«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

سلطت الضوء على الصراع السياسي والطائفي في العراق بعد سقوط الديكتاتورية

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة
TT

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

رواية «الذئاب على الأبواب» 2019. للروائي أحمد خلف هي رواية بطل إشكالي مركزي هو يوسف النجار، الذي يجد نفسه مطارداً من جهات مجهولة، ولأسباب غامضة، تماماً مثل أبطال فرانز كانكا. إذْ قام المطاردون بنسف بيته، والتسبب في قتل زوجته سعاد، وابنته ذات الأربعة عشر عاماً، وظلوا يمطرونه برسائل تهديد متنوعة، محيلين حياته إلى جحيم لا يطاق، مما دفعه للارتياب بكل إنسان، وكل حركة، حتى بات من الصعب عليه الفرز بين الوهم والحقيقة، وكأنه أصيب بلون من «البارانويا».
وتتمثل إشكالية البطل، بشكل عام، عند أحمد خلف في عجز البطل عن التلاؤم مع عالمه الخارجي، ومحيطه الاجتماعي، ربما لاعتقاده أنه يعيش في ديسيتوبيا سوداء، تنعدم فيها الحرية والكرامة والبراءة. لذا نراه يمتلك حساسية مرهفة عالية، تجعله، في الغالب، يعجز عن مواجهة قوى القهر والعنف والاستبداد التي تواجهه، لذا يعاني من السقوط فيما أسماه جورج لوكاش بالوعي الشقي، حيث ينكفئ البطل على ذاته، بعد أن يدرك أن قيمه النبيلة والبريئة التي يؤمن بها تصطدم بمصدات ومعوقات وإكراهات، أكبر من قدرته على الاحتمال على المقاومة، لذا فهو غالباً ما يتعرض للانكسار.
لكن الروائي في هذه الرواية بالذات يتجاوز حالة الانكسار بموقف إيجابي فاعل، خلافاً لما وجدناه مثلاً في روايته السابقة «تسارع الخطى» 2014 التي كان فيها البطل يظل يواجه حالة من الانكسار والاستسلام والرعب حتى النهاية، دون أن يتخذ قراراً حاسما بالتحول إلى المواجهة الجريئة لهذه القوى المجهولة والقوية والمدعومة، التي ظلت تطارده وتفرض إملاءاتها، غير الأخلاقية، عليه. أما في رواية «الذئاب على الأبواب» فنجد البطل الإشكالي يوسف النجار، يقرر في النهاية الخروج من حالة العجز والانكسار، ومواجهة مطارديه، عندما يحمل سلاحه، ويفتح الباب، متجهاً لمواجهة أعدائه. وبذا فالبطل بخروجه من «قوقعته» الذاتية والنفسية والمكانية، المنكسرة والسلبية، بتعبير باشلار، المتمثلة بشقته المعتمة ونافذتها الصغيرة المطلة علي العالم الخارجي، إنما يهدم سجن الداخل الذي ظل منكفئاً داخل عتمته لينفتح على الخارج بما فيه من ضوء وحياة وإرادة فاعلة. وبهذه النقلة النوعية في مسار الحدث الروائي يكتسب البطل ملمحاً إيجابياً يزاوج فيه بين موقف البطل الكافكوي الذي لا يخلو من نزعة وجودية وامتثالية، وبين شخصية البطل الإيجابي، وهي نقلة تحسب لصالح الرواية والروائي معاً.
رواية «الذئاب على الأبواب» رواية دائرية بامتياز، ذلك إنها تبدأ حركتها السردية الأولى بمشهد النافذة التي يطل منها بطل الرواية يوسف النجار على العالم الخارجي، وتنتهي أيضا في حركتها السردية الأخيرة بمشهد النافذة ذاته، ولكن في سياق جديد، إذ لم تعد النافذة مجرد «مرقاب» متوجس وسلبي، يتأمل البطل من خلاله الأشياء والعوالم والناس، بل أصبحت فعلاً إيجابياً رافضاً، لحالة السلبية والسكونية والانكسار، وهو ما يجعل الرواية قابلة للانفتاح على تأويلات لا نهائية.
وتمثل النافذة بالنسبة، لأحمد خلف، وربما لعدد كبير من الروائيين والقصاصين مظهراً من مظاهر ثنائية الداخل/ الخارج، حيث تمثل شقة البطل المعتمة وقوقعته، الذات المغلقة علي نفسها (الداخل) المغلق والمعتم عادة، بينما يمثل الشارع والساحة وحياة الناس الموارة بالحركة (الخارج)، المضيء والمفتوح في الغالب:
«أمام نافذة في غرفة تطل على ساحة شارع فرعي مهمل وقف رجل ذو بنية رياضية متماسكة، وللمرة الألف ينظر عبر النافذة تلك، وأمام ناظريه كان جدار مبنى المدرسة الإعدادية المختلطة» (ص٧). ومثلما يبتدئ الروائي استهلاله هذا بالنافذة يختتم روايته الكبيرة هذه بمشهد النافذة أيضاً، في تأكيد على الطبيعة الدائرية للرواية، حيث يتخذ البطل قراره الجريء بمواجهة مطارديه:
« اندفع نحو غرفة النوم حيث وضع المسدس أسفل الوسادة، تناوله ودسه في ثيابه. عاد إلى النافذة ليرى بوضوح، لئلا يكون الأمر برمته خداع بصر. نظر جيداً ورأى أحد الرجلين ينحرف نحو الجدران العالية للمدرسة المواجهة للعمارة التي فيها شقته» (ص٣٢٥). وبين هذين الموقفين، تمر سلسلة من الحوادث والوقائع المعقدة التي يمر بها البطل في حياته، وهو يقلب صور الحياة الاجتماعية والسياسية التي مرت به، وبشكل خاص حياته العسكرية والحروب التي فرض عليه خوضها آنذاك.
وسلطت الرواية الضوء أيضاً على اشتداد الصراع السياسي والطائفي بعد الاحتلال وسقوط الديكتاتورية، مع تركيز خاص على أزمته الشخصية داخل ذلك الأتون الخانق: «إلى أين يمضي رجل مثلي من مطاردة المافيات التي انتشرت بعد احتلال بغداد، بصورة أفزعت الناس؟ ميلشيات ومافيات وعصابات ومجانين وقتلة مدربون من زمن عاد وثمود» (ص٣٠١).
لكن النافذة تظل هي البنية المكانية المركزية المولدة للحدث الروائي، في هذه الرواية، فهي الشاهد والعين الباصرة على كل ما يجري.
ويذكرنا توظيف النافذة في السرد القصصي والروائي بتجارب عالمية وعربية. ففي قصة «إيفيلين» للروائي جيمس جويس من مجموعته القصصية «أهل دبلن» Dubliners نجد البطلة تطل من خلال نافذة غرفتها على الخارج، وهي تخوض صراعاً داخلياً بين أن تهرب مع حبيبها الذي كان ينتظرها في الخارج، عند المرسى القريب، وبين أن تبقى، وفاءً لالتزاماتها الأسرية، في تناوب بين سرد الداخل وسرد الخارج، حيث تحسم قرارها النهائي بالبقاء في البيت رافضة نداء الخارج بكل ما فيه من ألق وانفتاح وحياة واعدة.
وفي القصة العراقية، كان القاص الراحل محمود عبد الوهاب رائداً في توظيف النافذة ضمن ثنائية الداخل والخارج في قصته «الشباك، والساحة» المكتوبة عام 1969، حيث يستهل القاص سرده بوصف شيء تفصيلي لمشهد الشباك الذي يطل على الخارج، وتحديداً على ساحة المدرسة الابتدائية. ونجد نماذج عديدة لمشهد النافذة في قصص محمد خضير ولؤي حمزة عباس، وغيرهما.
