«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

فاطمة المحسن تستذكر كتاباً ومدناً في العراق والمنفى

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية
TT

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

شكلت كتب السيرة الثقافية أو كتب الأجيال الثقافية السيرية ظاهرة مهمة في الأوساط الثقافية العراقية، ولا أعني بها كتب المذكرات الشخصية، إنما الكتب التي كتبت عن جيل ثقافي، أو أجيال متنوعة في الثقافة العراقية، وأحسب أن هذه الكتب انطوت على رصيد معرفي وثقافي مهم، أولاً لأنها أقرب إلى القلب والذائقة، فهي متخففة كثيراً من أعباء الدراسات النقدية، ومشارط المناهج الحادة التي تشرِّح النصوص أو تضع الشعراء في خانات، وتحولهم إلى جثث هامدة دون رفيف، وثانياً تهتم مثل هذه الكتب بالسير الشخصية للشخصيات الثقافية المعروفة، وتمنح القارئ مساحة مهمة للتعرف على أمزجتهم الخاصة، وكذبهم وادعاءاتهم، أو صدقهم وإخلاصهم، كما أن فيها إطلالة واسعة على التاريخ السياسي والاجتماعي وحتى الديني، حيث تبين تلك السير مراحل الاشتباك السياسي وصراعاته وتحولاته، فهي الأقدر على تبيان ندم المثقفين من عدمه في الانتماء للأحزاب السياسية، فالأحاديث الخاصة التي ترويها تلك السير هي الأكثر وثوقاً بالتأكيد.
ورغم المؤاخذات التي يؤاخذ عليها كتاب السير الثقافية بأنهم يروون فقط ما يعزز وجودهم، ويدعم أفكارهم، وأنهم بالنتيجة يصورون أنفسهم أنبياء وسط عالم صاخب بالفوضى، فإنَّها تبقى وثيقة جمالية واجتماعية وسياسية، وحتى وثيقة نقدية مهمة، ومن هذه الكتب «انفرادات الجيل الستيني» لعبد القادر الجنابي وكتاب «الموجة الصاخبة» لسامي مهدي و«الروح الحية» لفاضل العزاوي و«تهافت الستينيين» لفوزي كريم، وكأن مثل هذه الكتب سنة ابتدعها الستينيون في أنْ يكتبوا عن جيلهم بهذه الطريقة الخالية من الضبط، ولكنها القريبة للحقيقة وللتوصيل، وهناك كتب أخرى صدرت فيما بعد مثل كتاب «حطب إبراهيم» لمحمد مظلوم، حيث تحدث عن الجيل الثمانيني، وكتاب «خريف المثقف» لمحمد غازي الأخرس الذي تحدث عن أجيال عديدة من الثقافة العراقية حتى عبر بهم لحظة ما بعد 2003.
إن ما دعاني للحديث عن هذه الظاهرة المهمة هو كتاب «الرحلة الناقصة» للكاتبة «فاطمة المحسن» والذي أرى أنه وثيقة مهمة تصطف مع كتب الجيل الستيني، لأن معظم ما دار من مذكرات كان شخوصها مثقفي الجيل الستيني أنفسهم، سواء في العراق أيام السبعينيات أو في لندن أو بيروت، يأتي هذا الكتاب، الذي طبع قبل فترة قصيرة مختلفاً نوعاً ما عن بقية الكتب التي ذكرت، فلم تكن فاطمة المحسن منافسة لجيل الشعراء، ولم تدخل معهم بكتابة بيانات شعرية، ولم تزحمهم في منصب، أو نشر قصيدة أو دراسة، لذلك فحجم الوقائع التي تسرد لا تتخللها المصالح الشخصية كما موجودة في كتب الستينيين، أو الكتب التي تلتهم، والتي كتبت من منافسين شرسين، وبروح رسولية في معظمها، وبهذا فإننا كقراء نضمن منطقة حيادية ترويها مثقفة عراقية مهمة رافقت أجيالاً