شعراء القرن الخامس الهجري... احتجوا على الجور ودعوا إلى الإصلاح

سعد قنديل يكتب عن ظاهرة تكشف الصورة الحقيقية للشعر العربي

أبو نواس   -  أبو العلاء المعري  -  ابن الرومي  -  أبو تمام
أبو نواس - أبو العلاء المعري - ابن الرومي - أبو تمام
TT

شعراء القرن الخامس الهجري... احتجوا على الجور ودعوا إلى الإصلاح

أبو نواس   -  أبو العلاء المعري  -  ابن الرومي  -  أبو تمام
أبو نواس - أبو العلاء المعري - ابن الرومي - أبو تمام

يرى الباحث دكتور محمود سعد قنديل، أن نزعة الرفض والتمرد قديمة قدم الشعر العربي، فقد ظهرت أصداؤها في العصر الجاهلي ولازمته طوال عهد الدولة الإسلامية خلال القرون المتوالية، كما تمثلها أشعار الصعاليك، وشاعت في نصوص الشكوى والاحتجاج على أشكال من الجور السياسي والظلم الطبقي.
ويكشف في كتابه «ظاهرة الرفض والتمرد في الشعر العربي - شعر القرن الخامس الهجري نموذجاً»، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية للكتاب عن أسماء شهيرة من الشعراء الرافضين والمتمردين، منهم: الشنفرى وأبو نواس وأبو العتاهية ودعبل وابن الرومي، والمتنبي الذي كان نسيج وحده في هذه الظاهرة الشعرية، كما يعد أستاذاً ورائداً لمن جاء بعده. هذه الظاهرة الشعرية، كما يضيف المؤلف، قويت واشتدت في شعر القرن الخامس إذ بدأت بأبي العلاء المعري الذي يعد ظاهرة متفردة في ذلك، إذ اتخذ التمرد لديه بعداً علمياً سلوكياً تمثل في اعتزاله الحياة والأحياء منذ عودته من رحلة بغداد سنة 400 هجرية حتى وفاته بعد نحو خمسين عاماً، يضاف إلى ذلك إبداعه الشعري، خصوصاً في ديوانه الثاني «لزوم ما لا يلزم» الذي يعد ثمرة مرحلة العزلة، ما يضعه في صدارة شعراء الرفض في الشعر كله، كما شاعت هذه الظاهرة في إنتاج معظم شعراء القرن الخامس من أمثال ابن حيوس وابن الخيتط والباخري والطغرائي في شرق العالم الإسلامي وظافر الحداد المصري وابن شرل وابن حمديس وابن العسال من شعراء المغرب والأندلس وصقلية.
يستشهد المؤلف في هذا السياق بما قاله دكتور شوقي ضيف حول هذه الظاهرة، منبهاً لكثرة نصوص الشكوى في هذا العصر، التي تعد - برأيه - إحدى تجليات نزعة الرفض والتمرد قائلاً: «واقرأ في (اليتيمة) و(دمية القصر) و(الخريدة) فستجد سيول هذه الشكوى تتدافع من كل جانب».
- أسباب متنوعة
وحسب المؤلف، كان وراء انتشار هذه الظاهرة في شعر القرن الخامس الهجري أسباب متنوعة كثيرة، ما بين عوامل سياسية تتمثل في البلبلة والتمزق والانقسام بعد انفراط عقد الخلافة واشتداد التناحر بين حكام المسلمين وأمرائهم على السلطان، وعوامل اجتماعية واقتصادية تتمثل في الطبقة التي أثرت على حساب أغلبية من الفقراء، فضلاً عن العوامل الفكرية التي تتمثل في البلبلة الثقافية وضعف الهوية والشعور الشديد بالغربة.
ويؤكد الباحث أن الأهمية التاريخية والفنية لتلك الظاهرة تكمن في أنها تكشف عن الصورة الحقيقية للشعر العربي كفن أصيل صادق في التعبير عن خلجات النفس الإنسانية، كما كان الشاعر إنساناً صادقاً مع نفسه جريئاً في مواجهة الواقع والتمرد على ما يراه تعدياً على حقوقه أو انحرافاً عن الصواب. وأنها عكست دور الشعر في مواجهة الواقع والدعوة إلى الإصلاح والتأثير على الجمهور، ودفعه باتجاه المطالبة بتحسين الأوضاع، لا سيما اجتماعياً واقتصادياً، كما تتمثل أهميتها في القيمة الفنية العالية لشعر الرفض والتمرد، إذ إن صدق التجربة الانفعالية وعمق الإحساس وحرارته في نصوص هذا التيار الشعري قد انعكس بالضرورة على البنية الفنية لهذه القصائد عبر مستوياتها اللغوية والإيقاعية والتصويرية، ليجعل منها بنية فنية أصيلة متفاعلة على مستوى الرؤية والتشكيل.وحول المنهج المتبع في هذه الدراسة، يوضح د. قنديل أن البحث ذو منهج مزدوج يقوم على الإفادة من منجزات النقد الأسلوبي والبنيوي وغيره من اتجاهات اللسانيات النصية، بجانب مناهج النقد الأدبي المذهبي كالمنهج التاريخي والاجتماعي والنفسي، وهي التي اعتادت عليها الدراسات العربية طويلاً لمقاربة النصوص الشعرية من منظورها، للرصد وتحليل مضامين تلك النصوص ودلالتها الاجتماعية والنفسية وصلتها بالعصر والبيئة ودلالتها بمستوى الرؤية الفكرية والانفعالية.
- المعري وحقوق الإنسان
على هذه الخلفية، يبرز اسم أبي العلاء المعري (أحمد بن عبد الله سليمان التنوخي) المنسوب إلى معرة النعمان بشمال الشام كأحد أشهر قدامى الشعراء العرب نقداً لظلم بعض الحكام وجور بعض الولاة. ويكتسب النقد الشعري لديه مصداقية لافتة فهو لم يكن ينتقد بهدف الابتزاز أو انطلاقاً من دوافع وأهواء شخصية، كما لم ينتم لمذهب سياسي هنا أو هناك، بل جاءت قصائده منزهة عن الغرض، إنسانية الطابع، نبيلة المقصد.
فطن المعري ببديهته الشعرية إلى أن الأمر يزداد سوءاً، كلما اتخذ الساسة من الدين ستاراً تتوارى وراءه أطماعهم، ويصبح مطية لتحقيق مآربهم «فصاغوا منه الدعاوى والشعارات الإصلاحية وأخذوا يستثمرون الفكرة الراسخة عند العامة عن المهدي المنتظر»، وكما يقول:
إنما هذه المذاهب أسباب
لجذب الدنيا إلى الرؤساءِ
غرض القوم متعة لا يرقون
لدمع الشماء والخنساءِ
وتكشف بعض أشعار أبي العلاء عن بغضه الحياة ذاتها وتأففه منها لدرجة إبداء الرغبة في الخلاص الأبدي من دنيا الشقاء والهموم:
يا رب أخرجني إلى دار الرضا
عجلاً فهذا عالم منكوسُ
ظلوا كدائرة تحول بعضها
من بعضها فجميعها معكوسُ
ويوضح المؤلف أن مثل هذه القصائد أثارت إعجاب كثيرين من دراسي شعر المعري، حيث رأوا فيها فهماً مثالاً عميقاً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حتى أن بعضهم يرى أن أبا العلاء قد سبق بعض النظم والنظريات السياسية الحديثة في الغرب. ويستشهد المؤلف بالدكتور زكي المحاسني، في ربطه بين فكر أبي العلاء وجماعات حقوق الإنسان وفكرها الديمقراطي قائلاً: «بصّر الناس بحقوقهم المهضومة ووقف للساسة بمرصاد النقد وكان في دهر العربية سباقاً إلى فتح أعين الأمة على حقوقها قبل منظمات حقوق الإنسان».
- الزهد والاغتراب
يتوقف المؤلف عند بن فرج الألبيري الملقب بـ«السميسر» أشهر شعراء الأندلس في مجال النقد وهجاء الأحوال العامة، وأعنفهم رفضاً لما كان عليه ملوك الطوائف من ضعف وانقسام. إنه الشاعر الذي عرف بالزهد فيما طمح إليه غيره من مال وجاه، واشتهر بكثرة هجائه من معاصريه، حتى قال عنه ابن بسام «وله مذهب استفرغ فيه مجهود شعره من القدح في أهل عصره»، ولم يكن هجاؤه من أجل مصالح شخصية بل كان لدوافع موضوعية:
وليتم فما أحسنتم مذ وليتم
ولا صنتم عمن يصونكم عرضا
وكنتم سماء لا ينال منالها
فصرتم لدى من لا يسائلكم أرضا
ستسترجع الأيام ما أقرضتكم
ألا إنها تسترجع الدين والقرضا
ويعد الشعور بالغربة والتعبير عن الاغتراب روحياً ونفسياً والشكوى من سوء الأحوال أحد تجليات شعر التمرد والرفض في القرن الخامس الهجري. ويرتبط بمفهوم الاغتراب في شعر هذا القرن ما قيل في هجاء الجنس البشري كله واتهامه بالفساد والخسة والتهافت، حيث شاعت تلك الرؤية في عدد كبير من الأبيات والمقاطع الشعرية الكثيرة التي امتلأت بها مصادر شعر هذه الحقبة. إنها قصائد تعكس قدراً كبيراً من مشاعر السخط والإحباط والاستياء، على الرغم من بساطتها في التعبير وميلها إلى السطحية والمباشرة والنزعة الخطابية على شاكلة قول أبي الحسن القيرواني:
ما في زمانك ماجد لو قد تأملتَ الشواهد
فاشهد بصدق مقالتي أو لا فكذبني بواحد
وقول أبي عبد الله محمد بن الحسن الطوبي:
يا لائمي في انتزاعي عن الورى وانقطاعي
لا أستطيع على أن أكون بين الأفاعي
ويخلص الباحث إلى أن الإحساس بافتقاد الأصدقاء وانعدام الوفاء وشيوع الغدر والتلوّن في العلاقات الاجتماعية مقدمة أساسية للشعور بالاغتراب، ولذا شاعت في أشعار أغلب شعراء تلك الفترة الشكوى المريرة، حتى إن ابن شرف القيرواني في مقطوعة له يعتبر وجود الصديق الحقيقي من الأمور النادرة بل المستحيلة، ويصف صحبة الناس بصحبة عدو أنت مضطر مؤقتاً لمرافقته.



