«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

سلطت الضوء على الصراع السياسي والطائفي في العراق بعد سقوط الديكتاتورية

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة
TT

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

رواية «الذئاب على الأبواب» 2019. للروائي أحمد خلف هي رواية بطل إشكالي مركزي هو يوسف النجار، الذي يجد نفسه مطارداً من جهات مجهولة، ولأسباب غامضة، تماماً مثل أبطال فرانز كانكا. إذْ قام المطاردون بنسف بيته، والتسبب في قتل زوجته سعاد، وابنته ذات الأربعة عشر عاماً، وظلوا يمطرونه برسائل تهديد متنوعة، محيلين حياته إلى جحيم لا يطاق، مما دفعه للارتياب بكل إنسان، وكل حركة، حتى بات من الصعب عليه الفرز بين الوهم والحقيقة، وكأنه أصيب بلون من «البارانويا».
وتتمثل إشكالية البطل، بشكل عام، عند أحمد خلف في عجز البطل عن التلاؤم مع عالمه الخارجي، ومحيطه الاجتماعي، ربما لاعتقاده أنه يعيش في ديسيتوبيا سوداء، تنعدم فيها الحرية والكرامة والبراءة. لذا نراه يمتلك حساسية مرهفة عالية، تجعله، في الغالب، يعجز عن مواجهة قوى القهر والعنف والاستبداد التي تواجهه، لذا يعاني من السقوط فيما أسماه جورج لوكاش بالوعي الشقي، حيث ينكفئ البطل على ذاته، بعد أن يدرك أن قيمه النبيلة والبريئة التي يؤمن بها تصطدم بمصدات ومعوقات وإكراهات، أكبر من قدرته على الاحتمال على المقاومة، لذا فهو غالباً ما يتعرض للانكسار.
لكن الروائي في هذه الرواية بالذات يتجاوز حالة الانكسار بموقف إيجابي فاعل، خلافاً لما وجدناه مثلاً في روايته السابقة «تسارع الخطى» 2014 التي كان فيها البطل يظل يواجه حالة من الانكسار والاستسلام والرعب حتى النهاية، دون أن يتخذ قراراً حاسما بالتحول إلى المواجهة الجريئة لهذه القوى المجهولة والقوية والمدعومة، التي ظلت تطارده وتفرض إملاءاتها، غير الأخلاقية، عليه. أما في رواية «الذئاب على الأبواب» فنجد البطل الإشكالي يوسف النجار، يقرر في النهاية الخروج من حالة العجز والانكسار، ومواجهة مطارديه، عندما يحمل سلاحه، ويفتح الباب، متجهاً لمواجهة أعدائه. وبذا فالبطل بخروجه من «قوقعته» الذاتية والنفسية والمكانية، المنكسرة والسلبية، بتعبير باشلار، المتمثلة بشقته المعتمة ونافذتها الصغيرة المطلة علي العالم الخارجي، إنما يهدم سجن الداخل الذي ظل منكفئاً داخل عتمته لينفتح على الخارج بما فيه من ضوء وحياة وإرادة فاعلة. وبهذه النقلة النوعية في مسار الحدث الروائي يكتسب البطل ملمحاً إيجابياً يزاوج فيه بين موقف البطل الكافكوي الذي لا يخلو من نزعة وجودية وامتثالية، وبين شخصية البطل الإيجابي، وهي نقلة تحسب لصالح الرواية والروائي معاً.
رواية «الذئاب على الأبواب» رواية دائرية بامتياز، ذلك إنها تبدأ حركتها السردية الأولى بمشهد النافذة التي يطل منها بطل الرواية يوسف النجار على العالم الخارجي، وتنتهي أيضا في حركتها السردية الأخيرة بمشهد النافذة ذاته، ولكن في سياق جديد، إذ لم تعد النافذة مجرد «مرقاب» متوجس وسلبي، يتأمل البطل من خلاله الأشياء والعوالم والناس، بل أصبحت فعلاً إيجابياً رافضاً، لحالة السلبية والسكونية والانكسار، وهو ما يجعل الرواية قابلة للانفتاح على تأويلات لا نهائية.