من الشعراء والفنانين والصحافيين والسياسيين، واقتربت منهم، ومن تجاربهم، ومن شخصياتهم كما يرويها الكتاب، وبهذا فالرحلة التي أسمتها بالناقصة، فيها الكثير من الاكتمال، لعل أول تمظهراتها أن الكتاب عبارة عن كشكول ثقافي عالي الجودة، يجمع بين روح السرد الشيِّقة والمشوِّقة وبين الانتقال بوصف الأماكن كما نراه حين تصف بيروت وبغداد والناصرية ولندن، فهي تجتهد كثيراً بتأثيث المكان سردياً، كما تصف بيتها في لندن، أو بالأحرى غرفتها في لندن حيث تقول: «هي غرفة صغيرة لا تتجاوز الأمتار القليلة، ولكنها مطلة على الحديقة، بل تكاد تكون وسطها، وعندما يزهر الورد في الصيف والربيع والخريف تصبح مع قليل من الشمس والموسيقى وطناً للغبطة»، أو كما تصف بيروت أيام السبعينيات، حيث تضيف على روح بيروت لمسة حانية من شابة دخنت السجاير بحرية فيها، وجلست على مقاهيها الأنيقة دون حذر أو خوف، بيروت التي تنقلت فيها فاطمة المحسن مع زوجها عالم الاجتماع الراحل الدكتور فالح عبد الجبار.
ومن ثم يمنح هذا الكتاب إطلالة على الحياة الثقافية والاجتماعية أيام السبعينيات في بغداد وبيروت من انفتاح هائل، ومن حرية تعيشها المرأة العربية، خصوصاً في بيروت أيام دراستها هناك.
المهم في هذا الكتاب كما أراه أنه كتاب نقدي من حيث لا تخطط له فاطمة المحسن، فقد امتلأت صفحاته بآراء نقدية مهمة عن تجارب الشعراء العراقيين، من بلند الحيدري إلى سعدي يوسف، ويوسف الصائغ، وفوزي كريم، وسركَون بولص، وفاضل العزاوي، ومؤيد الراوي، وعشرات آخرين، ولو أن فاطمة المحسن خططت لهذا الكتاب أن تدرس نصوصهم الشعرية ضمن منهج نقدي صارم، لما خرجت بالنتائج النقدية التي تلخص تجاربهم بكل وضوح ودقة، فضلاً عن الآراء النقدية فإن في الكتاب أراء بشخوص أولئك المبدعين، وتحليلاً نفسياً بارعاً لشخوصهم، وجنونهم، وكذبهم، ونكاتهم، ووحشتهم، وقلقهم، وهذا كله جاء عفو الخاطر دون أن تقحمه بمدارس التحليل النفسي، وتحليل الشخصيات ضمن منهج فرويد أو غيره من علماء النفس، إنما سرد هذه الشخوص بتلقائية عالية يمنح القارئ إطلالة كبيرة على نفسية أولئك المبدعين الذين تقسمهم فاطمة المحسن تقسيمات مهمة ما بين شفاهيين عظماء لكنهم من دون نتاج كمؤيد الراوي، وتضع مبرراً لعدم النتاج بوصفه موقفاً عدمياً أمام العالم (جيل الستينات المهاجر استهلكوا أنفسهم مبكراً، وقلة منهم نظروا إلى الكتابة كمصير يستحق التضحية. لعل بعضهم أراد أن يعيش الحياة كحالة شعرية، أو يعيش الشعر والكتابة والقراءات كأوراق مبعثرة على طاولات المقاهي، وثرثرات الأزمنة المؤجلة إلى آخر العمر)، وواقعاً هذا رأي نقدي مهم يفحص تجربة ذلك الجيل من خلال أحاديثهم اليومية المستمرة، ومن خلال النزر اليسير الذي ينشرونه، لتخلص فاطمة المحسن إلى هذه النتيجة الصادمة (وعلى ما عشته من سنوات طويلة مع المثقفين، لم ألتق إلا بالقليل ممن نذر نفسه للكتابة)، وهي نتيجة مهمة خرجت بها المحسن عن تجربة الجيل الستيني المهاجر تحديداً لأنها لم تمر على جيل الستينيات