إرادة قيصر في روح امرأة

معرض هو الأشمل لأرتيمسيا جنتلسكي في «ناشونال غاليري» بلندن

من المعرض
من المعرض
TT

إرادة قيصر في روح امرأة

من المعرض
من المعرض

يحتفي «ناشونال غاليري» في لندن، عقب فترة إغلاقه بسبب الوباء العالمي، بالرسامة أرتيمسيا جنتلسكي، من خلال معرض هو الأكبر من نوعه بعرض لوحاتها من مختلف المتاحف العالمية بترتيب كرونولوجي ممتاز، وعرض ملفات المحكمة التي كابدتها في شبابها المبكر، ورسائلها الشخصية إلى حبيبها. ويستمر المعرض لغاية ربيع العام المقبل.
وأرتيمسيا جنتالسكي المولودة في روما عام 1593 لم تكن أول فنانة إيطالية نالت شهرة فنية في القرن السابع عشر، فقد سبقتها بضع فنانات وجايلتها أخريات مثل صوفنسيبا أنغيشولا وفيدا كاليزيا اللتين اشتهرتا برسم الصور الشخصية ولوحات الحياة الساكنة. ويبدو أن هذين الموضوعين مفضلان لدى فنانات عصر النهضة وما بعدها، لأنه لم يكن يسمح لهن بدخول الأكاديميات الفنية، أو متابعة الدروس الفنية في محترفات الفنانين أو توظيف موديل. لكن كل من يحالفه الحظ ويقف أمام لوحة «جوديث تحز رقبة هولفرنيس»، وهي إحدى الثيمات التي رسمتها أرتيمسيا مراراً، وهي تصوّر لحظة حز رقبة رجل من قبل امرأة، وبمساعدة خادمتها، يدرك أن هذه الفنانة التي تصنف كأبرز ممثلي عصر الباروك قد اختلفت وتميزت فنياً عن أسلوب فنانات عصر النهضة وما بعدها. واللوحة تتناول القصة التوراتية لفتاة يهودية تدعى جوديث تتسلل ليلاً إلى خيمة قائد الجيش الذي يحاصر مدينتها لتقتله وتحمل رأسه إلى قومها. وعندما نقارن هذه اللوحة تحديداً مع لوحة كرافاجيو التي تصور الموضوع ذاته، سنصل لنتيجة أن لوحة أرتيمسيا أكثر دموية وواقعية، وكأنها تصب حنقها وغضبها من خلال بطلتها جوديث على ذلك الرجل الذي تدعس جبهته بقبضة يدها القوية، وتحز عنقه بسيفها، بينما تتطاير نافورات الدم على السرير. الغريب في هذه اللوحة أيضاً أن عيني الرجل الضحية مفتوحتان وهو يعرف تماماً ماذا يحصل له وعلى يد منّ. لكن كيف تسنى لامرأة حبيسة منزلها غالباً رسم مشهد القتل والدماء بكل هذه الواقعية؟ كثيراً ما فُسرت هذه اللوحة، كما بقية لوحات أرتميسيا، كأنها سيرة ذاتية لحياة الفنانة التي واجهت الكثير من المحن والمصاعب، حين عبرت عن حنقها وشعورها بالظلم بالاستعانة بثيمات وقصص دينية من العهد القديم معروفة ومتداولة فنياً، وغالباً كانت النساء بطلات تلك القصص. الرجل الذي يتم حزّ رقبته في تلك اللوحة يأخذ ملامح الفنان الإيطالي أوغستينو تاسي (1578 - 1644) صديق والدها أورازيو جنتلسكي الذي كلفه الأخير بتعليمها فن المنظور، لكن أوغسيتنو سرعان ما استغل ثقة أورازيو، وأغوى واغتصب أرتيمسيا، وهي بعمر السابعة عشرة، واعداً إياها بالزواج. سيكتشف الأب هذه الفعلة الدنيئة ويقيم دعوة قضائية على أوغسيتنو بتهمة النيل من شرف الابنة، وخلال شهور المحاكمة ستبدع أرتيمسيا لوحتها «سوزانا والعجوزان/1610»، وهي لوحة بالحجم الكبير تصور القصة التوراتية لفتاة عفيفة في حمامها بينما يراقبها عجوزان، ويطلبان منها ممارسة الرذيلة، وهي تبادلهم الرفض والاشمئزاز والانزعاج.
حينما وقفتُ أمام لوحة «سوزانا والعجوزان»، وهي القصة التي رسمتها أرتيمسيا مراراً أيضاً، تساءلت كيف يمكن لشابة في السابعة عشرة تعرضت لقهر وإذلال المحاكمة العلنية الطويلة لإثبات صدق ادعائها بالاغتصاب، أن تبدع هذه اللوحة ذات الألوان المدهشة والممسرحة بإتقان وباستخدام أسلوب الـ«Chiarosura» (أسلوب التناقض الحاد بين العتمة والضوء)، لإضافة دراما حركية لونية على شخوص اللوحة.
أرتيمسيا في روما

