شعراء القرن الخامس الهجري... احتجوا على الجور ودعوا إلى الإصلاح

سعد قنديل يكتب عن ظاهرة تكشف الصورة الحقيقية للشعر العربي

أبو نواس   -  أبو العلاء المعري  -  ابن الرومي  -  أبو تمام
أبو نواس - أبو العلاء المعري - ابن الرومي - أبو تمام
TT

شعراء القرن الخامس الهجري... احتجوا على الجور ودعوا إلى الإصلاح

أبو نواس   -  أبو العلاء المعري  -  ابن الرومي  -  أبو تمام
أبو نواس - أبو العلاء المعري - ابن الرومي - أبو تمام

يرى الباحث دكتور محمود سعد قنديل، أن نزعة الرفض والتمرد قديمة قدم الشعر العربي، فقد ظهرت أصداؤها في العصر الجاهلي ولازمته طوال عهد الدولة الإسلامية خلال القرون المتوالية، كما تمثلها أشعار الصعاليك، وشاعت في نصوص الشكوى والاحتجاج على أشكال من الجور السياسي والظلم الطبقي.
ويكشف في كتابه «ظاهرة الرفض والتمرد في الشعر العربي - شعر القرن الخامس الهجري نموذجاً»، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية للكتاب عن أسماء شهيرة من الشعراء الرافضين والمتمردين، منهم: الشنفرى وأبو نواس وأبو العتاهية ودعبل وابن الرومي، والمتنبي الذي كان نسيج وحده في هذه الظاهرة الشعرية، كما يعد أستاذاً ورائداً لمن جاء بعده. هذه الظاهرة الشعرية، كما يضيف المؤلف، قويت واشتدت في شعر القرن الخامس إذ بدأت بأبي العلاء المعري الذي يعد ظاهرة متفردة في ذلك، إذ اتخذ التمرد لديه بعداً علمياً سلوكياً تمثل في اعتزاله الحياة والأحياء منذ عودته من رحلة بغداد سنة 400 هجرية حتى وفاته بعد نحو خمسين عاماً، يضاف إلى ذلك إبداعه الشعري، خصوصاً في ديوانه الثاني «لزوم ما لا يلزم» الذي يعد ثمرة مرحلة العزلة، ما يضعه في صدارة شعراء الرفض في الشعر كله، كما شاعت هذه الظاهرة في إنتاج معظم شعراء القرن الخامس من أمثال ابن حيوس وابن الخيتط والباخري والطغرائي في شرق العالم الإسلامي وظافر الحداد المصري وابن شرل وابن حمديس وابن العسال من شعراء المغرب والأندلس وصقلية.
يستشهد المؤلف في هذا السياق بما قاله دكتور شوقي ضيف حول هذه الظاهرة، منبهاً لكثرة نصوص الشكوى في هذا العصر، التي تعد - برأيه - إحدى تجليات نزعة الرفض والتمرد قائلاً: «واقرأ في (اليتيمة) و(دمية القصر) و(الخريدة) فستجد سيول هذه الشكوى تتدافع من كل جانب».
- أسباب متنوعة
وحسب المؤلف، كان وراء انتشار هذه الظاهرة في شعر القرن الخامس الهجري أسباب متنوعة كثيرة، ما بين عوامل سياسية تتمثل في البلبلة والتمزق والانقسام بعد انفراط عقد الخلافة واشتداد التناحر بين حكام المسلمين وأمرائهم على السلطان، وعوامل اجتماعية واقتصادية تتمثل في الطبقة التي أثرت على حساب أغلبية من الفقراء، فضلاً عن العوامل الفكرية التي تتمثل في البلبلة الثقافية وضعف الهوية والشعور الشديد بالغربة.
ويؤكد الباحث أن الأهمية التاريخية والفنية لتلك الظاهرة تكمن في أنها تكشف عن الصورة الحقيقية للشعر العربي كفن أصيل صادق في التعبير عن خلجات النفس الإنسانية، كما كان الشاعر إنساناً صادقاً مع نفسه جريئاً في مواجهة الواقع والتمرد على ما يراه تعدياً على حقوقه أو انحرافاً عن الصواب. وأنها عكست دور الشعر في مواجهة الواقع والدعوة إلى الإصلاح والتأثير على الجمهور، ودفعه باتجاه المطالبة بتحسين الأوضاع، لا سيما اجتماعياً واقتصادياً، كما تتمثل أهميتها في القيمة الفنية العالية لشعر الرفض والتمرد، إذ إن صدق التجربة الانفعالية وعمق الإحساس وحرارته في نصوص هذا التيار الشعري قد انعكس بالضرورة على البنية الفنية لهذه القصائد عبر مستوياتها اللغوية والإيقاعية والتصويرية، ليجعل منها بنية فنية أصيلة متفاعلة على مستوى الرؤية والتشكيل.وحول المنهج المتبع في هذه الدراسة، يوضح د. قنديل أن البحث ذو منهج مزدوج يقوم على الإفادة من منجزات النقد الأسلوبي والبنيوي وغيره من اتجاهات اللسانيات النصية، بجانب مناهج النقد الأدبي المذهبي كالمنهج التاريخي والاجتماعي والنفسي، وهي التي اعتادت عليها الدراسات العربية طويلاً لمقاربة النصوص الشعرية من منظورها، للرصد وتحليل مضامين تلك النصوص ودلالتها الاجتماعية والنفسية وصلتها بالعصر والبيئة ودلالتها بمستوى الرؤية الفكرية والانفعالية.
- المعري وحقوق الإنسان
على هذه الخلفية، يبرز اسم أبي العلاء المعري (أحمد بن عبد الله سليمان التنوخي) المنسوب إلى معرة النعمان بشمال الشام كأحد أشهر قدامى الشعراء العرب نقداً لظلم بعض الحكام وجور بعض الولاة. ويكتسب النقد الشعري لديه مصداقية لافتة فهو لم يكن ينتقد بهدف الابتزاز أو انطلاقاً من دوافع وأهواء شخصية، كما لم ينتم لمذهب سياسي هنا أو هناك، بل جاءت قصائده منزهة عن الغرض، إنسانية الطابع، نبيلة المقصد.
فطن المعري ببديهته الشعرية إلى أن الأمر يزداد سوءاً، كلما اتخذ الساسة من الدين ستاراً تتوارى وراءه أطماعهم، ويصبح مطية لتحقيق مآربهم «فصاغوا منه الدعاوى والشعارات الإصلاحية وأخذوا يستثمرون الفكرة الراسخة عند العامة عن المهدي المنتظر»، وكما يقول:
إنما هذه المذاهب أسباب
لجذب الدنيا إلى الرؤساءِ
غرض القوم متعة لا يرقون
لدمع الشماء والخنساءِ
وتكشف بعض أشعار أبي العلاء عن بغضه الحياة ذاتها وتأففه منها لدرجة إبداء الرغبة في الخلاص الأبدي من دنيا الشقاء والهموم:
يا رب أخرجني إلى دار الرضا
عجلاً فهذا عالم منكوسُ
ظلوا كدائرة تحول بعضها
من بعضها فجميعها معكوسُ
ويوضح المؤلف أن مثل هذه القصائد أثارت إعجاب كثيرين من دراسي شعر المعري، حيث رأوا فيها فهماً مثالاً عميقاً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حتى أن بعضهم يرى أن أبا العلاء قد سبق بعض النظم والنظريات السياسية الحديثة في الغرب. ويستشهد المؤلف بالدكتور زكي المحاسني، في ربطه بين فكر أبي العلاء وجماعات حقوق الإنسان وفكرها الديمقراطي قائلاً: «بصّر الناس بحقوقهم المهضومة ووقف للساسة بمرصاد النقد وكان في دهر العربية سباقاً إلى فتح أعين الأمة على حقوقها قبل منظمات حقوق الإنسان».
- الزهد والاغتراب
يتوقف المؤلف عند بن فرج الألبيري الملقب بـ«السميسر» أشهر شعراء الأندلس في مجال النقد وهجاء الأحوال العامة، وأعنفهم رفضاً لما كان عليه ملوك الطوائف من ضعف وانقسام. إنه الشاعر الذي عرف بالزهد فيما طمح إليه غيره من مال وجاه، واشتهر بكثرة هجائه من معاصريه، حتى قال عنه ابن بسام «وله مذهب استفرغ فيه مجهود شعره من القدح في أهل عصره»، ولم يكن هجاؤه من أجل مصالح شخصية بل كان لدوافع موضوعية:
وليتم فما أحسنتم مذ وليتم
ولا صنتم عمن يصونكم عرضا
وكنتم سماء لا ينال منالها
فصرتم لدى من لا يسائلكم أرضا
ستسترجع الأيام ما أقرضتكم
ألا إنها تسترجع الدين والقرضا
ويعد الشعور بالغربة والتعبير عن الاغتراب روحياً ونفسياً والشكوى من سوء الأحوال أحد تجليات شعر التمرد والرفض في القرن الخامس الهجري. ويرتبط بمفهوم الاغتراب في شعر هذا القرن ما قيل في هجاء الجنس البشري كله واتهامه بالفساد والخسة والتهافت، حيث شاعت تلك الرؤية في عدد كبير من الأبيات والمقاطع الشعرية الكثيرة التي امتلأت بها مصادر شعر هذه الحقبة. إنها قصائد تعكس قدراً كبيراً من مشاعر السخط والإحباط والاستياء، على الرغم من بساطتها في التعبير وميلها إلى السطحية والمباشرة والنزعة الخطابية على شاكلة قول أبي الحسن القيرواني:
ما في زمانك ماجد لو قد تأملتَ الشواهد
فاشهد بصدق مقالتي أو لا فكذبني بواحد
وقول أبي عبد الله محمد بن الحسن الطوبي:
يا لائمي في انتزاعي عن الورى وانقطاعي
لا أستطيع على أن أكون بين الأفاعي
ويخلص الباحث إلى أن الإحساس بافتقاد الأصدقاء وانعدام الوفاء وشيوع الغدر والتلوّن في العلاقات الاجتماعية مقدمة أساسية للشعور بالاغتراب، ولذا شاعت في أشعار أغلب شعراء تلك الفترة الشكوى المريرة، حتى إن ابن شرف القيرواني في مقطوعة له يعتبر وجود الصديق الحقيقي من الأمور النادرة بل المستحيلة، ويصف صحبة الناس بصحبة عدو أنت مضطر مؤقتاً لمرافقته.



أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».