كاسلي - هايفورد.. قصة نجاح تلخص ثقافة جيلين

تصاميم تتأرجح بين احترام التقاليد الإنجليزية العريقة والتمرد عليها

من عرضهما الأخير  -  من عرضهما لربيع وصيف 2015  -  صورة تجمع الأب والابن  -  تصاميم تعكس قدرة عالية على التفصيل والابتكار
من عرضهما الأخير - من عرضهما لربيع وصيف 2015 - صورة تجمع الأب والابن - تصاميم تعكس قدرة عالية على التفصيل والابتكار
TT

كاسلي - هايفورد.. قصة نجاح تلخص ثقافة جيلين

من عرضهما الأخير  -  من عرضهما لربيع وصيف 2015  -  صورة تجمع الأب والابن  -  تصاميم تعكس قدرة عالية على التفصيل والابتكار
من عرضهما الأخير - من عرضهما لربيع وصيف 2015 - صورة تجمع الأب والابن - تصاميم تعكس قدرة عالية على التفصيل والابتكار

منذ نحو 30 عاما، وقبل أن يتحول الطرف الشرقي من لندن إلى مركز للشباب ومحبي أحدث صيحات الموضة والفنون، كان المصمم كاسلي - هايفورد يمتلك استوديو بالمنطقة. كان الوحيد آنذاك وكانت مساحته في حجم ملعب كرة القدم تقريبا. كان الاستوديو مكان الإبداع بالنسبة للمصمم، بينما كان منزل عائلته يقع في نهاية الشارع، أي أنه ابن المنطقة التي كانت مغمورة، يثير مجرد ذكر اسمها مزيجا من الخوف والإثارة. يقول كاسلي - هايفورد: «لم يكن من الممكن أن تشتري فنجان كابتشينو هنا». لكن شتان بين الماضي والحاضر، فالمنطقة حاليا تحتضن فندق «آيس» المشهور كما تستقبل وافدين من الشباب الذين ينعشونها ويضفون عليها حيوية ورقيا في الوقت ذاته. اختفت ظاهرة فتيات الليل، التي كانت سمة الحي منذ أيام جاك السفاح الذي كان جزءا من المنطقة وجعلها مرتعا لجرائمه. رغم كل السلبيات في ذلك الوقت، استمرت عائلة كاسلي - هايفورد تقيم وتعمل في الجوار. بعد أن شب الابن، غادر بيت العائلة، لكنه انضم للعمل مع والده بعد أن تلقى تعليمه في مجال الفن وبعد أن عمل لفترة قصيرة في مجال تصميم الأزياء وحده. وعلى مدار 5 أعوام، أنتج الاثنان خطا رجاليا للأزياء يحمل اسمهما.
فاسم العائلة يمثل بالنسبة لهما التقاء جيلين ووجهتي نظر. يقدم الأب جو كاسلي - هايفورد (الذي يبلغ من العمر 58 عاما) تصاميم كلاسيكية، بحكم أنه تلقى تدريبه في أكاديمية الحياكة (تايلور أند كاتر) العريقة، وعمل مع مصمم الأزياء دوغلاس هايوارد، كما عمل مديرا إبداعيا في شركة «جيفز أند هوكس» الواقعة في سافيل رو. أما ابنه الذي يبلغ من العمر 28 عاما، فيعكس ثقافة أبناء جيله، فقد ظهر كعارض أزياء لصالح كل من «كونفرس» و«دكتور مارتينز» ومجلة «دبليو».
يقول جيمس براون، وهو مالك متجر (هوستم) المحلي الذي يعرض خط أزياء الأب والابن منذ إطلاقه في عام 2010: «ولد تشارلي ونشأ في هذا الحي. إنه ينتمي إلى هذا المجتمع المبدع الذي حقق الكثير في شرق لندن. أعتقد أن أسلوبهما تأثر كثيرا بالمنطقة والجنسيات المختلفة المقيمة بها، مثل الثقافة البنغلاديشية وغيرها من الثقافات».
من جهته، يصف جو كاسلي - هايفورد أسلوبهما قائلا: «نجمع فيه أريحية التصميم الإنجليزي وفوضى الابتكار البريطاني»، ومع ذلك لا ينفصل النقيضان مع اختلاف الجيلين، إذ إن الفوضى التي يقدمها الأب تشبه كثيرا تلك التي يقدمها ابنه. فقد كان هذا المبدأ أيضا أحد الأسس التي قام عليها خط إنتاج جو كاسلي - هايفورد، الذي أطلقه عام 1984 باسمه، وجعلت فرقا موسيقية مثل (كلاش) و(يو2) تفضله وتقبل على ارتداء تصاميمه على خشبات المسرح.
حتى خلال عمله مع «جيفيز أند هوكس» المرتبطة بكثير من أفراد العائلة الملكية البريطانية والطبقات الأرستقراطية، كان يطلق العنان لخياله الجامح. فقد كان أشهر عمل من تصميمه لهم عبارة عن زوج من الأحذية الرجالية ذات طرف مستدق وبدلا من أن يحمل الحذاء زينة وثقوبا موضوعة بدقة، امتلأ بثقوب مزينة متفرقة على الحذاء كله.
ولا ينكر المصمم الأب أنه طوال حياته المهنية، كان يعمل على أساس تبني التقاليد العريقة والتمرد عليها، مما دفع البعض للاحتفاء به والبعض الآخر للتحفظ في التعامل معه. كان المصممون التقليديون، مثل هؤلاء الذين تلقى تدريبا معهم، يشعرون ببعض الضيق من أعماله التطويرية، مثل السترات ذات التصاميم الرسمية لكن مصنوعة من أقمشة مظلات ترجع إلى الحرب العالمية الثانية. ولكن في التسعينات، كانت الأميرة الراحلة ديانا من أشهر الضيوف في عروضه بلندن.
صرح هايفورد بأن عمله كمصمم أسمر البشرة في مجال يسوده ذوو البشرة البيضاء فرض عليه الاتجاه الذي ينتهجه «كنت أصمم من وجهة نظر شخص غريب. وعندما بدأت العمل، لم يكن معي عارضون، كما كنت حريصا للغاية على ابتكار نموذج جديد يعكس ثقافة الغرباء الذين يرغبون في التعبير عن ذاتهم من دون خجل».
كان انضمام ابن كاسلي - هايفورد في النهاية إلى مشروع العائلة، مهما. ففي البداية كان يُستعان به لقياس رد الفعل على أعمال والده، ومدى مواكبتها تطور العصر، ثم أصبح يتعاون معه بشكل كامل.
يشرح كاسلي - هايفورد الابن: «كان من الغريب للغاية أننا كنا نتبادل الأفكار ووجهات النظر، إذ كانت كل مجموعة نرسمها أشبه ما تكون بالمحادثة التي تتم بيننا نحن الاثنان. في أحد المواسم يمكن أن نميل قليلا إلى اتجاه ما، وفي موسم آخر يمكن أن نتبنى اتجاها معاكسا وهكذا. وأعتقد أننا وصلنا في النهاية إلى النقطة التي كنا نرغب في الوصول إليها».
ما إن شعرا بأنهما بلغا هذه المرحلة حتى قررا المشاركة في أسبوع لندن للموضة الرجالية، لأول مرة في يناير (كانون الثاني) الماضي. كانت المجموعة التي قدماها للخريف والشتاء مزيجا من الاختيارات الفنية التاريخية، بعضها مستوحى من الحركة الفنية الهولندية «دا ستايل» وبعضها من أعمال الفنانة كورنيليا باركر، بينما بقيت الفكرة الرئيسية تلعب على الجمع الذكي بين ملابس بألوان متناقضة وتصميمات مطبوعة باللونين الأبيض والأسود. حققت المجموعة النجاح وأثارت الكثير من الانتباه، سواء في لندن أو في اليابان حيث يتم إنتاج معظم التصاميم. ويؤكد كل من الأب والابن أن عدد الوكلاء تضاعف بعد العرض مباشرة.
لكن على الرغم من زيادة عدد المتاجر التي تبيع بالتجزئة إلى الضعف، فإن انتشار علامة كاسلي - هايفورد لا يزال صغيرا نسبيا، على الأقل خارج لندن، باستثناء اليابان ومحلات «سيلفريدجز». في الولايات المتحدة، تباع المجموعة في دوفر ستريت ماركت، أول متجر يعرض المجموعة منذ إطلاق خط الإنتاج (وكان في ذلك الوقت عبر فروعه في لندن وطوكيو)، بالإضافة إلى عدد من المتاجر الصغيرة ومواقع الإنترنت. في شهر يونيو (حزيران) الماضي، أعاد الثنائي التجربة، بالمشاركة في أسبوع لندن للربيع والصيف، ومرة أخرى تركت مجموعة كاسلي - هايفورد تأثيرا قويا. فقد كان عرضها من بين أهم العروض التي لم يتخلف عنها متابعو الموضة والمشترون على حد سواء.
يعلق تشارلي كاسلي - هايفورد إنه على عكس بعض بيوت الأزياء الأخرى التي «يتم دفع أجر للمشاهير مقابل حضور عروضها، كان الزبائن الذين صممنا لهم بدلات، أو الذين تعاملنا معهم بشكل أو بآخر عبر الأعوام، يتسابقون لحضور عرضنا ومتحمسين لدعمنا». كان من بين الحضور أعضاء من فرقة (إكس إكس)، وفلورنس ويلش (من فرقة فلورنس وذي ماشين) وكارل بارات (عضو فرقة ليبرتاين، ثم فرقة ديرتي بريتي ثينغس Dirty Pretty things)، وغيرهم، إلى حد القول إن عرضهما كان من بين أكثر العروض التي شهدت تجمعا فنيا كبيرا طوال الأسبوع.
ومن أجل تلبية الطلب المتزايد الذي شهدته الماركة على البدلات، سواء على مستوى الزبائن العاديين أو المشاهير، أطلقت خدمة التصميم على المقاس، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات والقياس في محل (هوستم). يقول براون، صاحب المحل: «يعمل تشارلي على تنفيذ كل بدلة بنفسه، فهو يحضر إلى المحل 5 أو 6 مرات أسبوعيا، لهذا الغرض».
ليس معروفا إن كان الإعجاب الذي حظيت به تصاميم كاسلي - هايفورد بين الموسيقيين يعود إلى الأب أم للابن؟، لكن النتيجة هي أنهما يشكلان ثنائيا ناجحا، بحيث يكملان بعضهما بعضا، خصوصا وأن نسبة الانسجام بينهما تفوق الوصف. فهذا الانسجام هو الذي شجعهما على اتخاذ هذه الخطوة أساسا، حسبما يؤكد تشارلي كاسلي - هايفورد بقوله: «كان انسجامنا مع بعض هو الذي شجعنا على اتخاذ هذه الخطوة الكبيرة». ويضيف الأب: «ليس هذا فحسب، فنحن نشترك معا في تاريخ الميلاد ذاته».



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.