وصلت أرتيمسيا مع زوجها الفنان بيرانتونيو ستياتيسي، فلورنسا القرن السابع عشر، قبلة الفن والفنانين، وسرعان ما أصابت شهرة وأصبحت فنانة محترفة تعيش من فنها، تعلمت القراءة والكتابة، وقُبلت في أكاديمية فلورنسا الفنية عام 1616 كأول امرأة تقبل في الأكاديمية العريقة، وحظيت برعاية كويزمو دي مديتشي الثاني دوق فلورنسا، رغم التنافس الشديد من قبل الفنانين لنيل الحظوة لدى أسرة الميتدشي المعروفة بحبها للفن والفنانين. في هذه الفترة أبدعت عدداً من لوحاتها الشهيرة منها «جوديث تحز رقبة هولفرنس»، وصور ذاتية تصور نفسها كالقديسة كاترينا الإسكندرانية وأخرى كعازفة عود، والملاحظ أنها بكل لوحاتها تستثمر مكابداتها وقوة شخصيتها من خلال إحلال ملامحها الذاتية على شخصياتها النسائية التوراتية ذات الأذرع القوية، وكثيراً ما ذكرتني هذه الصور الذاتية بالفنان الهولندي رامبرنت. في بلاط كوزيمو الثاني التقت بأشهر علماء وفناني عصرها مثل غاليليو غاليلي والشاعر مايكل أنجلو بوناروتي ابن اخ الفنان مايكل أنجلو، وارتبطت بعلاقة عاطفية مع نبيل فلورنسي يدعى فرانسيسكو مارينغي. لم تخل سنواتها الست في فلورنسا من المصاعب، فقد توفى أربعة من أطفالها الذين أنجبتهم في سنوات متلاحقة، وتعرضت لمصاعب مادية اضطرتها إلى الرجوع لروما، وبيع مقتنياتها في فلورنسا لتسديد ديونها.
حين عادت أرتيمسيا إلى روما عام 1620 كانت قد حازت شهرة واسعة، وكان المقتنون يتسابقون للحصول على لوحاتها، وسرعان ما انخرطت في الحياة الفنية وفي حلقات الفنانين الأوروبيين في روما، ربطتها صداقة مع الفنان الفرنسي سايمون فويت (1590/1649) وهو أبرز ممثلي الكرافاجية (نسبة إلى كارافاجيو)، حيث رسم لها صورة شخصية وهي تحمل لوحة ألوانها وفرشاتها ترسيخاً لصورتها كفنانة، وكذلك هناك تخطيط مذهل ليدها اليمنى وهي تحمل فرشاتها الدقيقة رسمه الفنان الفرنسي بيير دومنستير الثاني لها من تلك الفترة. بينما استمرت أرتميسيا برسم اللوحات الكبيرة التي تصور مشاهد دينية وميثولوجية التي كانت امتحاناً لبراعتها الفنية، واستمرت