سياسات إردوغان تعمّق جراح الاقتصاد التركي وسط تذمر المصدّرين والمعارضة

دعوات المقاطعة الشعبية ورفض الاتفاقيات امتدت من السعودية إلى تونس والمغرب والأردن

أدى تصعيد سياسات التدخل ومحاولات التمدد في كثير من الدول إلى رفض شعبي واسع لتركيا وسط معاناتها اقتصادياً (رويترز)
أدى تصعيد سياسات التدخل ومحاولات التمدد في كثير من الدول إلى رفض شعبي واسع لتركيا وسط معاناتها اقتصادياً (رويترز)
TT

سياسات إردوغان تعمّق جراح الاقتصاد التركي وسط تذمر المصدّرين والمعارضة

أدى تصعيد سياسات التدخل ومحاولات التمدد في كثير من الدول إلى رفض شعبي واسع لتركيا وسط معاناتها اقتصادياً (رويترز)
أدى تصعيد سياسات التدخل ومحاولات التمدد في كثير من الدول إلى رفض شعبي واسع لتركيا وسط معاناتها اقتصادياً (رويترز)

دفعت سياسات الحكومة التركية برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، والتدخل في شؤون العديد من الدول في منطقة الشرق الأوسط، إلى وضع تركيا في موقف حرج في الفترة التي يعاني اقتصادها اختلالات عديدة؛ أبرزها انهيار الليرة التركية أمام العملات الأجنبية على مدى عامين، وعدم قدرة الحكومة على كبح هذا الانهيار، ما أثر على الاحتياطي النقدي وأسهم في مزيد من عجز الميزانية، فضلاً عن فرار المستثمرين الأجانب والمحليين إلى مناطق أكثر أمناً.
وأدى تصعيد سياسات التدخل ومحاولات التمدد في العديد من الدول إلى رفض شعبي واسع لتركيا، التي كانت من قبل نموذجاً مرحباً به ونجحت في تطوير علاقاتها مع مختلف الدول، قبل أن تسعى إلى توظيف الاضطرابات التي شهدتها المنطقة في عام 2011 في تكريس هيمنتها على دول تعتقد أن من حقها الوجود فيها، لاستعادة الحقبة العثمانية وتنصيب نفسها قائداً للمنطقة على الرغم من رفض المعارضة التركية ذاتها لهذا النهج، الذي أكدت أنه ألحق كثيراً من الضرر بتركيا وصورتها في العالم، فضلاً عن الخسائر الضخمة التي تكبدها اقتصادها نتيجة لذلك.
وشهد كثير من الدول العربية في الفترة الأخيرة دعوات شعبية لمقاطعة البضائع والمنتجات التركية ووقف استيرادها بسبب الخطاب العدائي للرئيس إردوغان وأعضاء حكومته تجاهها، ومن أبرزها السعودية التي شهدت خلال الأشهر الأخيرة حملة شعبية وصلت إلى ذروتها في الأسابيع الأخيرة، بسبب رفض المواطنين الحملة الممنهجة على بلادهم، سواء في التصريحات الرسمية أو من جانب الإعلام التركي الرسمي أو الموالي للحكومة.
وتصاعدت دعوات المقاطعة أيضاً في دول كانت تحاول حكومة إردوغان اتخاذها مرتكزاً لسياساتها في المنطقة، مثل تونس التي ربطتها بها علاقة قوية مع حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي، والتي شهدت دعوات شعبية، فضلاً عن ضغوط من البرلمان لوقف اتفاقيات مع تركيا بسبب إلحاقها الضرر ببلادهم.
كذلك فعلت الحكومة العراقية التي قررت اللجوء إلى سلاح الضغط الاقتصادي للرد على التدخل التركي العسكري في شمال البلاد، فضلاً عن عدم مرونة تركيا فيما يتعلق بملف المياه، وصولاً إلى دعوات في المغرب بإلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا و«تمزيقها»، بعد أن سبق ذلك خطوة مماثلة مع الأردن التي ألغت اتفاقيتها مع تركيا بسبب الأضرار التي لحقت بالاقتصاد.
- دعوات سعودية أخيراً
بالتزامن مع الحملة الشعبية في السعودية لمقاطعة البضائع التركية، دعا عجلان العجلان، رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية، قبل أيام قليلة، إلى عدم التعامل مع تركيا اقتصادياً، بسبب استمرار «إساءتها» للقيادة السعودية. وكتب عبر «تويتر» أنه «‏لا استثمار و‏لا استيراد و‏لا سياحة...‏ نحن كمواطنين ورجال أعمال لن يكون لنا أي تعامل مع كل ما هو تركي، حتى الشركات التركية العاملة بالسعودية أدعو إلى عدم التعامل معها، وهذا أقل رد لنا ضد استمرار العداء والإساءة التركية إلى قيادتنا وبلدنا».