التنقيب في موقع العصداء بالباحة يكشف معالم معمارية ونشاط حضاري منذ الفترة الإسلامية المبكرة

يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
TT

التنقيب في موقع العصداء بالباحة يكشف معالم معمارية ونشاط حضاري منذ الفترة الإسلامية المبكرة

يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)

كشفت أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري الذي أنجزته هيئة التراث السعودية في موقع أثري مهم بمنطقة الباحة، عن عدد من المعالم المعمارية واللقى الأثرية التي تنتمي إلى فترات تاريخية عريقة شهدها الموقع الذي كان محطة رئيسية في طريق الحج من اليمن إلى مكة المكرمة.

وضمن برامجها العلمية الهادفة إلى دراسة المواقع الأثرية في مختلف المناطق السعودية، وتوثيق معالمها المعمارية ومكوناتها الحضارية، بما يعزز فهم تاريخ الاستيطان البشري والأنشطة الاقتصادية والدينية التي شهدتها تلك المواقع عبر العصور، أنهت الهيئة أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري في موقع العصداء بمحافظة المخواة في منطقة الباحة الذي يُعد من أبرز مواقع التعدين التاريخية في جنوب غربي السعودية، ويكتسب أهمية جغرافية وتاريخية، لكونه نقطة التقاء رئيسية في حركة العبور والتبادل عبر فترات تاريخية مختلفة.

التنقيب في موقع العصداء الأثري بمنطقة الباحة يأتي ضمن جهود كشف التسلسل الحضاري للسعودية (هيئة التراث)

مسجد أثري ومعالم معمارية ونشاط حضاري

ومن أبرز المكتشفات مسجد أثري تبلغ مساحته نحو (11×12م)، ويضم محراباً وثلاثة مداخل رئيسية، بالإضافة إلى قواعد مربعة لأعمدة كانت تحمل سقف المسجد، مما يشير إلى تخطيط معماري واضح يعكس أهمية المسجد ودوره المحوري في تخطيط المدن الإسلامية المبكرة.