أيضاً تزيح نساء لوحاتها عن الأنوثة والرقة وجعلهن فاعلات مسيطرات، حيث رسمتهن بواقعية دراماتيكية وبأذرع مفتولة وقوة ممزوجة بعاطفة هشة، كما في لوحة «ياعيل وسيسرا/ 1620». سيموت ابنها كريستيفانو ولم يبلغ الخامسة من عمره في هذه الفترة وسيختفي أي أثر لزوجها أيضاً. وستنتقل إلى البندقية بين الأعوام (1927 - 1630) ربما للبحث عن رعاة أثرياء لفنها، لكنها سرعان ما ستتخذ مدينة نابولي التي كانت تحت السيطرة الإسبانية مستقراً لها لما تبقى من حياتها، ربما بدعوة من دوق المدينة الإسباني الذي كان من هواة فنها، واقتنى ثلاث من لوحاتها قبل وصولها إلى المدينة. سرعان ما سترسم أرتيمسيا أعمالاً فنية لكاتدرائية المدينة، منها لوحة «ولادة القديس يوحنا المعمدان». لكنها ستلتحق بأبيها أورازيو في لندن بدعوة من الملك ريتشارد الأول في عام 1638 ربما لمساعدته في تزيين سقف قصر الملكة هنريتا ماريا في منطقة غرينتش، لكن أورازيو سرعان ما سيموت فجأة، تاركاً ابنته كرسامة في بلاط الملك ريتشارد الأول. وأبرز لوحة من فترة وجودها في لندن هي «صورة ذاتية كأمثولة للفن/ 1638»، التي تصور بها نفسها كرمز فني متماهية مع عملها وتحمل في يديها أدواتها الفنية وقلادة لجمجمة ترمز إلى الفناء تتدلى من عنقها، اللوحة تمثل تحدياً حقيقياً لنبوغ أرتيمسيا الفني، حيث استعملت الفنانة عدة مرايا كي ترسم انعكاس صورتها من زوايا عديدة، وقد لجأت بحذق إلى تقنية التقصير والعتمة المضادة للضوء وغيرها من التقنيات ثلاثية الأبعاد لجعل المشاهد ينجذب لا شعورياً، ويميل بجسمه نحو اللوحة، هذه اللوحة لا تزال ضمن المقتنيات الفنية للعائلة الملكية البريطانية.
عادت أرتيمسيا إلى نابولي بعد اندلاع الحرب الأهلية في بريطانيا عام 1642، ولا يعرف تاريخ موتها، لكن آخر لوحة رسمتها (سوزانا والعجوزان) تعود لعام 1652 وهناك أعمال فنية لها لا تزال ضائعة، مثل لوحة «ديفيد مع رأس غولياث» التي تم إعادة اكتشافها في لندن عام 2020، والتي ربما تكون أرتيمسيا قد رسمتها لمقتن إنجليزي خلال فترة إقامتها في لندن.



احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
TT

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي، حيث شاركت الفنانة المصرية في إعلان ترويجي رمضاني لإحدى شركات الاتصالات بمصر، وتصدر اسمها «التريند» على موقع «غوغل» الخميس، عقب نشر الإعلان على حسابات الشركة الرسمية، وعرضه على عدد من القنوات التلفزيونية.

وشارك مع عبلة كامل في الإعلان الرمضاني «يا واحشني»، الذي حقق نسبة مشاهدة عالية على المنصات «السوشيالية» المختلفة، عدد كبير من الفنانين من بينهم، منة شلبي، وياسمين عبد العزيز، ومحمد منير، محمد ممدوح، وأمير عيد، ومصطفى غريب.

وأشاد الناس في تعليقات ومشاركات بمواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان ونجومه، وظهور عبلة كامل بالإطلالة التي اعتادوا عليها بأعمالها الفنية، وحرصها على عدم استخدام مستحضرات التجميل بشكل مبالغ فيه، كما وصفوا اللقطات التي جمعتها بالفنانتين ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي، بأنها كانت مليئة بالحب والحنان والأمومة.

وأثار الإعلان ردود فعل إيجابية رحبت بعودة عبلة كامل للساحة بعد غياب لسنوات، كما استعاد البعض مشاهد من أعمال فنية شهدت على مشاركة ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي مع عبلة كامل في بدايتهن الفنية، حيث جمع مسلسل «امرأة من زمن الحب»، بينها وبين ياسمين عبد العزيز قبل 28 عاماً، فيما جمعها مسلسل «أين قلبي»، مع منة شلبي قبل 24 عاماً.

واحتفى أيضاً عدد من الفنانين والإعلاميين في مصر بعودة عبلة كامل، وذلك عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم ريهام عبد الغفور، وحسن الرداد، ورامي رضوان، وفاء عامر، وغيرهم.

وكسرت عبلة كامل ابتعادها التام عن الأضواء برسالة صوتية تمت إذاعتها عبر برنامج الإعلامية لميس الحديدي قبل أكثر من شهرين، وقدمت الشكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب قراره بعلاج كبار الفنانين على نفقة الدولة، واصفة القرار بأنه «لفتة كريمة وحنونة».

وأعلنت عبلة كامل حينها، عن خضوعها لعمليات جراحية على نفقتها الخاصة، كما عاتبت من انتقدوا قرار علاجها على نفقة الدولة.

وعن رأيه في الاحتفاء الجماهيري بعودة عبلة كامل للأضواء بعد غياب طويل، أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، «أن الناس تنتظر ظهور عبلة كامل بفارغ الصبر منذ ابتعادها عن الساحة الفنية، وخصوصاً بعد تأكيدها أخيراً مرورها بأزمة صحية».

قريبة من الجمهور

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن عبلة كامل فنانة قريبة من الناس لذلك فأي ظهور أو خبر عنها يخطف اهتمامهم، مؤكداً أن «الإعلان الترويجي الذي ظهرت فيه وبرغم تكرار فكرته هو الأهم والأضخم والأبرز في موسم رمضان، بل وفي تاريخ الإعلانات المصرية».

وأشاد النجار بفكرة اجتماع عدد كبير من النجوم من أجيال مختلفة بالإعلان، مؤكداً أن «تحقيق الإعلان لمشاهدات مليونية خلال ساعات أمر لم يحدث في أي مصنف فني، وأن وجود عبلة كامل هو السبب في هذا النجاح البارز».

عبلة كامل في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

وبرغم تصدر الإعلان، ورغبة الناس في عودة عبلة كامل للتمثيل، فإن الناقد الفني يستبعد عودتها للفن بعد ظهورها لثوانٍ معدودة وهي جالسة ولم تتحرك مطلقاً، موضحاً أن «التمثيل يحتاج لمجهود، ومن الصعب الاستمرار إذا كانت حالتها الصحية لا تسمح».

بدأت عبلة كامل مسيرتها الفنية في ثمانينات القرن الماضي، وقدمت شخصيات فنية بارزة تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي، من بينها مسلسلات «ليالي الحلمية»، و«ضمير أبلة حكمت»، و«المال والبنون»، و«أبناء ولكن»، و«لن أعيش في جلباب أبي»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«امرأة من زمن الحب»، و«حديث الصباح والمساء»، و«أين قلبي»، و«عيش أيامك»، و«ريا وسكينة»، و«العندليب».

وشاركت في أفلام، «سيداتي آنساتي»، و«الستات»، و«مرسيدس»، و«سواق الهانم»، و«قشر البندق»، و«اللمبي»، و«اللي بالي بالك»، و«خالتي فرنسا»، و«سيد العاطفي»، و«عودة الندلة»، و«بلطية العايمة»، بينما شهد الجزء الـ5 من مسلسل «سلسال الدم»، قبل 8 سنوات على آخر ظهور فني لها، وعقب ذلك فضّلت عبلة كامل الابتعاد عن الأضواء، ورفض الظهور في أي مهرجانات فنية، برغم عدم إعلانها اعتزال الفن نهائياً.


 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
TT

 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

في ليلة الرؤية، تتعلّق أعين المصريين بالسماء، وقلوبهم تترقب الخبر الذي سيخرج من «مرصد حلوان»، يقفون على تخوم عبارتين؛ «تم رصد الهلال» أو «تعذّرت رؤيته»، فبين الجملتين تتحدد ملامح الغد، فتبدأ بشائر رمضان أو يُرجأ انتظاره يوماً آخر، غير أن قصة هذا المرصد تمتد جذورها إلى ما هو أوسع من هذا الطقس الموسمي الذي يتكرر كل عام.

تعود بدايات الرصد الفلكي المؤسسي في مصر إلى عام 1839 - 1840، حين أُنشئت «الرصدخانة» في بولاق بأمر من محمد علي باشا، وتطورت لاحقاً في عهد الخديوي إسماعيل، ثم نُقلت إلى العباسية بسبب مشروعات السكك الحديدية وتأثير الاهتزازات على دقة الرصد، ومع اتساع العمران وزيادة التلوث الضوئي، اتُّخذ القرار بإنشاء مرصد جديد في حلوان (جنوب القاهرة) عام 1903، بعيداً عن صخب المدينة، ليبدأ ما يُعرف اليوم بمرصد حلوان، الذي حمل آنذاك اسم «المرصد الملكي».

صورة أرشيفية توثق عملية رصد فلكي في مرصد حلوان خلال الحقبة الملكية (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

حسب الدكتور أشرف شاكر، أستاذ ورئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فإن مرصد حلوان «ليس مجرد موقع أثري علمي، بل نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث في المنطقة»، مؤكداً أنه «قيمته لا تكمن في قدمه فقط، بل في إسهامه الفعلي في إنتاج معرفة فلكية مبكرة سبقت كثيراً من التصنيفات العالمية».

ويضيف شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن «نقل المرصد إلى حلوان مطلع القرن العشرين جاء استجابة لاعتبارات علمية دقيقة؛ فالموقع المرتفع وهواء حلوان النقي آنذاك جعلاه مثالياً للرصد، وبعد انتقاله، أصبح وجهة لعدد من العلماء الأجانب، وشارك في أرصاد دولية مهمة، منها مهام مرتبطة برصد أجرام سماوية بعيدة ضمن مشروعات تعاون دولي في بدايات القرن العشرين، وهي أرصاد وضعت اسم حلوان مبكراً على خريطة البحث الفلكي العالمي».

ويحتفظ مرصد حلوان في ذاكرته، بالتلسكوب التاريخي الذي أهداه له الفلكي البريطاني جون هنري رينولدز، بقطر 30 بوصة، الذي كان الأكبر في أفريقيا والعالم العربي آنذاك، ما مكّن العلماء من تصوير أجرام سماوية بعيدة لم تكن تُرى بوضوح من قبل، وأسهم في أبحاث فتحت آفاقاً جديدة لفهم الكون في ذلك الوقت.

معمل أبحاث الشمس بمرصد حلوان (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ويؤكد شاكر أن «أرشيف المرصد موثّق دولياً، ومحفوظ في سجلات علمية عالمية، ومُدرج ضمن أرشيفات بحثية كبرى».

أما عن دور المرصد في عملية تحرّي الهلال، فيلفت رئيس قسم الفلك إلى أن «هذا الدور لا يتم بمعزل عن الإطار الشرعي الذي يتولاه المصريون منذ عقود، موضحاً أن المعهد القومي للبحوث الفلكية الذي ينتمي إليه المرصد، يعمل بتنسيق مباشر مع دار الإفتاء المصرية ولجان علمية وشرعية معتمدة لتحديد بداية الأشهر الهجرية، في كل ليلة رؤية، تُرسل نتائج الرصد الفلكي إلى هذه اللجان التي تضم علماء دين وعلماء فلك معاً، ليُرفع بعدها تقرير موثق إلى مفتي الجمهورية لإعلان الموعد الرسمي لبداية شهر رمضان أو غيره من الشهور».

