باريس وبرلين تنددان بـ«استفزازات» أنقرة

باريس وبرلين تنددان بـ«استفزازات» أنقرة

الباحث الفرنسي ديديه بيون لـ«الشرق الأوسط»: إردوغان يسعى لتعزيز موقفه قبل المفاوضات مع اليونان
الجمعة - 29 صفر 1442 هـ - 16 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15298]
ماكرون في القمة الأوروبية أمس (أ.ب)

استبق وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا تناول القادة الأوروبيين المجتمعين في بروكسل اليوم ملف التحركات التركية الأخيرة في مياه المتوسط الشرقي بتصريحات متشددة ما يؤشر لاحتمال صدور موقف أوروبي جماعي متقدم على الموقف الأخير الذي عبروا عنه عقب اجتماعهم السابق بداية الشهر الجاري، حيث منحوا أنقرة مهلة ثلاثة أشهر من أجل التوقف عن استفزازاتها تجاه اليونان وقبرص وخفض التوتر. أما إن لم يتحقق هذا المطلب، فقد توافقوا على فرض عقوبات اقتصادية وتجارية بحقها. والحال أن التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، عقب اجتماع ثلاثي مع نظيريه الفرنسي والبولندي، يدل على أن الأوروبيين أخذوا يفقدون صبرهم، إذ أشار ماس إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يعطي تركيا «مهلة لمدة أسبوع» للنظر فيما إذا كانت تركيا ستغير تصرفها و«بعدها سيقرر الاتحاد الأوروبي الموقف الذي سيتبناه إزاءها». ووصف الوزير الألماني الذي سعت بلاده ممثلة بالمستشارة أنجيلا ميركيل إلى القيام بوساطة بين أنقرة وأثينا ونجحت في مرحلة أولى في خفض التوتر، وإعادة إرسال تركيا لسفينة المسح الجيولوجي «أوروتش رئيس» يوم الاثنين الماضي إلى المياه اليونانية المحيطة بجزيرة كاستيلوروزو بأنه «استفزاز جديد لا يمكن القبول به». ومن جانبه، قال وزير الخارجية الفرنسية: «علينا أن نعتبر أن الاستفزازات التركية ما زالت متواصلة ومن الصعب تحملها ونأمل حقيقة أن توضح تركيا مواقفها وأن تعود إلى مبدأ الحوار». واعتبر جان إيف لودريان أن «الكرة في الملعب التركي». إلا أنه أضاف «نحن مستعدون للدخول في عملية لي ذراع في حال مواصلة الاستفزازت الجديدة من قبل تركيا حتى لو كان هدفنا المشترك إقامة حوار حقيقي مع تركيا». يبدو أن الطرف الأوروبي أخذ يفقد صبره إزاء ما سمته مصادر رئاسية فرنسية «تكتيكات تركية» لجهة سحب سفينة المسح الجيولوجي قبل القمة السابقة وإعادتها بداية الأسبوع المنتهي. ويرى هذا الطرف أن الرئيس التركي يضرب عرض الحائط بالعرض المغري الذي قدمه إليه الأوروبيون وتضمن حوافز رئيسية تجارية واقتصادية وتحديث الاتحاد الجمركي والتعاون في ملف الهجرات «ما يعني تقديم مزيد من الأموال لتركيا» إضافة إلى الدعوة إلى مؤتمر متوسطي - أوروبي يتناول مسائل الطاقة والهجرات وغيرها من المسائل وذلك كله مقابل خفض التصعيد ووضع حد للاستفزازات.

وفي هذا السياق، تتسم تصريحات الوزير الألماني المتشددة وإلغاء الزيارة التي كان من المفترض أن يقوم بها لأنقرة أمس، بأهمية خاصة إذا ربطت بمعارضة ميركل ورفضها المباشرة بفرض عقوبات على تركيا وإصرارها على عدم إضاعة فرصة الوساطة التي تقوم بها. من هنا، فإن تقصير المهلة الأوروبية من ثلاثة أشهر إلى أسبوع يعكس رغبة أوروبية بالضغط على إردوغان خصوصا أن الجانب الأوروبي لا يجد عذرا للتصعيد التركي الأخير خصوصا بعد التوافق مع أثينا على استئناف الحوار والتفاهم، برعاية الحلف الأطلسي، على تلافي الصدام العسكري في مياه المتوسط. وبذلك تكون ألمانيا قد تقاربت كثيرا من المواقف الفرنسية إزاء تركيا. وليس سرا أن باريس هي الأكثر تصلبا في التعاطي مع أنقرة والأكثر انتقادا لأدائها أكان في سوريا والعراق وليبيا أو في المتوسط الشرقي وأخيرا في قره باغ. ودعت باريس منذ شهور، بالتعاون مع أثينا ونيقوسيا إلى السير بعقوبات ضد تركيا كما حفزت الحلف الأطلسي إلى أن «يفتح عينيه ليرى إلى أين تقوده المغامرات التركية».