وتمثل النافذة بالنسبة، لأحمد خلف، وربما لعدد كبير من الروائيين والقصاصين مظهراً من مظاهر ثنائية الداخل/ الخارج، حيث تمثل شقة البطل المعتمة وقوقعته، الذات المغلقة علي نفسها (الداخل) المغلق والمعتم عادة، بينما يمثل الشارع والساحة وحياة الناس الموارة بالحركة (الخارج)، المضيء والمفتوح في الغالب:
«أمام نافذة في غرفة تطل على ساحة شارع فرعي مهمل وقف رجل ذو بنية رياضية متماسكة، وللمرة الألف ينظر عبر النافذة تلك، وأمام ناظريه كان جدار مبنى المدرسة الإعدادية المختلطة» (ص٧). ومثلما يبتدئ الروائي استهلاله هذا بالنافذة يختتم روايته الكبيرة هذه بمشهد النافذة أيضاً، في تأكيد على الطبيعة الدائرية للرواية، حيث يتخذ البطل قراره الجريء بمواجهة مطارديه:
« اندفع نحو غرفة النوم حيث وضع المسدس أسفل الوسادة، تناوله ودسه في ثيابه. عاد إلى النافذة ليرى بوضوح، لئلا يكون الأمر برمته خداع بصر. نظر جيداً ورأى أحد الرجلين ينحرف نحو الجدران العالية للمدرسة المواجهة للعمارة التي فيها شقته» (ص٣٢٥). وبين هذين الموقفين، تمر سلسلة من الحوادث والوقائع المعقدة التي يمر بها البطل في حياته، وهو يقلب صور الحياة الاجتماعية والسياسية التي مرت به، وبشكل خاص حياته العسكرية والحروب التي فرض عليه خوضها آنذاك.
وسلطت الرواية الضوء أيضاً على اشتداد الصراع السياسي والطائفي بعد الاحتلال وسقوط الديكتاتورية، مع تركيز خاص على أزمته الشخصية داخل ذلك الأتون الخانق: «إلى أين يمضي رجل مثلي من مطاردة المافيات التي انتشرت بعد احتلال بغداد، بصورة أفزعت الناس؟ ميلشيات ومافيات وعصابات ومجانين وقتلة مدربون من زمن عاد وثمود» (ص٣٠١).
لكن النافذة تظل هي البنية المكانية المركزية المولدة للحدث الروائي، في هذه الرواية، فهي الشاهد والعين الباصرة على كل ما يجري.
ويذكرنا توظيف النافذة في السرد القصصي والروائي بتجارب عالمية وعربية. ففي قصة «إيفيلين» للروائي جيمس جويس من مجموعته القصصية «أهل دبلن» Dubliners نجد البطلة تطل من خلال نافذة غرفتها على الخارج، وهي تخوض صراعاً داخلياً بين أن تهرب مع حبيبها الذي كان ينتظرها في الخارج، عند المرسى القريب، وبين أن تبقى، وفاءً لالتزاماتها الأسرية، في تناوب بين سرد الداخل وسرد الخارج، حيث تحسم قرارها النهائي بالبقاء في البيت رافضة نداء الخارج بكل ما فيه من ألق وانفتاح وحياة واعدة.
وفي القصة العراقية، كان القاص الراحل محمود عبد الوهاب رائداً في توظيف النافذة ضمن ثنائية الداخل والخارج في قصته «الشباك، والساحة» المكتوبة عام 1969، حيث يستهل القاص سرده بوصف شيء تفصيلي لمشهد الشباك الذي يطل على الخارج، وتحديداً على ساحة المدرسة الابتدائية. ونجد نماذج عديدة لمشهد النافذة في قصص محمد خضير ولؤي حمزة عباس، وغيرهما.
تتمثل البنية السردية الأساسية للرواية في هيمنة سرد ضمير المتكلم الأتوبيوغرافي (أنا)، الذي يكشف عن دخائل بطل الرواية وراويها المركزي يوسف النجار، أو يوسف الحزين كما كان يسميه أحد أصدقائه. ولكن هذا السرد المبأر يتعرض للانكسار والخرق من خلال ساردين داخليين وخارجيين في آن واحد، مما يمهد الطريق أمام تعدد الضمائر والرواة في الرواية.