في العراق إلا قليلاً، حيث مرَّت بتجربة يوسف الصائغ أيام عملهم في طريق الشعب وحبه لأغنية «يا منية النفس»، لكنها تتحدث عن يوسف بعاطفة حادة وحانية في نفس الوقت (بعد هذا كله أرى يوسف كما أرى نفسي، فهو لا يحتاج إلى تفسير، فقد كان مثل شخصيات روائية يكتبها العراق كل يوم ويمحوها ويبدل زاوية الكاميرا)، وهكذا تستمر المحسن بتقسيم المثقفين العراقيين من شفاهيين كما ذكرت إلى كسولين يكتفون بالأحاديث الجانبية التي تغطيها بعض المبالغات مثل سركون بولص، ونادراً ما تجد عراقياً يهتم بالكتابة كموقف من الحياة ويصر على ذلك.
الرحلة الناقصة فيها الكثير من الرحلات والتحولات، فيها الحديث الشيق عن المدن دمشق بيروت بغداد لندن بودابست والتي تضع فصلاً أسمته بـ«المدن قبض ريح»، ولكنها اجتهدت كثيراً من خلال لغتها السردية العالية أن تصف تلك المدن وأن تتعامل بحميمية عالية مع تفاصيلها، فلا توجد عقدة المدينة في روح فاطمة، إنما تعد كل المدن التي تمر بها مدنها، بل تجتهد بتأثيث ذاكرتها من خلال هذه المدن، وهي تختلف كثيراً عن عموم العراقيين، الذين لا يفضلون أي مدينة على مدينتهم الأم التي عاشوا بداياتهم فيها، وهي تبرر هذه الروح بالربط ما بين الروح الريفية والروح المدينية، فأصحاب الروح الريفية يبقون يحنون لمدنهم وقراهم ولا يفضلون عليها شيئاً لهذا تجد العراقيين ينزعون نحو هذا الاتجاه.
كما أن في هذا الكتاب إطلالة على أسماء عربية مهمة ارتبطت معهم فاطمة المحسن بعلاقات صداقة وثيقة مثل سعد الله ونوس وعبد الرحمن منيف وغالب هلسا وفيصل دراج وواسيني الأعرج وزينب الأعوج وعبد الله الغذامي وتركي السديري وآخرين مرَّت عليهم وتذكرتهم بنبل كبير، فضلاً عن وقفاتها الطويلة والكثيرة مع فالح عبد الجبار الذي أهدت الكتاب له، رغم أن حديثها عنه لم تتخلله الحميمية العالية مثلما تتحدث عن المدن، فإنها أفردت لفالح الصفحات الأخيرة، حيث تحدثت معه وكأنه يسمعها ويجلس جوارها، وكأن حديثها نعي بصوت امرأة جنوبية تأخر عن موعده.
الرحلة الناقصة كانت ممتلئة بالكثير من الاعترافات التي ليست من عادة العراقيين في أن يكونوا بهذا الوضوح والشفافية في الحديث مثلاً عن علاقتها بأبيها وأنها كانت لا تحبه، أو أنها من عائلة لا يقول بعضهم لبعض صباح الخير، أو أنها تعترف في التعليق على أحداث مرَّت بها، ومتبنيات سياسية وفكرية دفعت الكاتبة ثمنها، لكنها بعد أربعين عاماً تراجعها بالكثير من الأريحية التي انخفض فيها منسوب الشعارات والمانشيتات العريضة التي كانت تؤمن بها، وبهذا فإن هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية تخص فاطمة المحسن فقط، إنما هي سيرة مشتبكة بالشخوص والمدن والسياسة والصحافة، وهي من السير القليلة التي تكتبها النساء المثقفات واللواتي يلجأن في العادة إلى الصمت أو يكتبن سيرهن من خلال ما يبث في الأعمال الروائية أو القصصية بخلاف هذا العمل الذي خرج ليكون سيرة ثقافية لها ولجيلها ولبلدها وللمدن التي بها والشخوص الذين تعرفت عليهم.



تقرير: طليقة أندرو بلا منزل وتقيم لدى أصدقائها بعد فضيحة إبستين

سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)
سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)
TT

تقرير: طليقة أندرو بلا منزل وتقيم لدى أصدقائها بعد فضيحة إبستين

سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)
سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)

تجد سارة فيرغسون، طليقة الأمير البريطاني السابق أندرو، نفسها في وضع معقَّد، بعد عودة الجدل حول قضية الممول الأميركي الراحل جيفري إبستين؛ فمع تجدُّد الاهتمام الإعلامي بالقضية وتسريب رسائل إلكترونية جديدة مرتبطة بها، أصبحت دوقة يورك السابقة بلا مسكن ثابت، وتقيم مؤقتاً لدى أصدقاء، في وقت يزداد فيه حرج المقربين منها بسبب تداعيات الفضيحة.

وذكرت صحيفة «بيج سيكس» أن فيرغسون تواجه صعوبة في إيجاد مكان للإقامة في نيويورك؛ حيث كانت معتادة على زيارتها بانتظام والإقامة لدى أصدقاء، غير أن التطورات الأخيرة المرتبطة بملف إبستين جعلت بعض المقربين منها يترددون في استضافتها.

وتقول مصادر إن فيرغسون أصبحت فعلياً بلا مأوى، منذ أن فقدت المنزل الملكي الذي كانت تقيم فيه مع زوجها السابق، الأمير أندرو. ومنذ ذلك الحين، بدأت تقيم بصورة مؤقتة لدى عدد من الأصدقاء، من بينهم بريسيلا بريسلي.

وعلى الرغم من طلاق فيرغسون والأمير أندرو عام 1996، فإن دوق ودوقة يورك السابقين استمرا في العيش معاً لسنوات طويلة في قصر «رويال لودج» بوندسور. إلا أن هذا الترتيب انتهى، بعدما قرر الملك تشارلز الثالث إبعادهما عن المسكن الملكي، في ظل تداعيات الفضيحة المرتبطة بعلاقة أندرو بالممول المدان بجرائم الاعتداء الجنسي، جيفري إبستين.

وخلال السنوات الماضية، اعتادت فيرغسون زيارة نيويورك بشكل متكرر، وكانت غالباً ما تقيم في منازل أصدقائها هناك. لكن، وفقاً لمصادر مطلعة، فإن الوضع تغيّر أخيراً، بعد الكشف عن رسائل إلكترونية جديدة مرتبطة بإبستين، وهو ما جعل بعض المقربين منها يتعاملون بحذر مع أي ارتباط علني بها في الوقت الراهن.

وقال مصدر مقرّب إن كثيرين نصحوها بتأجيل زياراتها حالياً، موضحاً: «الجميع يخبرها بأن الوقت غير مناسب الآن. صحيح أن الكثيرين يحبونها، لكن الارتباط بأي شخص له صلة بإبستين ليس أمراً حكيماً في الوقت الحالي».

وفي هذه الأثناء، تقيم ابنتها الأميرة يوجيني في نيويورك، غير أن وجود فيرغسون في منزل ابنتها قد يثير حساسية إضافية داخل العائلة، بحسب ما نقلته المصادر؛ إذ تخشى الأم وابنتها أن يؤدي ذلك إلى جذب مزيد من الانتباه الإعلامي وإلحاق ضرر بسمعة العائلة.

وقال مصدر مطلع إن الوضع داخل العائلة الملكية بات شديد الحساسية، موضحاً: «الآن، وبعد أن فقد أندرو لقبه الملكي، أصبحت ابنته يوجيني وشقيقتها الكبرى بياتريس العضوتين الوحيدتين اللتين تُعدان فعلياً جزءاً من العائلة المالكة. لذلك، أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى إبقاؤهما بعيداً قدر الإمكان عن هذه الفضيحة».