وكشفت أعمال التنقيب عن 4 غرف ملاصقة للمسجد من الجهة الشمالية الشرقية، بمساحات متفاوتة؛ تبلغ مساحة بعضها (4×5م) وأخرى (3×4م)، وتحتوي على عناصر معمارية تشمل أحواضاً مائية ومستودعات للتخزين ومواقد داخلية للطبخ، مما يرجّح استخدامها لأغراض سكنية أو لأنشطة خدمية مرتبطة بالمسجد.

‏جانب من أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري في موقع العصداء بمحافظة المخواة في منطقة الباحة (هيئة التراث)

شملت المكتشفات مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية التي تُسهم في فهم الأنشطة المعيشية التي كانت تمارس في الموقع، حيث عُثر على أجزاء من أوانٍ فخارية متنوعة، منها الفخار العادي والمزجج، بالإضافة إلى أوانٍ حجرية مصنوعة من الحجر الصابوني، إلى جانب رحى ومساحن حجرية كانت تستخدم في إعداد الطعام، وهي مكتشفات تعكس جوانب من الحياة اليومية والأنشطة المنزلية في الموقع.

كشفت ⁧‫نتائج التنقيب في الموقع عن مسجدٍ أثري ووحدات سكنية ولقىً متنوعة تعود إلى الفترة الإسلامية المبكرة (هيئة التراث‬)

وتأتي نتائج أعمال التنقيب الجديدة في موقع العصداء، في الوقت الذي يشهد فيه قطاع التراث في السعودية مرحلة نشطة ومهمة، من جهة صونه والاهتمام به، وإعادة الاعتبار إلى الكثير من الإرث الثقافي السعودي المادي وغير المادي المتنوع والمتوزع بين مناطق السعودية الشاسعة، مع زيادة التوجه إلى إشراك القطاع الخاص والمبادرات النوعية والمجتمعات المحلية التي تُعدّ الحاضنة الطبيعية للتراث الثقافي السعودي، في جهود إدارة التراث والاهتمام به وصونه، مما يشكّل شواهد تاريخية باقية على ثراء المجتمع السعودي عبر التاريخ وعلى إرثه العريق.

وتسعى الهيئة، من خلال أعمال التنقيب، إلى توسيع نطاق الدراسات الأثرية الميدانية وتوثيق المواقع التراثية في السعودية، بما يُسهم في بناء قاعدة معرفية علمية حول تاريخ الجزيرة العربية، ويعزّز إبراز ما تزخر به من إرث ثقافي وحضاري متنوع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال مجموعة من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة الأم الكبرى، تلك الفترة العتيقة التي كانت تتمركز حول الأرض بوصفها موئل الكائنات، ويتجلى ذلك في كثير من التماثيل التي تشير لميلاد البشر، والبذور، وحتى الأساطير.

ويتضمن المعرض أيضاً تماثيل من خامات متنوعة تعبر عن أفكار شتى حول الخير، والشر، والكفاح، والبحث عن الحقيقة، وضغط اللوائح، والقوانين، والشرائع على النفس البشرية منذ القدم، وكأننا أمام مشاهد يومية تحتوي على فلسفة كاملة تعيد صياغة الفكر الإنساني، وترسم مستقبل البشر من جديد.

تمثال أخناتون تحية للمتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)

ويضم المعرض الذي تستضيفه قاعة الزمالك للفن، ويستمر حتى 12 أبريل (نيسان)، أكثر من 20 عملاً كبيراً بخامات متنوعة من الأحجار، مثل الكوارتز والديوريت، وهي من أكثر الأحجار صلابة، وخاض بها الفنان تجربة جديدة مليئة بالأفكار والرموز التي تعود للعصور القديمة حين كانت الأرض –الأم– الأنثى هي مركز الوجود.

تمثال لقسطنطين كفافيس ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن هذه التجربة يقول ناثان: «استخدمت عدداً من الخامات في هذا المعرض، فبالإضافة إلى البرونز، هناك الكوارتز الذي صنعت منه تمثال أخناتون، ولأول مرة أقدم أعمالاً من الديوريت الذي يعد من أصعب الخامات، وقدمت من خلاله مجموعة كبيرة من الأشكال التي تمثل طقوساً قديمة، ورموزاً طوطمية، تتحدث عن فلسفة الخلق، والميلاد، والأرض الأم».

جانب من مجموعة الأشكال الطوطمية في المعرض (الشرق الأوسط)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من بين الأعمال التي قدمتها بالديوريت تمثال صغير لضفدعة ترمز إلى أسطورة قديمة من أساطير الخلق، كما أنها بالنسبة لي تمثل قفزات في التعامل مع الخامات من البوليستر إلى الغرانيت، والبازلت، وغيرها، وأكثر خامة عملت عليها هي الديوريت».

وعن علاقة هذا الضفدعة بنظريات الخلق الأولى يوضح دوس أن الأساطير المصرية القديمة تتحدث عن الإله خنوم، وهو يبدأ عملية الخلق على دولاب من الفخار، ومن كان يشهد عملية الخلق ضفدعة سماها «حجت».

وأكد أنه خاض تجربة العمل على الديوريت بمجموعة تتكون من 50 قطعة، أطلق عليها مجموعة من الأدوات، والأشكال الطقسية، والطوطمية. وفترة البداية، أو ما يسمونها في الأنثروبولوجيا والتاريخ القديم «فترة الأم القديمة»، تتضمن أشكالاً متنوعة للمرأة بوصفها رمزاً للخصوبة، والولادة، وكذلك الأرض، والبذور التي تنبت فيها.

لوحة مستوحاة من الفن المصري القديم تمثل الفنان وزوجته خلال نحت تمثال أخناتون (الشرق الأوسط)

ويتضمن المعرض تماثيل متنوعة لشخصيات تاريخية، ومألوفة، من بينها تمثال «بورتريه» لأخناتون، الملك المصري من الأسرة الثامنة عشرة، وصاحب دعوة التوحيد الشهيرة، وعدّه الفنان تحية لافتتاح المتحف المصري الكبير، وإلى كل من ينتصر للهوية المصرية. كما يوجد أيضاً تمثال لأسطورة سيزيف، وهي أسطورة يونانية عن شخص يواجه لعنة أبدية تجعله يصعد بالصخرة فوق جبل فتسقط الصخرة من الطرف الآخر، ويعاد الصعود بها إلى ما لا نهاية، لكن ناثان دوس يضع سيزيف في قالب عصري، فهو يصعد بالصخرة، ويثبتها بطريقة بدائية فوق الجبل، ويحمل هاتفاً جوالاً، ويلتقط صورة «سيلفي» مع الصخرة، وكأنه أراد مشاركة معاناته مع الجميع.

أعمال الفنان ناثان دوس تطرح أسئلة حول واقع البشرية (الشرق الأوسط)

يقول ناثان: «أعشق الفن المصري القديم، وأعتبر نفسي امتداداً له»، وربما لهذا ظهرت لوحة جدارية ضخمة تصور الفنان يرتدي ملابس المصري القديم، وخلفه زوجته نيفين ناثان تؤازره وهو ينحت تمثال أخناتون، هناك أيضاً تمثال صنعه الفنان لزوجته الفنانة نيفين ناثان من خامة الغرانيت، كما أهدى إليها المعرض في مقدمة الكتاب التعريفي بعبارة «إلى نيفين زوجتي التي أقتسم معها الحلم».

جانب من افتتاح المعرض (فيسبوك)

ويضم المعرض تمثالاً نصفياً لشاعر الإسكندرية الأشهر المصري اليوناني قسطنطين كفافيس، وحضر السفير اليوناني في القاهرة إلى المعرض مثنياً على التمثال، كما يضم المعرض أفكاراً متنوعة عن فكرة الأرض، وعلاقتها بالميلاد، فهناك جنين قابع في باطن الأرض، وفوقه أو من خلاله تخرج نباتات خضراء، وهناك أيضاً العديد من التماثيل البرونزية التي تجسد أفكاراً فلسفية عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وكفاحه للوصول إلى الجوهرة -الحقيقة الكامنة في باطن الأرض.