جانب من مرصد حلوان التاريخي (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ولا يقتصر دور المرصد، حسب شاكر، على الحسابات المرتبطة برؤية الهلال، بل يمتد إلى تطبيقات عملية في الاتصالات، وتتبع المواقع، والملاحة، وتتبع الأقمار الاصطناعية، وحسابات التوقيت.

ويحتضن مبنى مرصد حلوان، متحفاً يوثّق تاريخ أدوات الرصد، والخرائط، وسجلات علمية تعود لأكثر من قرن، من بينها أرصاد مبكرة لمذنب هالي عام 1909، ووثائق كثيرة توثّق ظواهر فلكية كبرى، وهو ما يضيف للمرصد مكانة بحثية علمية، وذاكرة معرفية واسعة.


التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
TT

التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)

أظهرت دراسة أميركية أن الأطفال الذين يتعرّضون للتنمّر يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسمنة، ضمن إطار ما يُعرف بـ«التجارب السلبية في الطفولة» التي تشمل أيضاً الطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والإهمال.

وأوضح الباحثون من جامعة جورجيا أن هذه التجارب ليست مجرّد عوامل نفسية، إذ تؤثّر بيولوجياً وصحياً على الأطفال، خصوصاً بما يتعلّق بزيادة خطر السمنة. ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «جاما نتوورك أوبن».

وتُعدّ السمنة لدى الأطفال مشكلة صحية متزايدة على مستوى العالم، تؤثّر على النمو البدني والصحة النفسية على السواء. وتنشأ عادة عن توازن سلبي بين السعرات الحرارية المستهلكة ومستوى النشاط البدني، إضافة إلى عوامل بيئية وغذائية ونمط الحياة. وقد تؤدّي السمنة في الطفولة إلى مضاعفات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات القلب، كما يمكن أن تؤثّر على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

وخلال الدراسة، حلَّل الفريق بيانات أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ضمن دراسة التطوّر المعرفي للأطفال والمراهقين، وهي أكبر دراسة طويلة الأمد حول صحة الأطفال وتطوّر الدماغ.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار تجربتين سلبيتين تقريباً، بما في ذلك التنمُّر، ترتبط بارتفاع مؤشّر كتلة الجسم بنحو نصف نقطة. وأكد الباحثون أن التجارب السلبية في الطفولة، مثل التعرُّض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والتنمُّر، قد تزيد من خطر السمنة، من خلال تأثيرها البيولوجي والهرموني في الجسم، ما يزيد من احتمالية اكتساب الوزن.

وأضاف الفريق أن هناك عدداً من العوامل التي تؤثّر في زيادة وزن الطفل، لكن الدراسة تُظهر أن الضغوط والتجارب الصادمة يمكن أن تعزز هذا الخطر، خصوصاً خلال مرحلة المراهقة الحرجة.

بيئة داعمة

وفي المقابل، وجد الباحثون أن وجود بيئة داعمة يمكن أن يُخفف من التأثيرات الصحية لهذه التجارب؛ إذ إن الأطفال الذين يمتلكون مهارات مواجهة صحية أو لديهم شخص بالغ داعم في حياتهم أظهروا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى عند تعرّضهم لمستويات عالية من التجارب السلبية.

وأشار الفريق إلى أن الشخص الداعم قد لا يكون الوالد أو مقدّم الرعاية بالضرورة، فقد يكون معلِّماً أو مدرِّباً أو أي شخص مستقرّ وداعم في حياة الطفل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية الدعم الاجتماعي وتنمية المهارات الذاتية وسيلةً فعّالةً لتخفيف الآثار السلبية للتجارب الصادمة على الوزن والصحة العامة.

كما تُشير إلى ضرورة فحص التجارب السلبية ضمن الفحوص الطبية الروتينية للأطفال، ما يتيح التدخُّل المبكر وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل، ويساعد في توجيه السياسات الصحية والتربوية لدعم الأطفال الأكثر عرضة لهذه التجارب.