وفي تطور زاد من حدة الجدل، كشفت رسائل بريد إلكتروني جديدة عن علاقة وثيقة بين فيرغسون وإبستين؛ إذ ورد أنها تحدثت معه في أكثر من مناسبة بطريقة ودية للغاية، حتى إنها قالت في بعض الرسائل إن عليهما الزواج، كما وصفته بأنه «الأخ الذي لطالما تمنيتُه».

وقد عادت قضية أندرو ماونتباتن وندسور إلى واجهة الاهتمام العام في الآونة الأخيرة، بعد توقيفه للاشتباه في سوء السلوك في منصب عام، في تطور جاء عقب توجيه اتهامات جديدة إليه بعد نَشْر كثير من الوثائق المرتبطة بالممول الأميركي الراحل، جيفري إبستين، المدان بجرائم استغلال الأطفال.

وكان الأمير أندرو قد جُرّد في وقت سابق من ألقابه الملكية ومن امتيازاته الرسمية، كما فقد مسكنه الملكي، بقرار من شقيقه الملك تشارلز الثالث، وذلك بعد سنوات من الجدل والفضائح المرتبطة بعلاقته بإبستين.


«القلق النوويّ» وتوتّر الحرب... خطوات للسيطرة عليهما

الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
TT

«القلق النوويّ» وتوتّر الحرب... خطوات للسيطرة عليهما

الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)

للحروبِ قلقٌ خاصّ بها يسمّيه علم النفس «القلق النووي» (Nuclear Anxiety). هي مجموعة من المشاعر الطبيعية التي تصيب المرء كلما اقتربَ خطرُ الحرب من محيطه. أما العبارة العلمية فتعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية، وهي حالة نفسية ناتجة عن الخوف من احتمال نشوب حربٍ نووية.

يتّخذ قلق الحرب أشكالاً عدة تتجلّى في عوارض جسدية ونفسية، وفي سلوكياتٍ يومية غير معتادة، كأن يتخلّى الفرد عن روتينه ويمضي معظم وقته في متابعة الأخبار الواردة عبر شاشتَي التلفاز والهاتف. لذلك، يطلق علم النفس على قلق الحرب اسماً آخر هو «اضطراب التوتر الناتج عن عناوين الأخبار» (Headline Stress Disorder).

تتسبب الحرب في اضطراب التوتر الناتج عن عناوين الأخبار (بكسلز)

في كل مرةٍ يهتزّ الكوكب على وقع حربٍ وما يرافقها من ريبة وقلقٍ من المجهول، تسارع المنظّمات الصحية والهيئات التي تُعنى بالصحة النفسية إلى تقديم مجموعةٍ من النصائح لتحصين الذات خلال الحروب.

كُن ذكياً في التعامل مع الأخبار ومصادرها

أول ما تحذّر منه منظّمة «يونيسيف»، التصفّح المتواصل لوسائل التواصل الاجتماعي والجلوس الطويل أمام شاشة التلفاز، في مواكبةٍ مستمرة للأحداث والأخبار العاجلة. حتى وإن كانت النيّة الأساسية هي الاطّلاع على ما يجري، وهذا تصرّفٌ طبيعيّ، إلا أنّ المبالغة في المتابعة تضاعف تلقائياً من الشعور بالعجز والخوف والقلق. وما هو أسوأ من ذلك، الوقوع ضحية الأخبار الكاذبة التي تنتشر خلال الأزمات والحروب. لذلك، يجب:

* حصرُ مصادر المعلومات بالمواقع الإخبارية والمنصات الموثوقة

* حَظرُ كل مصدرٍ لا يوحي بالاحترافية والثقة

* إطفاء الإشعارات وتحديد أوقات قراءة الأخبار ومُشاهدتها، كأن يقتصر الأمر على بعض الوقت صباحاً وظهراً، فلا يتحوّل النهار بكامله إلى إدمانٍ على تصفّح الأخبار