كما يمهد هذا الخرق في البنى السردية لتعميق المنحى الميتاسردي في الرواية، وبشكل خاص في قصدية الكتابة الروائية، والمفاضلة بين الرواة والضمائر، والتناص مع عدد من الأعمال الأدبية العالمية مثل مسرحية «سجناء التونا» للمفكر الفرنسي جان بول سارتر، ورواية «مزيفو النقد» للروائي الفرنسي أندريه جيد، والروائي الإيطالي دينو بوزاتي في روايته «صحراء التتار «، فضلاً عن تناصات رؤيوية عديدة مع روايات فرانز كافكا. من الجانب الآخر نجد تناصات متكررة مع عوالم وشخصيات روايته السابقة «تسارع الخطى» التي تتمحور أيضاً حول فكرة المطاردة، كما أشرنا سابقاً.
ومن هنا تشكلت نواة رواية «الذئاب على الأبواب» في تعالق دلالي وسيميائي مع بنية العنوان بوصفه عتبة نصية دالة، كما يذهب إلى ذلك الناقد جيرار جينيت. فالذئاب هنا كناية رمزية عن المطاردين والقتلة من عصابات المافيا السياسية، الذين فجروا بيته وتسببوا في قتل زوجته وابنته، وما زالوا يلاحقونه ويطاردونه لدونما سبب محدد.
وكما رأينا تمثل النافذة الحد الفاصل بين (داخل) معتم ومغلق ومحدود، و(خارج) مفتوح ومضيء ولا نهائي، كما أنها تحولت إلى بنية إطارية Frame Structure للرواية، لأنها هي التي تتحكم في ضبط علاقة الداخل بالخارج، وفي تحديد مسارات السرد اللاحقة، والتي تنفتح أحيانا على الماضي، لتستحضر عالمين عاشهما البطل: العالم الذي هيمن فيه نظام صدام حسين في الثمانينات والتسعينات، وظروف الحروب الدموية التي وجد البطل نفسه طرفاً فيها لدونما سبب واضح، أما العالم الثاني فهو عالم ما بعد الاحتلال، وسقوط الديكتاتورية، وبشكل خاص من خلال تردي الواقع السياسي، والذي تسبب في تفجير بيت البطل ومقتل زوجته وابنته. والرواية، في تماسها مع الواقع العراقي كانت تحرص كل الحرص على التعبير عن رؤيا وطنية ناقدة ومسؤولة، فهي تدين كل مظاهر العنف والاستبداد في ظل نظام صدام حسين، كما تدين كافة مظاهر العنف والتطرف الطائفي والانفلات الأمني التي سادت المشهد العراقي لسنوات طويلة، وتقف إلى جانب الإنسان وهو يتطلع إلى حياة آمنة ونظيفة، كما أنها تسجل موقفاً جديداً في رؤيا المؤلف، يتمثل في الانتقال من موقف الوصف السلبي لتحديات العنف، كما كان الأمر في رواية «تسارع الخطى»، إلى موقف الفعل والمقاومة لمراكز العنف والتهديد من خلال انتقال البطل إلى المواجهة عندما حمل سلاحه وخرج لمواجهة مطارديه.
رواية أحمد خلف «الذئاب على الأبواب» شهادة شجاعة وفنية عن مرحلة مهمة عاشها الفرد العراقي في ظروف مأساوية وصعبة، وهي تقف في مقدمة روايات التي كتبها الروائيون العراقيون الحداثيون خلال العقدين الأخيرين.


مقالات ذات صلة

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل
ثقافة وفنون جانب من المعرض

حضور نوعي ومبادرات رائدة

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق.

فيء ناصر (لندن)

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.