تتمثل البنية السردية الأساسية للرواية في هيمنة سرد ضمير المتكلم الأتوبيوغرافي (أنا)، الذي يكشف عن دخائل بطل الرواية وراويها المركزي يوسف النجار، أو يوسف الحزين كما كان يسميه أحد أصدقائه. ولكن هذا السرد المبأر يتعرض للانكسار والخرق من خلال ساردين داخليين وخارجيين في آن واحد، مما يمهد الطريق أمام تعدد الضمائر والرواة في الرواية.
كما يمهد هذا الخرق في البنى السردية لتعميق المنحى الميتاسردي في الرواية، وبشكل خاص في قصدية الكتابة الروائية، والمفاضلة بين الرواة والضمائر، والتناص مع عدد من الأعمال الأدبية العالمية مثل مسرحية «سجناء التونا» للمفكر الفرنسي جان بول سارتر، ورواية «مزيفو النقد» للروائي الفرنسي أندريه جيد، والروائي الإيطالي دينو بوزاتي في روايته «صحراء التتار «، فضلاً عن تناصات رؤيوية عديدة مع روايات فرانز كافكا. من الجانب الآخر نجد تناصات متكررة مع عوالم وشخصيات روايته السابقة «تسارع الخطى» التي تتمحور أيضاً حول فكرة المطاردة، كما أشرنا سابقاً.
ومن هنا تشكلت نواة رواية «الذئاب على الأبواب» في تعالق دلالي وسيميائي مع بنية العنوان بوصفه عتبة نصية دالة، كما يذهب إلى ذلك الناقد جيرار جينيت. فالذئاب هنا كناية رمزية عن المطاردين والقتلة من عصابات المافيا السياسية، الذين فجروا بيته وتسببوا في قتل زوجته وابنته، وما زالوا يلاحقونه ويطاردونه لدونما سبب محدد.
وكما رأينا تمثل النافذة الحد الفاصل بين (داخل) معتم ومغلق ومحدود، و(خارج) مفتوح ومضيء ولا نهائي، كما أنها تحولت إلى بنية إطارية Frame Structure للرواية، لأنها هي التي تتحكم في ضبط علاقة الداخل بالخارج، وفي تحديد مسارات السرد اللاحقة، والتي تنفتح أحيانا على الماضي، لتستحضر عالمين عاشهما البطل: العالم الذي هيمن فيه نظام صدام حسين في الثمانينات والتسعينات، وظروف الحروب الدموية التي وجد البطل نفسه طرفاً فيها لدونما سبب واضح، أما العالم الثاني فهو عالم ما بعد الاحتلال، وسقوط الديكتاتورية، وبشكل خاص من خلال تردي الواقع السياسي، والذي تسبب في تفجير بيت البطل ومقتل زوجته وابنته. والرواية، في تماسها مع الواقع العراقي كانت تحرص كل الحرص على التعبير عن رؤيا وطنية ناقدة ومسؤولة، فهي تدين كل مظاهر العنف والاستبداد في ظل نظام صدام حسين، كما تدين كافة مظاهر العنف والتطرف الطائفي والانفلات الأمني التي سادت المشهد العراقي لسنوات طويلة، وتقف إلى جانب الإنسان وهو يتطلع إلى حياة آمنة ونظيفة، كما أنها تسجل موقفاً جديداً في رؤيا المؤلف، يتمثل في الانتقال من موقف الوصف السلبي لتحديات العنف، كما كان الأمر في رواية «تسارع الخطى»، إلى موقف الفعل والمقاومة لمراكز العنف والتهديد من خلال انتقال البطل إلى المواجهة عندما حمل سلاحه وخرج لمواجهة مطارديه.
رواية أحمد خلف «الذئاب على الأبواب» شهادة شجاعة وفنية عن مرحلة مهمة عاشها الفرد العراقي في ظروف مأساوية وصعبة، وهي تقف في مقدمة روايات التي كتبها الروائيون العراقيون الحداثيون خلال العقدين الأخيرين.


مقالات ذات صلة

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.