* تجنّب التقاط الهاتف فور الاستيقاظ لأنه يتسبب في التوتر

* إطفاء الهاتف قبل ساعة من الخلود إلى النوم يساعد في تهدئة الأعصاب وفي نومٍ هانئ

يجب التحقق من مصادر الأخبار لأن الحرب مساحة خصبة لانتشار الأخبار الكاذبة (بكسلز)

لا تنسَ نفسك

قد ينعكس القلق من الحرب إهمالاً للذات وشعوراً بالشلل الفكري والجسدي. ربما يبدو الأمر صعباً وسط الأخبار السلبيّة، لكنّ الاعتناء بالنفس ضروريّ. وإذا كانت السيطرة على الحرب ليست في مقدور البشر العاديين المتأثّرين بها، فباستطاعتهم في المقابل التركيز على ما يمكنهم السيطرة عليه أي صحتهم الجسدية والنفسية.

تنصح دراسة أجرتها جامعة هارفارد الأميركية بالاستفادة من وقت الفراغ بعيداً عن الأخبار العاجلة والهاتف، من خلال القيام بأنشطة تخفّف من القلق والتوتر:

* المشي ربع ساعة على الأقل في الطبيعة أو الهواء الطلق إذا كانت الظروف مواتية لذلك.

* زيادة ساعات الرياضة فهي قادرة على الحدّ من القلق، وكلما كان التمرين والنشاط البدني عالي الكثافة كانت النتيجة أفضل على الجهاز العصبي والصحة النفسية.

* ممارسة تمارين التنفّس العميق والتأمّل يومياً، ويمكن القيام بذلك بمساعدة تطبيقات متخصصة.

* العناية بالغذاء لا سيما أنّ للتوتّر انعكاساتٍ سلبيّة على الشهيّة تتراوح ما بين انقطاعها وازديادها المفرط.

* القيام بأنشطة ترفيهية بسيطة كالقراءة أو مشاهدة مسلسل أو الحياكة أو العناية بالأزهار والشتول.

* الحصول على كمية كافية من النوم، ويساعد في ذلك استباقُ موعد النوم بالتوقف عن متابعة الأخبار.

القيام بأنشطة ترفيهية بسيطة يساعد في السيطرة على قلق الحرب (بكسلز)

افتحْ قلبك

لا يجدي كبتُ المشاعر نفعاً، بل هو يضاعف الشعور بالقلق. لذلك فإنّ التعبير عن المخاوف خلال الحرب مُباح وطبيعي وليس مدعاةً للخجل. تنصح منظمة «اليونيسيف» بالتواصل مع الأصدقاء ومشاركتهم الهموم والمشاغل، فالكلامُ بحدّ ذاته جزء من العلاج. وإذا تعذّر التواصل مع الأصدقاء والأقرباء، ثمة جمعيات متخصصة في ذلك.

يمكن للتعبير أن يكون كذلك فردياً، ومن بين الوسائل التي يُنصح بها للسيطرة على قلق الحرب:

* تدوين المشاعر على الورق ووصف الإحساس الآنيّ بدقّة

* الاستماع إلى أغنية مؤثّرة

* التعبير رسماً وتلويناً

* عدم إرغام النفس على الإحساس بما لا تحسّ: لا تضغط على نفسك كي تكون سعيداً أو منتِجاً أو نشيطاً.

التعبير عن مشاعر الخوف والقلق كتابةً يساعد في تخطّيها (بيكساباي)

ساعِدْ الآخرين

تبدأ السيطرة على القلق والتوتر بمساعدة النفس، وتكتملُ بمساعدة الآخرين. وخلال الحروب، ثمة دائماً من هو أكثر بحاجة منّا إلى المساندة والدعم. لذلك ينصح الاختصاصيون النفسيون بالتركيز على التعاطف الإنساني واستبدال اللطف بالغضب.

أما المساعدة الميدانية فيمكن أن تكون من خلال التطوّع في برامج خيريّة، تعمل على جمع المواد الغذائية والدوائية وتوزيعها على مَن هم أكثر احتياجاً، أو المشاركة في حلقات دعمٍ للأطفال والترفيه عنهم.


سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.