رمزية الأرض والميلاد ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن فلسفة المعرض يقول ناثان إنه يسعى دائماً لتقديم أعمال تحمل أفكاراً تمس الإنسان وعلاقته بالواقع المعاش، ولكنه يبحث دائماً عما وراء هذا الواقع من تجليات، ورؤى، وأبعاد نفسية قد تسيطر على بعض البشر، وتحدد سلوكهم، وتؤطره، من هنا جاءت فكرة «إلى العمق» بحثاً عن معنى أعمق للوجود البشري. ومن الأعمال المهمة في المعرض وسادة من الغرانيت ملقاة على الأرض وفوقها كل الأدوات تقريباً التي يحتاجها النحات، وكأنه يقول إنه وقت الراحة، ويعلق على هذا العمل: «ينام المتعب على وسادة من الحجر ليستريح، أما الكسول فلن يجد الراحة ولو على وسادة من الريش».


كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
TT

كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)

بينما يوحي عنوان كتاب «نصف حليم الآخر» بأنه يستعيد قصة حب «العندليب الأسمر» عبد الحليم حافظ التي لم تكتمل ومثَّلت جانباً مؤلماً في مسيرته، غير أنه في الحقيقة يتناول معارك عبد الحليم عبر مسيرته الفنية ويركز أكثر على مواقفه الإنسانية.

ويذكر أن، الكتاب الذي صدر في القاهرة عن دار نشر «بتانة» للكاتب عادل السنهوري، يتزامن مع الذكرى 49 لرحيل «العندليب الأسمر»، ويقول المؤلف في مقدمته: «حليم لم يكن فقط وجهاً واحداً لعملة ذهبية فنية، كان هناك وجه آخر غاية في الروعة وفي التضحية والحب لكل من حوله، هذا الوجه هو نصف حليم الآخر الذي قد لا يعرفه الكثيرون»، مؤكداً أن «حليم ما زال أسطورة الغناء العربي وحامل لواء الرومانسية في حياة أجيال عديدة منذ الخمسينات وحتى الآن وربما في أجيال قادمة»، لافتاً إلى أن «العندليب خاض معارك فنية كثيرة لها ما يبررها على الرغم من أنها أغضبت الكثير من الفنانين حتى أقرب أصدقائه لكنها انتهت جميعها بالصلح لأنها دارت حول الفن والغناء».

البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها، هذه حقيقة أدركها عبد الحليم مبكراً ويشير المؤلف إلى أن العندليب قد خاض معارك كي يبقى متصدراً قمة الغناء في مصر والعالم العربي، فقد دخل في معارك مع أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد رشدي ووردة ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه الملحنين كمال الطويل ومحمد الموجي، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك بُعدٌ غائبٌ في تفسير هذه المعارك ولو من الجانب النفسي.

ويستشهد المؤلف بما ذكره الكاتب الراحل محمود عوض صديق عبد الحليم في كتابه «بالعربي الجريح» الذي قال فيه إن «حليم قد خاض مشوار نجاحه مرتين، أولاً لكي يصل إلى القمة وثانياً لكي يستمر فيها، وقد وجد في الأول من شاركوه وكانوا جزءاً من نجاحه، ووجد من حاربوه أيضاً، فلا يمكن أن نفهم ظاهرة عبد الحليم دون أن نفهم أساساً مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي في الوصول إلى قلوب الجماهير بلون جديد وسط أسماء كبيرة لها قاعدتها الجماهيرية العريضة».

الكتاب تناول مواقف كثيرة في حياة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

ويلفت عوض إلى الاختراق الأول الذي حقَّقه حليم في قلوب الجماهير حين وجد من يتبنون صوتاً بديلاً لمطرب جديد هو كمال حسني وأنَّ أقلاماً بارزة وصحفاً كاملة حشدت نفسها لتقديم كمال حسني بديلاً لعبد الحليم، وتعاقد على أفلام سينمائية وقدم له كبار الملحنين ألحاناً عذبة لكنه في النهاية توارى واستمر عبد الحليم.

