«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

فاطمة المحسن تستذكر كتاباً ومدناً في العراق والمنفى

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية
TT

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

«الرحلة الناقصة»... سير الأجيال الثقافية

شكلت كتب السيرة الثقافية أو كتب الأجيال الثقافية السيرية ظاهرة مهمة في الأوساط الثقافية العراقية، ولا أعني بها كتب المذكرات الشخصية، إنما الكتب التي كتبت عن جيل ثقافي، أو أجيال متنوعة في الثقافة العراقية، وأحسب أن هذه الكتب انطوت على رصيد معرفي وثقافي مهم، أولاً لأنها أقرب إلى القلب والذائقة، فهي متخففة كثيراً من أعباء الدراسات النقدية، ومشارط المناهج الحادة التي تشرِّح النصوص أو تضع الشعراء في خانات، وتحولهم إلى جثث هامدة دون رفيف، وثانياً تهتم مثل هذه الكتب بالسير الشخصية للشخصيات الثقافية المعروفة، وتمنح القارئ مساحة مهمة للتعرف على أمزجتهم الخاصة، وكذبهم وادعاءاتهم، أو صدقهم وإخلاصهم، كما أن فيها إطلالة واسعة على التاريخ السياسي والاجتماعي وحتى الديني، حيث تبين تلك السير مراحل الاشتباك السياسي وصراعاته وتحولاته، فهي الأقدر على تبيان ندم المثقفين من عدمه في الانتماء للأحزاب السياسية، فالأحاديث الخاصة التي ترويها تلك السير هي الأكثر وثوقاً بالتأكيد.
ورغم المؤاخذات التي يؤاخذ عليها كتاب السير الثقافية بأنهم يروون فقط ما يعزز وجودهم، ويدعم أفكارهم، وأنهم بالنتيجة يصورون أنفسهم أنبياء وسط عالم صاخب بالفوضى، فإنَّها تبقى وثيقة جمالية واجتماعية وسياسية، وحتى وثيقة نقدية مهمة، ومن هذه الكتب «انفرادات الجيل الستيني» لعبد القادر الجنابي وكتاب «الموجة الصاخبة» لسامي مهدي و«الروح الحية» لفاضل العزاوي و«تهافت الستينيين» لفوزي كريم، وكأن مثل هذه الكتب سنة ابتدعها الستينيون في أنْ يكتبوا عن جيلهم بهذه الطريقة الخالية من الضبط، ولكنها القريبة للحقيقة وللتوصيل، وهناك كتب أخرى صدرت فيما بعد مثل كتاب «حطب إبراهيم» لمحمد مظلوم، حيث تحدث عن الجيل الثمانيني، وكتاب «خريف المثقف» لمحمد غازي الأخرس الذي تحدث عن أجيال عديدة من الثقافة العراقية حتى عبر بهم لحظة ما بعد 2003.
إن ما دعاني للحديث عن هذه الظاهرة المهمة هو كتاب «الرحلة الناقصة» للكاتبة «فاطمة المحسن» والذي أرى أنه وثيقة مهمة تصطف مع كتب الجيل الستيني، لأن معظم ما دار من مذكرات كان شخوصها مثقفي الجيل الستيني أنفسهم، سواء في العراق أيام السبعينيات أو في لندن أو بيروت، يأتي هذا الكتاب، الذي طبع قبل فترة قصيرة مختلفاً نوعاً ما عن بقية الكتب التي ذكرت، فلم تكن فاطمة المحسن منافسة لجيل الشعراء، ولم تدخل معهم بكتابة بيانات شعرية، ولم تزحمهم في منصب، أو نشر قصيدة أو دراسة، لذلك فحجم الوقائع التي تسرد لا تتخللها المصالح الشخصية كما موجودة في كتب الستينيين، أو الكتب التي تلتهم، والتي كتبت من منافسين شرسين، وبروح رسولية في معظمها، وبهذا فإننا كقراء نضمن منطقة حيادية ترويها مثقفة عراقية مهمة رافقت أجيالاً من الشعراء والفنانين والصحافيين والسياسيين، واقتربت منهم، ومن تجاربهم، ومن شخصياتهم كما يرويها الكتاب، وبهذا فالرحلة التي أسمتها بالناقصة، فيها الكثير من الاكتمال، لعل أول تمظهراتها أن الكتاب عبارة عن كشكول ثقافي عالي الجودة، يجمع بين روح السرد الشيِّقة والمشوِّقة وبين الانتقال بوصف الأماكن كما نراه حين تصف بيروت وبغداد والناصرية ولندن، فهي تجتهد كثيراً بتأثيث المكان سردياً، كما تصف بيتها في لندن، أو بالأحرى غرفتها في لندن حيث تقول: «هي غرفة صغيرة لا تتجاوز الأمتار القليلة، ولكنها مطلة على الحديقة، بل تكاد تكون وسطها، وعندما يزهر الورد في الصيف والربيع والخريف تصبح مع قليل من الشمس والموسيقى وطناً للغبطة»، أو كما تصف بيروت أيام السبعينيات، حيث تضيف على روح بيروت لمسة حانية من شابة دخنت السجاير بحرية فيها، وجلست على مقاهيها الأنيقة دون حذر أو خوف، بيروت التي تنقلت فيها فاطمة المحسن مع زوجها عالم الاجتماع الراحل الدكتور فالح عبد الجبار.
ومن ثم يمنح هذا الكتاب إطلالة على الحياة الثقافية والاجتماعية أيام السبعينيات في بغداد وبيروت من انفتاح هائل، ومن حرية تعيشها المرأة العربية، خصوصاً في بيروت أيام دراستها هناك.
المهم في هذا الكتاب كما أراه أنه كتاب نقدي من حيث لا تخطط له فاطمة المحسن، فقد امتلأت صفحاته بآراء نقدية مهمة عن تجارب الشعراء العراقيين، من بلند الحيدري إلى سعدي يوسف، ويوسف الصائغ، وفوزي كريم، وسركَون بولص، وفاضل العزاوي، ومؤيد الراوي، وعشرات آخرين، ولو أن فاطمة المحسن خططت لهذا الكتاب أن تدرس نصوصهم الشعرية ضمن منهج نقدي صارم، لما خرجت بالنتائج النقدية التي تلخص تجاربهم بكل وضوح ودقة، فضلاً عن الآراء النقدية فإن في الكتاب أراء بشخوص أولئك المبدعين، وتحليلاً نفسياً بارعاً لشخوصهم، وجنونهم، وكذبهم، ونكاتهم، ووحشتهم، وقلقهم، وهذا كله جاء عفو الخاطر دون أن تقحمه بمدارس التحليل النفسي، وتحليل الشخصيات ضمن منهج فرويد أو غيره من علماء النفس، إنما سرد هذه الشخوص بتلقائية عالية يمنح القارئ إطلالة كبيرة على نفسية أولئك المبدعين الذين تقسمهم فاطمة المحسن تقسيمات مهمة ما بين شفاهيين عظماء لكنهم من دون نتاج كمؤيد الراوي، وتضع مبرراً لعدم النتاج بوصفه موقفاً عدمياً أمام العالم (جيل الستينات المهاجر استهلكوا أنفسهم مبكراً، وقلة منهم نظروا إلى الكتابة كمصير يستحق التضحية. لعل بعضهم أراد أن يعيش الحياة كحالة شعرية، أو يعيش الشعر والكتابة والقراءات كأوراق مبعثرة على طاولات المقاهي، وثرثرات الأزمنة المؤجلة إلى آخر العمر)، وواقعاً هذا رأي نقدي مهم يفحص تجربة ذلك الجيل من خلال أحاديثهم اليومية المستمرة، ومن خلال النزر اليسير الذي ينشرونه، لتخلص فاطمة المحسن إلى هذه النتيجة الصادمة (وعلى ما عشته من سنوات طويلة مع المثقفين، لم ألتق إلا بالقليل ممن نذر نفسه للكتابة)، وهي نتيجة مهمة خرجت بها المحسن عن تجربة الجيل الستيني المهاجر تحديداً لأنها لم تمر على جيل الستينيات في العراق إلا قليلاً، حيث مرَّت بتجربة يوسف الصائغ أيام عملهم في طريق الشعب وحبه لأغنية «يا منية النفس»، لكنها تتحدث عن يوسف بعاطفة حادة وحانية في نفس الوقت (بعد هذا كله أرى يوسف كما أرى نفسي، فهو لا يحتاج إلى تفسير، فقد كان مثل شخصيات روائية يكتبها العراق كل يوم ويمحوها ويبدل زاوية الكاميرا)، وهكذا تستمر المحسن بتقسيم المثقفين العراقيين من شفاهيين كما ذكرت إلى كسولين يكتفون بالأحاديث الجانبية التي تغطيها بعض المبالغات مثل سركون بولص، ونادراً ما تجد عراقياً يهتم بالكتابة كموقف من الحياة ويصر على ذلك.
الرحلة الناقصة فيها الكثير من الرحلات والتحولات، فيها الحديث الشيق عن المدن دمشق بيروت بغداد لندن بودابست والتي تضع فصلاً أسمته بـ«المدن قبض ريح»، ولكنها اجتهدت كثيراً من خلال لغتها السردية العالية أن تصف تلك المدن وأن تتعامل بحميمية عالية مع تفاصيلها، فلا توجد عقدة المدينة في روح فاطمة، إنما تعد كل المدن التي تمر بها مدنها، بل تجتهد بتأثيث ذاكرتها من خلال هذه المدن، وهي تختلف كثيراً عن عموم العراقيين، الذين لا يفضلون أي مدينة على مدينتهم الأم التي عاشوا بداياتهم فيها، وهي تبرر هذه الروح بالربط ما بين الروح الريفية والروح المدينية، فأصحاب الروح الريفية يبقون يحنون لمدنهم وقراهم ولا يفضلون عليها شيئاً لهذا تجد العراقيين ينزعون نحو هذا الاتجاه.
كما أن في هذا الكتاب إطلالة على أسماء عربية مهمة ارتبطت معهم فاطمة المحسن بعلاقات صداقة وثيقة مثل سعد الله ونوس وعبد الرحمن منيف وغالب هلسا وفيصل دراج وواسيني الأعرج وزينب الأعوج وعبد الله الغذامي وتركي السديري وآخرين مرَّت عليهم وتذكرتهم بنبل كبير، فضلاً عن وقفاتها الطويلة والكثيرة مع فالح عبد الجبار الذي أهدت الكتاب له، رغم أن حديثها عنه لم تتخلله الحميمية العالية مثلما تتحدث عن المدن، فإنها أفردت لفالح الصفحات الأخيرة، حيث تحدثت معه وكأنه يسمعها ويجلس جوارها، وكأن حديثها نعي بصوت امرأة جنوبية تأخر عن موعده.
الرحلة الناقصة كانت ممتلئة بالكثير من الاعترافات التي ليست من عادة العراقيين في أن يكونوا بهذا الوضوح والشفافية في الحديث مثلاً عن علاقتها بأبيها وأنها كانت لا تحبه، أو أنها من عائلة لا يقول بعضهم لبعض صباح الخير، أو أنها تعترف في التعليق على أحداث مرَّت بها، ومتبنيات سياسية وفكرية دفعت الكاتبة ثمنها، لكنها بعد أربعين عاماً تراجعها بالكثير من الأريحية التي انخفض فيها منسوب الشعارات والمانشيتات العريضة التي كانت تؤمن بها، وبهذا فإن هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية تخص فاطمة المحسن فقط، إنما هي سيرة مشتبكة بالشخوص والمدن والسياسة والصحافة، وهي من السير القليلة التي تكتبها النساء المثقفات واللواتي يلجأن في العادة إلى الصمت أو يكتبن سيرهن من خلال ما يبث في الأعمال الروائية أو القصصية بخلاف هذا العمل الذي خرج ليكون سيرة ثقافية لها ولجيلها ولبلدها وللمدن التي بها والشخوص الذين تعرفت عليهم.



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».