«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

فاطمة المحسن تستذكر كتاباً ومدناً في العراق والمنفى

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية
TT

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

شكلت كتب السيرة الثقافية أو كتب الأجيال الثقافية السيرية ظاهرة مهمة في الأوساط الثقافية العراقية، ولا أعني بها كتب المذكرات الشخصية، إنما الكتب التي كتبت عن جيل ثقافي، أو أجيال متنوعة في الثقافة العراقية، وأحسب أن هذه الكتب انطوت على رصيد معرفي وثقافي مهم، أولاً لأنها أقرب إلى القلب والذائقة، فهي متخففة كثيراً من أعباء الدراسات النقدية، ومشارط المناهج الحادة التي تشرِّح النصوص أو تضع الشعراء في خانات، وتحولهم إلى جثث هامدة دون رفيف، وثانياً تهتم مثل هذه الكتب بالسير الشخصية للشخصيات الثقافية المعروفة، وتمنح القارئ مساحة مهمة للتعرف على أمزجتهم الخاصة، وكذبهم وادعاءاتهم، أو صدقهم وإخلاصهم، كما أن فيها إطلالة واسعة على التاريخ السياسي والاجتماعي وحتى الديني، حيث تبين تلك السير مراحل الاشتباك السياسي وصراعاته وتحولاته، فهي الأقدر على تبيان ندم المثقفين من عدمه في الانتماء للأحزاب السياسية، فالأحاديث الخاصة التي ترويها تلك السير هي الأكثر وثوقاً بالتأكيد.
ورغم المؤاخذات التي يؤاخذ عليها كتاب السير الثقافية بأنهم يروون فقط ما يعزز وجودهم، ويدعم أفكارهم، وأنهم بالنتيجة يصورون أنفسهم أنبياء وسط عالم صاخب بالفوضى، فإنَّها تبقى وثيقة جمالية واجتماعية وسياسية، وحتى وثيقة نقدية مهمة، ومن هذه الكتب «انفرادات الجيل الستيني» لعبد القادر الجنابي وكتاب «الموجة الصاخبة» لسامي مهدي و«الروح الحية» لفاضل العزاوي و«تهافت الستينيين» لفوزي كريم، وكأن مثل هذه الكتب سنة ابتدعها الستينيون في أنْ يكتبوا عن جيلهم بهذه الطريقة الخالية من الضبط، ولكنها القريبة للحقيقة وللتوصيل، وهناك كتب أخرى صدرت فيما بعد مثل كتاب «حطب إبراهيم» لمحمد مظلوم، حيث تحدث عن الجيل الثمانيني، وكتاب «خريف المثقف» لمحمد غازي الأخرس الذي تحدث عن أجيال عديدة من الثقافة العراقية حتى عبر بهم لحظة ما بعد 2003.
إن ما دعاني للحديث عن هذه الظاهرة المهمة هو كتاب «الرحلة الناقصة» للكاتبة «فاطمة المحسن» والذي أرى أنه وثيقة مهمة تصطف مع كتب الجيل الستيني، لأن معظم ما دار من مذكرات كان شخوصها مثقفي الجيل الستيني أنفسهم، سواء في العراق أيام السبعينيات أو في لندن أو بيروت، يأتي هذا الكتاب، الذي طبع قبل فترة قصيرة مختلفاً نوعاً ما عن بقية الكتب التي ذكرت، فلم تكن فاطمة المحسن منافسة لجيل الشعراء، ولم تدخل معهم بكتابة بيانات شعرية، ولم تزحمهم في منصب، أو نشر قصيدة أو دراسة، لذلك فحجم الوقائع التي تسرد لا تتخللها المصالح الشخصية كما موجودة في كتب الستينيين، أو الكتب التي تلتهم، والتي كتبت من منافسين شرسين، وبروح رسولية في معظمها، وبهذا فإننا كقراء نضمن منطقة حيادية ترويها مثقفة عراقية مهمة رافقت أجيالاً من الشعراء والفنانين والصحافيين والسياسيين، واقتربت منهم، ومن تجاربهم، ومن شخصياتهم كما يرويها الكتاب، وبهذا فالرحلة التي أسمتها بالناقصة، فيها الكثير من الاكتمال، لعل أول تمظهراتها أن الكتاب عبارة عن كشكول ثقافي عالي الجودة، يجمع بين روح السرد الشيِّقة والمشوِّقة وبين الانتقال بوصف الأماكن كما نراه حين تصف بيروت وبغداد والناصرية ولندن، فهي تجتهد كثيراً بتأثيث المكان سردياً، كما تصف بيتها في لندن، أو بالأحرى غرفتها في لندن حيث تقول: «هي غرفة صغيرة لا تتجاوز الأمتار القليلة، ولكنها مطلة على الحديقة، بل تكاد تكون وسطها، وعندما يزهر الورد في الصيف والربيع والخريف تصبح مع قليل من الشمس والموسيقى وطناً للغبطة»، أو كما تصف بيروت أيام السبعينيات، حيث تضيف على روح بيروت لمسة حانية من شابة دخنت السجاير بحرية فيها، وجلست على مقاهيها الأنيقة دون حذر أو خوف، بيروت التي تنقلت فيها فاطمة المحسن مع زوجها عالم الاجتماع الراحل الدكتور فالح عبد الجبار.
ومن ثم يمنح هذا الكتاب إطلالة على الحياة الثقافية والاجتماعية أيام السبعينيات في بغداد وبيروت من انفتاح هائل، ومن حرية تعيشها المرأة العربية، خصوصاً في بيروت أيام دراستها هناك.
المهم في هذا الكتاب كما أراه أنه كتاب نقدي من حيث لا تخطط له فاطمة المحسن، فقد امتلأت صفحاته بآراء نقدية مهمة عن تجارب الشعراء العراقيين، من بلند الحيدري إلى سعدي يوسف، ويوسف الصائغ، وفوزي كريم، وسركَون بولص، وفاضل العزاوي، ومؤيد الراوي، وعشرات آخرين، ولو أن فاطمة المحسن خططت لهذا الكتاب أن تدرس نصوصهم الشعرية ضمن منهج نقدي صارم، لما خرجت بالنتائج النقدية التي تلخص تجاربهم بكل وضوح ودقة، فضلاً عن الآراء النقدية فإن في الكتاب أراء بشخوص أولئك المبدعين، وتحليلاً نفسياً بارعاً لشخوصهم، وجنونهم، وكذبهم، ونكاتهم، ووحشتهم، وقلقهم، وهذا كله جاء عفو الخاطر دون أن تقحمه بمدارس التحليل النفسي، وتحليل الشخصيات ضمن منهج فرويد أو غيره من علماء النفس، إنما سرد هذه الشخوص بتلقائية عالية يمنح القارئ إطلالة كبيرة على نفسية أولئك المبدعين الذين تقسمهم فاطمة المحسن تقسيمات مهمة ما بين شفاهيين عظماء لكنهم من دون نتاج كمؤيد الراوي، وتضع مبرراً لعدم النتاج بوصفه موقفاً عدمياً أمام العالم (جيل الستينات المهاجر استهلكوا أنفسهم مبكراً، وقلة منهم نظروا إلى الكتابة كمصير يستحق التضحية. لعل بعضهم أراد أن يعيش الحياة كحالة شعرية، أو يعيش الشعر والكتابة والقراءات كأوراق مبعثرة على طاولات المقاهي، وثرثرات الأزمنة المؤجلة إلى آخر العمر)، وواقعاً هذا رأي نقدي مهم يفحص تجربة ذلك الجيل من خلال أحاديثهم اليومية المستمرة، ومن خلال النزر اليسير الذي ينشرونه، لتخلص فاطمة المحسن إلى هذه النتيجة الصادمة (وعلى ما عشته من سنوات طويلة مع المثقفين، لم ألتق إلا بالقليل ممن نذر نفسه للكتابة)، وهي نتيجة مهمة خرجت بها المحسن عن تجربة الجيل الستيني المهاجر تحديداً لأنها لم تمر على جيل الستينيات في العراق إلا قليلاً، حيث مرَّت بتجربة يوسف الصائغ أيام عملهم في طريق الشعب وحبه لأغنية «يا منية النفس»، لكنها تتحدث عن يوسف بعاطفة حادة وحانية في نفس الوقت (بعد هذا كله أرى يوسف كما أرى نفسي، فهو لا يحتاج إلى تفسير، فقد كان مثل شخصيات روائية يكتبها العراق كل يوم ويمحوها ويبدل زاوية الكاميرا)، وهكذا تستمر المحسن بتقسيم المثقفين العراقيين من شفاهيين كما ذكرت إلى كسولين يكتفون بالأحاديث الجانبية التي تغطيها بعض المبالغات مثل سركون بولص، ونادراً ما تجد عراقياً يهتم بالكتابة كموقف من الحياة ويصر على ذلك.
الرحلة الناقصة فيها الكثير من الرحلات والتحولات، فيها الحديث الشيق عن المدن دمشق بيروت بغداد لندن بودابست والتي تضع فصلاً أسمته بـ«المدن قبض ريح»، ولكنها اجتهدت كثيراً من خلال لغتها السردية العالية أن تصف تلك المدن وأن تتعامل بحميمية عالية مع تفاصيلها، فلا توجد عقدة المدينة في روح فاطمة، إنما تعد كل المدن التي تمر بها مدنها، بل تجتهد بتأثيث ذاكرتها من خلال هذه المدن، وهي تختلف كثيراً عن عموم العراقيين، الذين لا يفضلون أي مدينة على مدينتهم الأم التي عاشوا بداياتهم فيها، وهي تبرر هذه الروح بالربط ما بين الروح الريفية والروح المدينية، فأصحاب الروح الريفية يبقون يحنون لمدنهم وقراهم ولا يفضلون عليها شيئاً لهذا تجد العراقيين ينزعون نحو هذا الاتجاه.
كما أن في هذا الكتاب إطلالة على أسماء عربية مهمة ارتبطت معهم فاطمة المحسن بعلاقات صداقة وثيقة مثل سعد الله ونوس وعبد الرحمن منيف وغالب هلسا وفيصل دراج وواسيني الأعرج وزينب الأعوج وعبد الله الغذامي وتركي السديري وآخرين مرَّت عليهم وتذكرتهم بنبل كبير، فضلاً عن وقفاتها الطويلة والكثيرة مع فالح عبد الجبار الذي أهدت الكتاب له، رغم أن حديثها عنه لم تتخلله الحميمية العالية مثلما تتحدث عن المدن، فإنها أفردت لفالح الصفحات الأخيرة، حيث تحدثت معه وكأنه يسمعها ويجلس جوارها، وكأن حديثها نعي بصوت امرأة جنوبية تأخر عن موعده.
الرحلة الناقصة كانت ممتلئة بالكثير من الاعترافات التي ليست من عادة العراقيين في أن يكونوا بهذا الوضوح والشفافية في الحديث مثلاً عن علاقتها بأبيها وأنها كانت لا تحبه، أو أنها من عائلة لا يقول بعضهم لبعض صباح الخير، أو أنها تعترف في التعليق على أحداث مرَّت بها، ومتبنيات سياسية وفكرية دفعت الكاتبة ثمنها، لكنها بعد أربعين عاماً تراجعها بالكثير من الأريحية التي انخفض فيها منسوب الشعارات والمانشيتات العريضة التي كانت تؤمن بها، وبهذا فإن هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية تخص فاطمة المحسن فقط، إنما هي سيرة مشتبكة بالشخوص والمدن والسياسة والصحافة، وهي من السير القليلة التي تكتبها النساء المثقفات واللواتي يلجأن في العادة إلى الصمت أو يكتبن سيرهن من خلال ما يبث في الأعمال الروائية أو القصصية بخلاف هذا العمل الذي خرج ليكون سيرة ثقافية لها ولجيلها ولبلدها وللمدن التي بها والشخوص الذين تعرفت عليهم.



بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)
جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)
جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

​قاد بلاغ من مواطن مصري عن كتلة حجرية تحمل نقوشاً عُثر عليها في قطعة أرض يمتلكها أمام منزله بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، إلى كشف أثري بارز في المحافظة الواقعة بدلتا النيل.

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، كشف إبلاغ المواطن -الذي لم تَكشف عن هويته- عن بقايا تمثالين ملكيين ضخمين، أحدهما للملك رمسيس الثاني، بينما يُرجح أن يعود الآخر إلى الملك نفسه، إلى جانب كتلة من الجرانيت الوردي تحمل نقوشاً هيروغليفية تتضمن ألقاباً ملكية.

وبادر المواطن بإبلاغ الجهات المعنية فور العثور على الكتلة خلال تأدية عمله في أرضه، لينتقل المسؤولون إلى الموقع وتُجرى معاينة مبدئية أكدت أثريتها. وعقب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وتشكيل لجنة أثرية وفريق متخصص من المجلس الأعلى للآثار، أسفرت حفائر الإنقاذ عن الكشف عن بقايا التمثالين والكتلة الجرانيتية.

نقوش على اكتشاف أثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

وانتقل التفتيش الأثري التابع للمجلس الأعلى للآثار إلى الموقع، واتخذت البعثة الإجراءات القانونية اللازمة، وحررت محاضر إثبات الواقعة، كما شُكِّلت لجنة أثرية وفريق عمل متخصص لبدء حفائر الإنقاذ التي أسفرت عن الكشف عن بقايا التمثالين والكتلة الجرانيتية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي عن تقديره لهذا الكشف الأثري، مؤكداً أنه يمثل إضافة مهمة للاكتشافات الأثرية التي تشهدها مصر، ويسهم في إلقاء مزيد من الضوء على تاريخ منطقة بهبيت الحجارة وأهميتها الأثرية والحضارية. وأشار إلى حرص الوزارة على مواصلة أعمال البحث والتنقيب الأثري بمختلف المواقع على مستوى الجمهورية، بالتوازي مع جهود حماية التراث الأثري والحفاظ عليه، مثمناً وعي المواطن الذي بادر بالإبلاغ عن الكتلة الحجرية فور العثور عليها، بما يعكس أهمية دور المجتمع في حماية التراث الحضاري المصري وصونه للأجيال القادمة.

رأس ضخم لرمسيس الثاني

من جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، هشام الليثي، أن الكشف الأول يتمثل في رأس ضخم لتمثال الملك رمسيس الثاني، يبلغ ارتفاعه نحو 1.60 متر، ويظهر الملك مرتدياً التاج المزدوج، الذي يرمز إلى توحيد مصر العليا والسفلى.

جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

كما عُثر على بقايا الجزء العلوي من عمود الظهر الخاص بالتمثال، والذي يحمل نقشاً باللقب الحوري للملك «حر كا نخت مري ماعت»، وأضاف أن حجم الرأس المكتشف يشير إلى أن الارتفاع الأصلي للتمثال، شاملاً قاعدته، ربما بلغ نحو 8.5 متر، وهو ما يعكس ضخامة التمثال وأهميته الفنية.

أما الكشف الثاني، فيتمثل في الجزء الأكبر من تمثال ملكي يبلغ طوله نحو 2.40 متر، يُرجح أنه يعود أيضاً إلى الملك رمسيس الثاني، ويفتقد ساقيه وقاعدته، ويظهر الملك مرتدياً غطاء الرأس الملكي المعروف باسم «النمس»، مع فقدان جزء من أعلاه. كما تم الكشف عن رأس التمثال الذي لا تزال ملامح وجهه واضحة وبحالة جيدة من الحفظ، وتتشابه مع ملامح التمثال الأول.

أما الكتلة فهي مصنوعة من الجرانيت الوردي، ويبلغ طولها نحو 1.30 متر، وتقع على مسافة متر واحد تقريباً إلى الشمال من التمثال الثاني، وتحمل بقايا نقوش هيروغليفية تتضمن لقبَين للملك رمسيس الثاني، وهما «نسو بيتي» (ملك مصر العليا والسفلى) و«سا رع» (ابن رع).

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن أعمال الحفائر والدراسات الأثرية بالموقع مستمرة، بهدف الكشف عن مزيد من العناصر الأثرية، ودراسة طبيعة القطع المكتشفة وعلاقة بعضها ببعض وبالموقع، بما يسهم في تكوين صورة أكثر وضوحاً عن التمثالين وتاريخ المنطقة وتطورها المعماري خلال العصور المصرية القديمة.

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية تُعد من المواقع الأثرية المهمة في دلتا مصر، وتشتهر ببقايا معبد ضخم كان مكرساً لعبادة «الإلهة إيزيس»، فضلاً عما تضمه من كتل وعناصر معمارية من الجرانيت، تعكس الأهمية الدينية والمعمارية التي حظيت بها المنطقة في مصر القديمة.


الحُبُّ كسرَ قلبك؟ دَع الطعام يرمِّمه ويُداويك

وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)
وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)
TT

الحُبُّ كسرَ قلبك؟ دَع الطعام يرمِّمه ويُداويك

وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)
وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)

​قبل سنوات، أطلق أحد أهم مصنّعي المثلّجات في المكسيك تسمياتٍ غير مألوفة على نكهاته. خصّص 5 أنواع من البوظة لمُنكَسري القلوب الخارجين للتوّ من علاقة عاطفية، كي ترافقهم في مراحل الحزن الخمس المتعارف عليها في علم النفس.

أطلق على الفانيلا اسم «إنكار»؛ لأنّ طعمها المهدّئ والمريح يساعد على امتصاص صدمة ما بعد الانفصال العاطفي. انسكبت نكهة الماتشا على آيس كريم «الغضب»، لِما في العشبة الخضراء من مكوّنات تحفّز على الاسترخاء. أما الشوكولاتة فعلاجُ «الحزن» طبعاً، وتَليها نكهة الفواكه الحمراء المخصصة لمرحلة «التقبّل». تبقى المانجا التي ربطها صانع المثلّجات بـ«الأمل» واعداً متذوّقيها بأن تُهَيّئهم لحبٍّ جديد.

ابتكر صانع مثلجات مكسيكي بوظة لمداواة القلوب المنكسرة (بكسلز)

القلب خاسر في كل الأحوال

غالباً ما يلجأ الأشخاص الخارجون من علاقة حب بقلبٍ منكَسِر إلى الأكل بطريقةٍ مفرطة وغير واعية، في محاولة للتعويض عن الفراغ العاطفي. يُذوّبون أحزانهم في أكواب الآيس كريم، ويُغرقون دموعهم في أكياس الشيبس الضخمة وألواح الشوكولاتة، وفي أطباق الهامبرغر وشرائح البيتزا، ما يؤدّي إلى زيادة في الوزن إذا ما استمرّ الانزواء في غرفة النوم طويلاً.

في المقابل، يفقد أشخاصٌ آخرون شهيّتهم بعد الصدمة العاطفية فيمتنعون عن الطعام حتى لو وصلوا إلى مرحلة الجوع الشديد، وهذا قد يتسبب في مضاعفة وجع القلب على المدى البعيد.

بعد الصدمة العاطفية غالباً ما يكون رد الفعل الإفراط في الطعام (بكسلز)

العِلم يدعم النظريّة

لكن ماذا لو كان ثمّة طعامٌ صحّي يساعد فعلاً في ترميم القلوب المنكسرة بعد الانفصال؟

قد يبدو ذلك ضرباً من الخيال، أو على الأقلّ وعداً واهياً يُطلَق لمساعدة منكسري القلوب على تجاوز المرحلة، إلا أنّ العلمَ يؤكّد أنّ في الأمر كثيراً من الحقيقة.

يمكن للطعام أن يلعب دوراً -ولو جزئياً- في الشفاء من الخيبة العاطفية وانكسار القلب. هذه هي النتيجة التي توصّل إليها باحثون من جامعة «جونز هوبكنز» الأميركية عام 2022؛ إذ وجدوا أنّ «المركّبات النشطة بيولوجياً والمرتبطة بنظام غذائي صحي يضم الفواكه والخضراوات والأحماض الدهنية والألياف، تتفاعل بشكل إيجابي مع المسارات الحيوية المتعلقة بالالتهاب والإجهاد التأكسدي واختلال وظائف الميتوكوندريا، وهي عوامل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحة النفسية».

وتحرص اختصاصية التغذية جويل نهرا على التوضيح في حديثها مع «الشرق الأوسط»، قائلة: «ليس هناك طعام يعالج القلب المكسور أو يسرّع التجاوز بكل ما للكلمة من معنى. إلا أنّ ثمة أطعمة قادرة على دعم الدماغ والجسم في حالات الانفصال العاطفي، وذلك بمواجهة التوتّر واضطرابات النوم والشهية». أما مَن يعانون انقطاعاً أو إفراطاً في الشهية بسبب الصدمة العاطفية، فهي تنصحهم بالوجبات الصغيرة والمتقطّعة والمتوازنة.

باحثون في جامعة «جونز هوبكنز» وجدوا أنَّ الطعام يساعد في علاج القلب المكسور (بكسلز)

الشوكولاتة الداكنة

في طليعة قائمة الأطعمة التي تدعم القلوب المكسورة، الشوكولاتة الداكنة. وتشير نهرا إلى أنَّ «ما فيها من كاكاو وبوليفينول وماغنيسيوم يلعب دوراً أساسياً في تحسين المزاج والتخفيف من القلق».

ويأتي بحثٌ أجراه «مركز نستله للبحوث» في سويسرا ليدعم تلك النظرية، مؤكّداً أنّ استهلاك 40 ملّيغراماً من الشوكولاتة الداكنة في اليوم الواحد مدّة أسبوعين، يمكن أن يساعد في خفض مستويات هرمون التوتّر (الكورتيزول).

غير أنّ اختصاصية التغذية تحذّر مَن يعبرون أزمة عاطفية قاسية، من الإفراط في استهلاكها؛ لأنها قد تتسبب في الأرق وآلام الأمعاء وزيادة الوزن.

تتصدَّر الشوكولاتة الداكنة قائمة الأطعمة المساعدة في التئام القلوب المكسورة (بكسلز)

حساء الدجاج

من بين أكثر الأطعمة التي يتقبّلها من فارقوا حبيباً ففقدوا الشهيّة، حساء الدجاج. ولا يُنكر العلم الفوائد العاطفية لهذا الطبق الدافئ، فوفق دراسة نُشرت في مجلّة «جمعية العلوم النفسيّة» يولّد تناول الحساء مشاعر نفسية إيجابية ويقلّل من الشعور بالوحدة.

ويبقى حساء الدجاج المُعَدّ منزلياً الخيار الأفضل؛ لا سيما عند تحضيره مع الخضراوات. ولكن لحساء العدس أو الطماطم فوائده العاطفية كذلك.

حساء الدجاج من الخيارات المفضَّلة لدى منكسري القلوب (بكسلز)

الخرشوف صديق القلب المخسوف

في عام 2021، وجدت دراسة أعدّتها جامعة إديث كوان في أستراليا، أنّ أي حمية غذائية غنية بالخضراوات والفواكه الطازجة تعود بمنفعة كبيرة على الصحة النفسية لمَن يعتمدونها.

وتؤكّد اختصاصية التغذية جويل نهرا هذه النظرية، لافتة إلى أنّ «الفاكهة والخضراوات تحتوي على مضادات للأكسدة ومعادن وألياف، وهي كلها مفيدة للاستقرار النفسي».

لكن من بين خيرات الأرض الكثيرة يتربّع الخرشوف، المعروف أيضاً بـ«الأرضي شوكي»، على عرش «الطبطبة». فوفق دراسة أجرتها جامعة كولورادو الأميركية، يُحسّن الخرشوف الغني بالبروبيوتيك جودة النوم، ويخفّف من الغضب؛ إذ إنه يعزّز مستويات البكتيريا المعويّة في مواجهة التوتّر.

كما يحتوي الخرشوف على نِسَب عالية من البوتاسيوم والماغنيسيوم وفيتامينات C وK، وهي عناصر تلعب دوراً مهماً في تعزيز استجابة الجسم للتوتّر والحزن.

الخرشوف صديق القلوب المكسورة (بكسلز)

الأسماك وسائر البروتينات

على قائمة الأطعمة التي تساعد في مداواة القلب المكسور، الأسماك الدهنية الغنية بـ«أوميغا 3»، مثل السلمون والسردين. وتلفت نهرا إلى أنها «أساسية لصحة الدماغ والجهاز العصبي»، مضيفة أنّ «كل مصادر البروتين -وعلى رأسها البيض واللحوم والدجاج والبقوليات- تساهم في تنظيم هرمون السيروتونين المسؤول عن تعديل المزاج والشعور بالسعادة».

وتلفت اختصاصية التغذية كذلك إلى مكوّن أساسي آخر في مرحلة الانفصال العاطفي، وهو المكسّرات والبذور النيئة المفيدة لصحة الدماغ.

للأسماك الغنية بـ«أوميغا 3» مثل السلمون دور في تعزيز الاستقرار النفسي والعصبي (بكسلز)

لكن ليس بالطعام وحده يلتئم القلب المكسور. فإلى جانب الغذاء المتوازن، والتخفيف من السكّر والكحوليّات، يجب شرب كمية كافية من المياه، وممارسة الرياضة، والخروج من المنزل، والاختلاط بالأصدقاء.


في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.