وتبدو قصة منع عبد الحليم لصديقه كمال الطويل من السفر، أقرب لـ«مقلب» أو خلاف بين صديقين وليست معركة، ويسوقها المؤلف في الكتاب، حيث أراد الطويل السفر قبل أن ينتهي من آخر أغنيات فيلم «حكاية حب» وهي «في يوم في شهر في سنة»، فقد أراد كمال الطويل السفر على أن يُنهي لحن الأغنية بعد عودته، لكن حليم طلب منه إنهاء الأغنية أولاً قبل سفره، فوقع خلاف وشجار بين حليم والطويل الذي أصر على السفر وخلال إنهاء سفره بمطار القاهرة استوقفه ضابط الجوازات لصدور قرار بمنعه من السفر، انفعل الطويل فأخبره ضابط كبير أن سيارة تنتظره لتوصيله إلى أحد الأماكن السيادية، وإذا به أمام مسؤول أمني كبير طمأنه وتبادل معه الضحك واتصل بعبد الحليم ليخبره أن كمال الطويل موجود في مكتبه، ثم أعطاه السماعة ليسمع ضحكات عبد الحليم وهو يقول له «مش قلت لك يا كمال لحن الأغنية أولاً وبعدين سافر».

وفسر الطويل لمؤلف الكتاب الذي التقاه قبل سنوات من رحيله موقف عبد الحليم ومعاركه الفنية، بقوله: «لقد كان عبد الحليم طوال الوقت يتملكه إحساس يصل لحد اليقين بأنه سيموت صغيراً وأنه لن يتزوج ولن يكون له أولاد يخلدون اسمه من بعده، لذا اعتبر فنه هو أسرته وزوجته وأطفاله، وأنه ما يستحق أن يقاتل من أجله، فقد عاش يبحث عن الأفضل دائماً لنجاح مشروعه الغنائي ولم يغمض عينيه عن تجارب الآخرين».

ويتضمن الكتاب حكايات وتفاصيل عن خلافات وقعت بين عبد الحليم ونجوم الغناء في عصره، ومن بينها خلافه مع المطربة نجاة، الذي بدأ من خلال إعجابه بالأغاني التي غنتها، وكان قد غنى أغنيتها «غريبة منسية» خلال استضافته ببرنامج إذاعي، وقال إنه تمنى أن يغني اللحن بكلمات تناسب مطرباً لا مطربة، وتكرر الموقف بعد أغنية «لا تكذبي» التي غنتها نجاة في فيلم «الشموع السوداء» وكتب كلماتها كامل الشناوي ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب وأعجب بها عبد الحليم كثيراً وقام بغنائها في إحدى حفلاته دون أن يستأذن نجاة، وكان عبد الوهاب قد قام بتغيير بعض الجمل اللحنية لتناسب صوت حليم، وغضبت نجاة وحاول أن يعتذر لها لكنها رفضت قبول اعتذاره وظلت الأجواء متوترة بينهما ليستمر خلافهما خمس سنوات.

ويتطرق الكتاب إلى كثير من المواقف الإنسانية ومنها إنقاذه للطفل شريف عامر «الإعلامي البارز حالياً» من الموت حيث ربطت عبد الحليم صداقة بوالده الصحافي منير عامر وعلم من مقال كتبه والده أن طفله شريف تعرض لإصابة بالتهاب رئوي وعمره 12 يوماً فقط، وتطلب علاجاً لم يكن متوفراً بمصر، فطلب عبد الحليم الدواء من لبنان، ليُفاجأ منير عامر بطرد يصله من بيروت بالدواء المطلوب، كما تجلَّت مواقف العندليب الإنسانية في علاقته مع أعضاء الفرقة الموسيقية والكورس الذي يصاحبه في الغناء وأفراد الكومبارس في أفلامه ورعايته لكثير من أبناء قريته (الحلوات) بالشرقية، وفي تدخله لإعادة الكاتب الراحل مفيد فوزي لعمله الصحافي بعد فصله من مجلة «صباح الخير»، وغيرها من المواقف الإنسانية التي لم يعلنها العندليب الأسمر في حياته ورواها آخرون عنه.