يقول الباحث والأكاديمي الفرنسي ديديه بيون، نائب مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية والمتخصص بالشؤون التركية إن ما يريده إردوغان من خلال التصعيد هو «الوصول إلى موقف قوي ومهيمن قبل بدء المفاوضات» مع اليونان. بيد أن بيون يعتبر أن إردوغان «يفتقر لاستراتيجية واضحة» ويعمد إلى «اقتناص الفرص عندما يرى أنها ستكون مفيدة له» فضلا عن أن تحالفه مع اليمين المتطرف التركي يدفع به باستمرار إلى مواقف تتصف بـ«التعصب القومي وتسعى إلى دغدغة الشعور القومي للأتراك».

ثمة أمر يراه بيون بالغ الأهمية لفهم سياسات إردوغان وهو استحقاق الانتخابات الرئاسية والتشريعية التركية في عام 2023، وبحسب الخبير الفرنسي، فإن إردوغان الذي تتراجع شعبيته خصوصا في الأوساط المدنية ولدى الطبقة الوسطى التي ضمنت تواصل حكم حزب التنمية والعدالة لسنوات طويلة حريص على الفوز بها، وبالتالي لأنه يعتبر أن له دورا تاريخيا يتعين أن ينجزه. ولذا، فإنه من الصعب فهم أدائه وسياسته من غير أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار. من هذا المنطلق، يعتبر الباحث أنه يجب فهم سياسة إردوغان الخارجية على ضوء أوضاعه السياسية الداخلية خصوصا بعد الفشل الذي آلت إليه سياساته في الرهان على حركة الإخوان المسلمين بعد انطلاق «الربيع العربي» إذ إنها فشلت في تونس وسوريا ومصر.

من هنا، فقد قفز إردوغان على الفرصة التي توفرت له في ليبيا مع حكومة فائز السراج التي دعمها لسببين: الأول، آيديولوجي وقوامه وحدة الفكر والمنهج والثاني انتهازي، إذ رأى فيه فرصة لخلط أوراق المتوسط الشرقي وفرض نفسه لاعبا رئيسيا في ملف استغلال ثروات الغاز التي يحتضنها ويقاوم بفضلها خطط الآخرين في ميدان الطاقة. ويستطرد الباحث الفرنسي قائلا إن «النموذج التركي» الذي لاقى هوى وأصداء إيجابية في العالم العربي خلال عشر سنوات «تهافت» ومعه ضاعت سياسة «صفر مشاكل» مع الجوار التركي التي وضع إطارها النظري وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو. والأخير أسس حزبا سياسيا منافسا لـإردوغان وكما فعل سلفه في رئاسة الحكومة عبد الله غل.

ولكن هل مات حلم إردوغان بضم بلاده يوما إلى الاتحاد الأوروبي؟ يذكر بيون أن تركيا تفاوض الاتحاد على الانضمام منذ ما لا يقل عن 15 عاما، إلا أن بابه يبدو شبه مغلق بوجهها بسبب الكم الكبير من المشاكل القائمة بين الطرفين إن بسبب سياسات تركيا الخارجية «سوريا، العراق، ليبيا، المتوسط الشرقي...» أو بسبب أوضاعها الداخلية المتمثلة باحترام حقوق الإنسان ودولة القانون وحرية الرأي والصحافة واستقلالية القضاء... ولذا، يبدو من الصعب اليوم القول إنها ستنضم إلى النادي الأوروبي خصوصا أن الأوروبيين ليسوا مستعدين لأمر كهذا. من هنا، يبدو الاتجاه الأكثر واقعيا هو السعي إلى إيجاد صيغة ما للتعاون. ثم هناك عائق آخر عنوانه البرلمانات المحلية التي يتعين عليها أن توافق بالإجماع على انضمام تركيا. وهذا الاحتمال ضعيف إن لم يكن مستحيلا مع استمرار خلافات تركيا مع اليونان وقبرص. وللتذكير، فإن الرئيس الفرنسي اقترح على إردوغان لدى زيارته باريس في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي إلى قلب صفحة الانضمام والبحث عن «شراكات» بديلة، داعيا إياه إلى التزام «الواقعية» بدل الحديث عن مشاريع لن ترى النور على الأرجح.


الاتحاد الاوروبي علاقات تركيا و اليونان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة