساعة، ما أسفر عن تحييد 239 عنصراً وتدمير 117 آلية عسكرية، بالتزامن مع دخول عملية «فجر اليمن» يومها الـ 24، التي أعلن رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة اليمني، إطلاقها بهدف استعادة وبسط نفوذ الدولة من سيطرة الحوثيين.

ودعت السلطة المحلية في تعز إلى تحقيق عاجل في بلاغات ميدانية، بشأن استخدام الجماعة الحوثية قذائف يُشتبه في احتوائها على مواد سامة محظورة دولياً.

وقالت إن البلاغات تشير إلى وقائع سابقة أُصيب خلالها مدنيون وأفراد من الجيش بحالات اختناق، صاحب بعضها فقدان للوعي، مطالبة بالتحقق من أسباب هذه الأعراض ومدى ارتباطها بالمواد المنبعثة من القذائف المبلغ عنها، مشددة على ضرورة توثيق الحالات والشهادات والتقارير الطبية، وتحديد طبيعة المواد المستخدمة من خلال فحوص فنية متخصصة.

الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)

ودعت الأمم المتحدة والجهات الدولية المعنية إلى دعم التحقيق ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت استخدام مواد محظورة.

وأكّدت السلطات الصحية في المحافظة استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات غرب الشقب بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، ما ألحق أضراراً كبيرة بالسيارة وأخرجها من الخدمة.

وجاء هذا الاستهداف خلال قصف مكثف استهدف القرى في جبل صبر بأسلحة مختلفة وفقاً للسلطات نفسها التي لفتت إلى أن استهداف سابق لسيارة إسعاف أخرى بقذيفة الأسبوع الماضي، إلى جانب نهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات.

استنئاف نشاط الطيران

واتسعت رقعة المواجهات لتشمل محيط مدينة تعز وجبهات لحج وصولاً إلى محوري ذوباب ومضيق باب المندب، وسط ضربات جوية مكثفة للطيران في الساحل الغربي، واستمرار الهجمات الصاروخية الحوثية التي أصابت مطار عدن الدولي مجدداً، فضلاً عن إعلان اعتراض صاروخ باليستي فوق الأراضي السعودية.

للمرة السادسة خلال تصعيدها الأخير تستهدف الجماعة الحوثية مطار عدن بالصواريخ (أ.ف.ب)

واستأنف مطار عدن الدولي، الخميس، نشاطه بعد استكمال أعمال إصلاح مدرجه الذي تعرض لقصف بصواريخ باليستية أطلقتها الجماعة الحوثية، الأربعاء، ما تسبب في تعطيل حركة الملاحة الجوية.

وكشفت مصادر ملاحية أن الفرق الفنية والهندسية المختصة تمكنت من إصلاح الأضرار التي لحقت بالمدرج، وإعادة تأهيله لاستقبال الطائرات، بعد جهود مكثفة.

واستهدفت الجماعة الحوثية مطار عدن بصاروخين باليستيين، الأول في الساعة الواحدة ظهراً بالتوقيت المحلي للمدينة، والثاني عند الساعة الثالثة عصراً.

وزعمت الجماعة، التي طالبت بإخلاء المطار قبل توجيه الضربة، أن هجومها استهدف طائرة شحن عسكرية، في حين أكدت مصادر أمنية في المطار بعدم وقوع أي أضرار بشرية أو مادية، وسط استنكار واسع لإقدام الحوثيين على استهداف مطار مدني، وتبرير استهداف المدنيين الذين جرى تحذيرهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل القصف بوقت قصير، وهذا لا يعفي الجماعة من المسؤولية الجنائية، ويمثل ضغطاً نفسياً وإرهاباً للمدنيين والمسافرين.

الجماعة الحوثية تواصل استهداف سيارات الإسعاف في تعز (أ.ف.ب)

وأدانت وزارة النقل اليمنية تجدد القصف الحوثي على المطار، وتعرضه لهجومين عند الواحدة والثالثة من بعد الظهر، ليرتفع عدد الاعتداءات إلى ستة خلال أيام، محذرة من أن هذه الاستهدافات تهدد حياة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين، وتعرض حركة الملاحة الجوية والجهود الإنسانية والإغاثية لأخطار جسيمة.

وحملت الوزارة الحوثيين المسؤولية الكاملة عن الهجمات، داعية المجتمع الدولي ومنظمة الطيران المدني الدولي إلى التدخل العاجل لحماية المنشآت المدنية وضمان سلامة الطيران.

من جهتها، أعلنت الخطوط الجوية اليمنية تحويل مسار طائراتها المقبلة إلى مطار عدن الدولي نحو مطار جيبوتي، نتيجة القصف الحوثي الذي استهدف المطار، مشيرة إلى أن هذه الظروف خارجة عن إرادتها، وأن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار التزام متطلبات السلامة الجوية والحفاظ على سلامة المسافرين والطواقم والطائرات.

اعتداءات على السعودية

في غضون ذلك اعترض تحالف دعم الشرعية صاروخاً باليستياً أُطلق باتجاه المنطقة الشرقية للسعودية ودمرته.

ألوية العمالقة الجنوبية تواصل عملياتها ضد الحوثيين في جبهة باب المندب (الجيش اليمني)

وقال التحالف إن الدفاعات الجوية السعودية نجحت في اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أُطلق باتجاه المنطقة الشرقية للبلاد، في حين تبنى الحوثيون الهجمات التي ادعوا أنها تستهدف منشآت وقواعد عسكرية، وأقروا بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه الرياض والمنطقة الشرقية ونجران وخميس مشيط.

وبينما أقرّ الحوثيون بتلك الاعتداءات التي شملت إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه الرياض والمنطقة الشرقية ونجران وخميس مشيط؛ ادعوا أنها تستهدف منشآت وقواعد عسكرية.

وامتدت رقعة العمليات العسكرية الميدانية لتشمل محوري مضيق باب المندب ومديرية ذوباب؛ حيث أفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية، في حين قال الحوثيون إنهم استهدفوا القوات الحكومية في تلك المناطق بالصواريخ الباليستية والأسلحة الثقيلة.

وفي جبهة المضاربة والصبيحة شمال غربي محافظة لحج، نفذت قوات العمالقة الجنوبية ضربات استهدفت تجمعات تابعة للجماعة الحوثية، مما أسفر عن خسائر بشرية في صفوفها بالتزامن مع اندلاع اشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة في المنطقة.

الدفاعات الجوية السعودية تتصدى لصواريخ ومسيّرات حوثية جديدة (وزارة الدفاع السعودية)

وتزامنت هذه التحركات الأرضية مع إسناد جوي، حيث شنت المقاتلات الجوية التابعة للتحالف سلسلة من الغارات في محور الساحل الغربي، استهدفت 4 منها مواقع وتحركات حوثية في محيط ميناء ومدينة المخا، بالإضافة إلى غارات مماثلة ضربت تحصينات في جبل النار الواقع شرق المدينة. وأحبطت القوات الحكومية هجوماً استهدف قريتي كحلان وحمة بمديرية المسراخ غرب مدينة تعز، وبموازاة ذلك واصلت الفرق العسكرية عمليات تمشيط للمواقع المستعادة مؤخراً في جبهة الضباب ومحيط جبل هان والمطار القديم.

وجرى تبادل للقصف المدفعي في جبهات الشقب والأقروض وسامع شرق وجنوب المحافظة.


الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.