وكانت سلاسل التجزئة الكبرى في السعودية، شرعت في حملة لمقاطعة المنتج التركي مؤخراً، حيث أعلنت سلسلة أسواق التميمي انضمامها بالقول: «تزامناً مع الأوضاع الراهنة، نعلن إيقاف عمليات الاستيراد من تركيا بما في ذلك عمليات الشراء المحلية للبضائع التركية»، مشيراً إلى أن «البضائع المتوفرة لديها حالياً بمخازن الأسواق سيتم بيعها حتى نفاد الكمية».
وقبلها بيومين، أوضحت شركة أسواق عبد الله العثيم - واسعة الانتشار في المملكة - أنها ستوقف استيراد جميع المنتجات التركية من دولة تركيا وإيقاف توريدها من الموردين المحليين والعمل على سرعة التخلص من مخزون هذه المنتجات في جميع الفروع والمستودعات التابعة لها.
وأوردت أسواق العثيم أن هذا القرار «جاء تضامناً مع الحملة الشعبية للمقاطعة إيماناً بواجبها الوطني ورداً على ما تقوم به الحكومة التركية من ممارسات تجاه الوطن».
وتواصلت الدعوات لمقاطعة المنتجات التركية على مواقع التواصل الاجتماعي، رداً على سياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. وتفاعل آلاف النشطاء العرب على صفحات التواصل الاجتماعي مع هاشتاغ «قاطعوا المنتجات التركية».
وأكدت شركات تركية كثيرة أنها تضررت جراء هذه الحملة الشعبية التي تستهدف وقف شراء منتجاتها في السعودية، وطالبت الحكومة باتخاذ خطوات لتخفيف التوتر مع السعودية من أجل مواصلة عملهم كما كان في السابق، لا سيما أنهم لم يصادفوا مشاكل من قبل كالتي يصادفونها الآن نتيجة انعكاس الوقف السياسي لبلادهم على عملهم.
- سياسات إردوغان وإفلاس المصدرين الأتراك
حذر رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية، نائل أولوباك، في تصريح، الأسبوع الماضي، من خطورة دعوات المقاطعة على مئات المصدرين الأتراك.
وقال أحد المصدرين من غازي عنتاب (جنوب شرقي تركيا)، يعمل في منطقة الخليج العربي منذ 30 عاماً، إن الطلبات على المنتجات التركية في السعودية باتت شبه متوقفة بسبب دعوات المقاطعة.
وحذر النائب التركي عن حزب الشعب الجمهوري بمدينة هطاي (جنوب)، محمد جوزال منصور، من أن تؤدي سياسات الرئيس رجب طيب إردوغان، إلى إفلاس المصدرين الأتراك، متهماً الحكومة بعدم الاهتمام بقضايا المصدرين، في ظل ما تواجهه البلاد من أزمات، في مقدمتها الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي ازدادت سوءاً بعد تفشي وباء كورونا. وأكد أن بلاده ليست لديها القدرة على أن تتحمل مزيداً من الخسارة في الوقت الراهن، سواء علاقاتها التجارية مع السعودية أو غيرها من دول الشرق الأوسط.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية العام الماضي 5.1 مليار دولار، بحسب أرقام وزارة التجارة التركية، التي أشارت إلى ارتفاع حجم التبادل في عام 2019، مقارنة مع عام 2018، الذي هبط فيه إلى حدود 4.8 مليار دولار.
وأشارت الوزارة إلى أن الصادرات التركية إلى السعودية بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) من العام الجاري بلغت 1.9 مليار دولار، بانخفاض 400 مليون دولار عن الفترة ذاتها من العام الماضي، التي بلغت فيها الصادرات التركية إلى السعودية 2.3 مليار دولار.
كما بلغت الصادرات السعودية إلى تركيا في الفترة نفسها 1.1 مليار دولار، بعد أن كانت 1.44 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض بلغ أيضاً 350 مليون دولار.
ويعد الأثاث المنزلي أحد المنتجات الأكثر تصديراً من تركيا إلى السعودية، كما أن احتياجات الفنادق تتم تلبيتها من تركيا، وتشكل الفواكه الطازجة والخضراوات والمواد الغذائية والمنسوجات أيضاً صادرات مهمة من تركيا إلى السعودية.
- انتقادات محلية لسياسات إردوغان
انتقدت صحيفة «جمهوريت» التركية سياسة إردوغان تجاه السعودية ودول المنطقة، مشيرة إلى أنها أدت إلى تضرر مئات الشركات التركية التي تعمل في مجال تصدير البضائع إلى السعودية، على مدى ما يقرب من عامين، لافتة إلى أن السعودية تأتي في المرتبة 15 بين الدول التي تتجه إليها المنتجات التركية.
وقالت الصحيفة المعارضة إن الموقف التركي من الأزمة مع قطر، والعمليات العسكرية التركية في سوريا، وقضية خاشقجي، أدت إلى تصاعد التوتر بين البلدين في الآونة الأخيرة.
ولم تتوقف آثار سياسات حكومة إردوغان عند الإضرار بحركة التجارة مع السعودية، فحسب، فقد ألغى العراق، الخميس، عقداً وقعه مع مجموعة بقيادة مؤسسة البترول التركية لتطوير حقل المنصورية الغازي قرب الحدود الإيرانية، بعد أن أوقفت الشركة التركية أعمالها منذ عام 2014 بذريعة عدم توافر الأمن. لكن العلاقات تشهد توتراً في الفترة الأخيرة بسبب العمليات العسكرية التركية في شمال البلاد، وكذلك أزمة المياه الناجمة عن تشغيل سد إليسو التركي على نهر دجلة.
وفي عام 2019، ألغى الأردن اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع تركيا، بسبب التحديات التي تواجه قطاع الصناعة، جراء إغلاق المنافذ الحدودية مع الدول المجاورة وانحسار الأسواق التصديرية التقليدية أمام الصادرات الوطنية.
ولم تحقق اتفاقية الشراكة الأردنية - التركية منذ دخولها حيز النفاذ في 2011 النتائج المرجوة، وأسهمت في ارتفاع العجز في الميزان التجاري لمصلحة الجانب التركي، مع عدم قيام الأخير بإحداث فرق يذكر في حجم التدفقات الاستثمارية التركية للأردن.
- تونس على الخط
أثار مشروعان لاتفاقيتين تجاريتين مع تركيا وقطر، جدلاً شعبياً واسعاً في تونس، دفع البرلمان إلى تأجيل التصويت عليهما، صاحبته اتهامات من نواب لرئيس البرلمان راشد الغنوشي باستغلال سلطته، لتمكين الدولتين من مزيد من التغلغل وإحكام القبضة على الاقتصاد التونسي، في إطار أجندة سياسية مرتبطة بمشروع تنظيم الإخوان المسلمين في تونس.
وحذر الاتحاد التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية بالبلاد في بيان، من «استغلال الظرف (في إشارة إلى تفشي كورونا) لتمرير مشاريع واتفاقيات خارجية معادية لمصالح تونس وترتهن مستقبل الأجيال لصالح اصطفافات وأحلاف أجنبية»، مؤكداً أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستواجه بالرفض الشعبي والتصدي المدني و«لن يتأخر الاتحاد عن خوض النضالات الضرورية لإسقاطها».
وتداولت وسائل إعلام مغربية مؤخراً تصريحات منسوبة إلى وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الرقمي مولاي حفيظ العلمي، بشأن استعداد المغرب لإعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، لافتاً في رده على أسئلة النواب بالبرلمان إلى أنه قال للجانب التركي: «إما نتفق على تعديل الاتفاقية أو سنقوم بتمزيقها».
وحذرت المنظمة الديمقراطية للشغل من انعكاسات اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا المتمثلة في إغراق السوق الوطنية بالمنتجات التركية، ما أدى إلى إعلان عدد من شركات الغزل والنسيج والوحدات الصناعية التي تشغل أيادي عاملة كبيرة من النساء والأسر الفقيرة إفلاسها الاقتصادي والتسريح الجماعي للعمال، إضافة إلى «إغلاق ما يزيد على 30 ألفاً من محلات بيع المواد الغذائية، وضياع عشرات الآلاف من الوظائف». وأشارت الأرقام الرسمية الخاصة بالمقاولات والتجارة الداخلية إلى فقد 19 ألف وظيفة عام 2014، و24 ألفاً عام 2015، و35 ألفاً عام 2016، و44 ألفاً عام 2017. وبلغت خسائر الاقتصاد المغربي من الاتفاقية أكثر من ملياري دولار، بحسب العلمي.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.