إشكالية «احتكار» مواقع التواصل لـ«سوق التكنولوجيا»

إشكالية «احتكار» مواقع التواصل لـ«سوق التكنولوجيا»

مطالب جديدة بفرض رقابة عليها ووضع قواعد لعملها
الاثنين - 24 صفر 1442 هـ - 12 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15294]
غوغل وأمازون وأبل وفيسبوك

دخلت مواقع التواصل الاجتماعي «دائرة الاتهام» من جديد، بعدما عادت إشكالية «احتكارها» لـ«سوق التكنولوجيا» للمشهد، عقب تقارير وتصريحات رسمية حذرت أخيراً من «هيمنة بعضها»، وسط مطالب بـ«وضع حد لانتشارها، ووضع قواعد قانونية لعملها».
وحقاً، تواجه بعض مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات متكررة تتعلق بنشر أخبار كاذبة، والتأثير في الرأي العام، وتشجيع خطاب الكراهية، إضافة إلى اعتماد سياسات احتكارية تجعلها المتحكم الرئيسي في الإنترنت. ولقد أخفقت التحذيرات المتكررة من خطورة بعض مواقع التواصل في وضع حد لانتشارها أو التقليل من تأثيرها. بل يرى متخصصون في الإعلام أن «مواقع التواصل تغلغلت في الحياة اليومية، والتحذيرات والاتهامات الأخيرة لها، محاولة لوضع قواعد لـ(لعبة) الإنترنت والتكنولوجيا بعد سنوات من العمل دون قواعد وقوانين».
يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أصدرت لجنة فرعية «لمكافحة الاحتكار» تابعة للجنة القضائية في الكونغرس الأميركي تقريرا من 450 صفحة، استغرق إعداده 16 شهراً، ذكرت فيه أن شركات غوغل وأمازون وأبل وفيسبوك العملاقة تعمل كـ«حارس بوابة» بالنسبة لـ«سوق التكنولوجيا»، وتستغل قوتها - وفق التقرير - للاحتفاظ بالهيمنة وفرض المزيد منها على «سوق التكنولوجيا». وبحسب التقرير فإن «الشركات (المذكورة) تتمتع بسلطة كبيرة، وتزيد قيمتها السوقية عن 5 تريليونات دولار، ويجب كبح جماحها باستخدام الوسائل المناسبة».
عبد الله طلافحة، الصحافي المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات العربية المتحدة، يرى أن «الاتهامات الحالية لمواقع التواصل، اتهامات سياسية، تتعلق بدورها في توجيه أصوات الناخبين إبان حملة انتخابات الرئاسة الأميركية، وليس لها علاقة بالاحتكار». وأردف خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الشركات تعلم جيداً ما تفعله، وتدرك أنه لا يمكن ملاحقتها قانونياً... ثم إنه ليس من مصلحة أحد تفكيك هذه الشركات، لأن ذلك سيؤثر سلبياً على الاقتصاد الأميركي».
- إشكالية «الاحتكار»
من جهته، قال توماس جورجيسيان، الصحافي المتخصص في الشأن الأميركي، والمقيم في واشنطن لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «قضية الاحتكار مطروحة منذ فترة سابقة على الانتخابات الرئاسية، وهي وتتعلق باستحواذ هذه الشركات على خدمات البحث والتطبيقات الإلكترونية والسيطرة على السوق بلا منافسة. هذه قضايا اقتصادية بحتة، هدفها وضع قواعد لـ(لعبة التكنولوجيا) والحد من (تغول) هذه الشركات التي يستخدمها ما يقرب من 4 مليارات شخص، أي أكثر من نصف سكان العالم». وتابع جورجيسيان موضحاً أن «أهمية ما يحدث الآن، يكمن في أنه يخضع هذه الشركات للمحاسبة والمراقبة للمرة الأولى، وقد نشهد في الفترة المقبلة، بداية لوضع قواعد قانونية للعمل في مجال التكنولوجيا وحماية المستهلك».
وفقاً لتقرير الكونغرس «يحتكر فيسبوك مواقع التواصل الاجتماعي ويستحوذ على التطبيقات الشبيهة له، وتحتكر أمازون التجارة الإلكترونية وتسيطر على الشركات الصغيرة والمتوسطة. وفي حين يحتكر غوغل خدمات البحث الإلكتروني ويضيف المحتوى الخاص به لصفحة البحث الرئيسية، تتحكم أبل في نظام تشغيل يستخدمه 100 مليون جهاز في الولايات المتحدة وحدها».
الشركات المعنية علقت على محتوى التقرير. إذ حذرت أمازون من أن «تؤدي هذه التدخلات إلى إجبار الشركات الصغيرة على ترك المتاجر الشهيرة على الإنترنت، ما سيؤدي إلى رفع الأسعار وتقليل الخيارات أمام المستهلك». وبينما قالت غوغل إنها «تنافس في السوق بشكل عادل، وإن التقرير يتضمن ادعاءات قديمة وتفتقر إلى الدقة»، دافعت «فيسبوك» عن نفسها بالقول إن «عمليات الاستحواذ جزء من العملية التجارية، وهدفها تقديم قيمة أكبر للناس».
في رأي جورجيسيان «يجب أن نضع في الاعتبار، أن الكثير من المبادرات أو الشركات الصغيرة، تسعى لأن تبيع منتجها أو تطبيقها لإحدى هذه الشركات الكبرى، بالإضافة إلى أن هذه الشركات تقدم خدمات مجانية للجمهور». ويتوقع أن «الجدل والصراع مع عمالقة التكنولوجيا سيستمر، في محاولة لوضع قواعد وقوانين للعبة».
أكثر من هذا، امتد الهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً إلى السينما، إذ أنتجت شركة نتفليكس فيلماً وثائقياً بعنوانThe Social Dilemma - أي «المعضلة الاجتماعية» - للمخرج جيف أورلوسكي، وعرضته مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي. اتهمت نتفليكس في الفيلم هذا «بعض المواقع بالتلاعب بالإنسان وتحويله لسلعة تباع للمعلنين، فضلاً عن تصدير خطاب الكراهية والمعلومات الخاطئة». كذلك حذر الفيلم مما وصفه بـ«إدمان مواقع التواصل»، علماً بأنه اعتمد على شهادات موظفين سابقين في غوغل وتويتر وفيسبوك وإنستغرام.
ومن ثم، تعليقاً على الفيلم، أصدر فيسبوك بياناً رسمياً، وصف فيه الفيلم بأنه «مؤامرة وثائقية». وأضاف أنه (أي فيسبوك) «لا يدعم انتشار المعلومات الخاطئة، وخطاب الكراهية، على حد زعم الفيلم، بل على العكس يعمل على إزالتها». وتابع فيسبوك: «نعلم أن نظامنا ليس مثالياً، وهناك أشياء نفتقر إليها؛ لكننا لا ندعم المعلومات الخاطئة... الفيلم لم يقدم وجهات نظر لعاملين حاليين في هذه الشركات، ولم يتعرض للجهود المبذولة حالياً من الشركات لمعالجة القضايا التي أثارها، بل اعتمد على آراء شخصيات تركت العمل بهذه الشركات منذ سنوات». ووفقاُ لفيسبوك فإن «الاستقطاب والشعبوية موجودان قبل سنوات، وهو يعمل للتقليل من انتشارهما، وهذا النوع من المحتوى يشكل نسبة قليلة من المنشور على التطبيق».
عودة إلى جورجيسيان، الذي يرى أنه لا يمكن منع مواقع التواصل، خاصة أن دورها زاد خلال أزمة فيروس «كوفيد - 19»، عندما اعتمدت غالبية الناس، وبصورة متزايدة على الإنترنت واستخدام هذه المواقع للتواصل، في ظل التباعد الاجتماعي، حتى وإن اتهمت بنشر خطاب الكراهية أو الترويج للأخبار الكاذبة، كما عرض فيلم نتفليكس. وأشار إلى أن «الجدل الدائر حالياً حول محتوى هذه المواقع يتعلق بالخصوصية والمساس بالحريات الشخصية».
الجدير بالذكر، أنه من المقرر أن يعقد مجلس الشيوخ الأميركي يوم 28 أكتوبر الجاري جلسة استماع، حول إعفاء شركات الإنترنت من المسؤولية عن المحتوى، يقدّم خلالها مارك زوكربيرغ رئيس فيسبوك، وجاك دورسي رئيس تويتر شهادتيهما عن مسؤولية مواقع التواصل الاجتماعي عن المحتوى.
وللعلم، يبلغ عدد المستخدمين النشطين على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم 3.8 مليار شخص، من بين 4.54 مليار مستخدم للإنترنت حول العالم، ومن أصل 7.75 مليار نسمة في العالم، وفقاً لتقرير «وي آر سوشيال» We are Social الصادر في يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو تقرير سنوي يقيس استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي حول العام.
وهنا يقول طلافحة، إن «طريقة الناس في استخدام مواقع التواصل لن تتغير بهذه التحذيرات أو الاتهامات»، موضحاً أن «هذه المواقع تغلغلت في الحياة اليومية، وأصبحت أداة لتكوين رأي عام تستخدمها بعض الدول. وبالتالي، فهي حريصة على بقائها، حتى وإن وجهت لها اتهامات أو ادعت محاولتها للحد من نفوذها». ووفق طلافحة فإن «معدلات الاستخدام لمواقع التواصل تزداد يومياً رغم التحذيرات، كما فشلت حتى الآن أي دعوات لمقاطعتها»، وأضاف أن «المؤسسات الإعلامية ومن بينها صحيفة (الغارديان) البريطانية تبنت قبل فترة دعوة لمقاطعة فيسبوك؛ لكنها تخلت عنها بعدما تبين لها أن هذه الدعوة جعلتها تخسر جزءاً من جمهورها».


أميركا الإعلام المجتمعي

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة