أفغانستان... جيل الأبناء يسعى لإنهاء حرب أشعلها الآباء

الرئيس أشرف غني في الوسط مع عبد الرشيد دوستم خلال لقاء في كابل أبريل 2014 (نيويوك تايمز)
الرئيس أشرف غني في الوسط مع عبد الرشيد دوستم خلال لقاء في كابل أبريل 2014 (نيويوك تايمز)
TT

أفغانستان... جيل الأبناء يسعى لإنهاء حرب أشعلها الآباء

الرئيس أشرف غني في الوسط مع عبد الرشيد دوستم خلال لقاء في كابل أبريل 2014 (نيويوك تايمز)
الرئيس أشرف غني في الوسط مع عبد الرشيد دوستم خلال لقاء في كابل أبريل 2014 (نيويوك تايمز)

هناك على جانبي المفاوضات بين الحكومة الأفغانية و«طالبان» ما يقرب من اثني عشر ابنا لرجال لعبوا أدواراً رئيسية في الصراع السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي الذي اتسم بالعنف وخلف خسائر كبيرة على مدار أربعة عقود كاملة.
ومنذ ذلك الحين مات بعض آبائهم بسبب أمراض الشيخوخة، وواصل هم التمرد حتى النهاية. وقد واجه بعضهم حالات قتل أكثر عنفاً جراء تفجيرات انتحارية باتت علامة مميزة على وحشية الحرب، فيما زينت الميداليات والأوسمة صدور الناجين من الصراع الذي تسبب في بؤس الملايين وأصبحوا أغنياء يعيشون في قصور وينعمون بثروات هائلة ومناصب سياسية، لكنهم ما زالوا يلعبون «الغميضة» مع الموت.
قاتل الآباء جنباً إلى جنب لطرد السوفيات قبل أن يوجهوا أسلحتهم ضد بعضهم البعض في ظل فراغ السلطة الذي أعقب ذلك وشنوا حرباً أهلية اتسمت بالفظائع.
الآن يدرك أبناءهم جيداً مفترق الطرق الذي وصلوا إليه فيما يواصل الجيش الأميركي انسحابه مع بقاء محادثات السلام في قطر معلقة في الهواء.
إذا فشلت الأطراف الأفغانية المتحاربة في الاتفاق على صيغة لتقاسم السلطة، فقد تسقط أفغانستان في براثن حرب أهلية جديدة وسيستمر الصراع لجيل آخر في وجود أعداء جدد ورعاة جدد.
في هذا السياق، قالت فاطمة جيلاني، التي كان والدها أحد قادة مجاهدي مقاومة السوفيات عند بداية انزلاق أفغانستان إلى الفوضى: «إذا فقدنا هذه الفرصة فسنفقد أفغانستان. إذا فقدنا هذه الفرصة فسنكون قد خنا شعب أفغانستان. لقد خنا كل طفل وكل امرأة، وفوق كل شيء، خنا الأشخاص الذين ماتوا في هذه الحرب».
وصل جيلاني إلى العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر (أيلول) بوصفه أحد المفاوضين العشرين في الجانب الحكومي في مواجهة طالبان الذين توصلوا إلى اتفاق في فبراير (شباط) بدأ بموجبه الانسحاب العسكري الأميركي. ووصلت جيلاني إلى قطر بعد أسبوع واحد من الجراحة الثالثة لسرطان الحلق، ولا يزال صوتها أجش.
آخر مرة كانت فيها أفغانستان في نقطة انعطاف كهذه في حقبة الثمانينات عندما كان والدها قائداً للمجاهدين ضد السوفيات، وأقنعها بالتخلي عن سعيها للحصول على الدكتوراه لتصبح ناطقة باسم فصائل المجاهدين مع وصول الحرب إلى نهايتها واقتراب السوفيات من الانسحاب.
تبين أن ذلك كان كابوساً لم ينته أبداً حيث قالت: سرعان ما وقف المقاتلون في مواجهة بعضهم البعض، والمتطرفون بينهم الذين لا يرون مكاناً للنساء في الحكومة يفوق عدد الفصائل المعتدلة مثل والدها. أضافت جيلاني، «أنا امرأة تبلغ من العمر 66 عاماً، ولا أستطيع تحمل تبعات التشاؤم. لا بد من العمل بعد أن حصلنا على فرصة أخرى».
على جانب «طالبان» أيضاً هناك العديد من الأطفال أو أقارب قادة الحرب ضد السوفيات. هناك مولوي مطي الحق خالص (60 عاما تقريبا)، ابن الراحل مولوي محمد يونس خالص، أحد منظري المقاومة الرئيسيين. كانت بداية شهرة والده عند زيارته للبيت الأبيض والوقوف إلى جوار الرئيس رونالد ريغان الذي أشاد بالمجاهدين ووصفهم بـ«مقاتلين من أجل الحرية»، فيما دعا خالص الرئيس الأميركي إلى اعتناق الإسلام.
من بين أصحاب اللحى الرمادية على جانب المتمردين من المفاوضات في قطر، هناك شخص غريب الأطوار يبلغ من العمر 26 عاماً فقط طويل القامة ذو عينان رقيقتان لكنه يحمل لقب «حقاني»، الاسم الذي لطالما كان مرادفا للتفجيرات المميتة التي عصفت بالمدن الأفغانية. اسمه أنس حقاني، الابن الأصغر لكبير العائلة، جلال الدين حقاني، الذي كان ذات يوم حليفاً للولايات المتحدة في مواجهة السوفيات، لكنه أسس فيما بعد شبكة حقاني سيئة السمعة التابعة «لطالبان» المصممة على إجبار الأميركيين على الخروج من أفغانستان. أصبح أحد أبنائه الآخرين، سراج الدين، خليفته وهو الآن نائب الزعيم الأعلى لـ«طالبان» والمهندس المركزي لعودة المسلحين.
لكن حتى عندما يمثل «طالبان» على طاولة المفاوضات، أصر أنس حقاني في محادثة شخصية على أنه يريد أن يُنظر إليه بوصفه شاعرا أكثر من أي شيء آخر.
عندما كانت الولايات المتحدة تستعد لغزو أفغانستان في عام 2001 عمدت إلى مطاردة أسامة بن لادن - الذي كانت تربطه علاقات وثيقة مع حقاني الأب يعود تاريخها إلى كفاح المجاهدين - وكان أنس في السابعة من عمره فقط آنذاك. اقترب الأميركيون، إلى جانب الوسطاء الباكستانيين، من حقاني الأب ليرى ما إذا كان سيخون حلفاءه من «طالبان» وبن لادن بالانحياز إليهم مرة أخرى.
ينقل أنس عن والده الذي كان في الستينات من عمره آنذاك، تحذيره للأميركيين قائلا: «حل المشكلة من خلال المحادثات. لكن إذا كنتم قد أتيتم كغزاة، فسأطلق عليكم النار من نفس السلاح الذي قاتلت به السوفيات».
طور حقاني الأب قاعدة واسعة في المناطق القبلية في باكستان جرى بناؤها ودعمها في المنطقة الخارجة عن القانون بأموال وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) التي حصلت عليها أثناء الحرب ضد السوفيات. فقد حقاني أربعة من أبنائه في عمليات اغتيالات وطائرات أميركية من دون طيار وتوفي بسبب أمراض الشيخوخة منذ عامين.
إرثه هو نصف قرن من المقاومة وبنية تحتية كاملة تدرب الأطفال على السعي وراء المجد في القتال ضد القوى الأجنبية المتطفلة. المثال الذي ضربه جاء واضحا ويشعر بالارتياح للوضع الحالي ولسان حاله يقول: يمكن للأصدقاء القدامى أن يصبحوا دائماً أعداء جدداً في حرب أخرى في أفغانستان.
في الذكرى الثانية لوفاته هذا العام، بثت «طالبان» مقطعا مصورا ظهر فيه حقاني الأب يقول: «قد يكون هؤلاء الواقفون على اليمين أضعف من ناحية الأسلحة والمال والعدد، لكن لا يزال بإمكاننا الاستناد إلى الحقيقة وتحطيم الباطل بل وكسر جمجمته». وفيما بدا الرجل واهنا ورأسه ترتجف، لكنه كان لا يزال يرتدي زيه العسكري، اختتم قائلا: «هذه هي الحقيقة التي حطم بها الله جمجمة الأميركيين».
تابع حقاني الأب حديثه عن بحث الولايات المتحدة عن مخرج من أفغانستان قائلا: «إنهم يحاولون تغطية خسائرهم. لكن الغلاف يشبه ارتداء جمل لبنطال، فبعد أن يخطو الجمل أولى خطواته، ستنكشف عورته».
على الجانب الآخر من الطاولة هناك البديل لحقاني الأب، هناك حقاني الابن، أو أبناء الإرث والامتياز الذين يحاولون ترسيخ ما ربحه آباؤهم بالبندقية بعرض صورة أكثر ليونة للسياسة الديمقراطية. وبتعليمات ومستشارين وموارد رفيعة المستوى، وصل هؤلاء الأبناء إلى مناصب وزارية ومقاعد برلمانية. أصغرهم خالد نور البالغ من العمر 25 عاماً الذي حصل على شهادة عسكرية في بريطانيا ودرجة البكالوريوس من الولايات المتحدة. فقد عزز والده، الرجل القوي عطا محمد نور، قبضته جزئيا كواحد من أقوى القوى السياسية في شمال أفغانستان من خلال قيادته لقوات الميليشيات التي اتُهمت بالانتهاكات.
في سن الحادية والثلاثين، ورث بتور دوستم بالفعل قيادة حزب سياسي بناه والده عبد الرشيد دوستم، وهو أحد أشهر رجال الحرب الأهلية، وربما الناجي الأكبر من الصراع الأفغاني.
فبعدما أنهكته اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان على مدى عقود، أصبح دوستم الأب نصيراً للأقلية الأوزبكية العرقية التي كانت مضطهدة ذات يوم، وترقى إلى منصب نائب رئيس البلاد. لم يتوقف عند هذا الحد، فرغم مواجهته علنا بتهمة الاختطاف والاعتداء الجنسي على خصم سياسي، فقد حصل مؤخراً على رتبة المشير وهي رتبة عسكرية فخرية، لم تمنح سوى لثلاثة فقط في تاريخ البلاد.
يستلزم إرساء السلام كذلك إقرار عملية محاسبة هائلة في أوساط الأفغان، ناهيك من الحاجة إلى التعافي من أجيال سابقة من الدمار، واتخاذ على الأقل قراراً بالتوقف عن إطالة أمد هذا الدمار لأبعد من ذلك.
في هذا السياق، قال باتور دستم: «للأسف اقترفت جميع الأطراف أخطاءً على مدار الأعوام الـ40 الماضية، ومن الواضح أن الجميع باتوا يشعرون بالإرهاق اليوم، الجميع أصبح يرغب في إسكات صوت السلاح فحسب. نحن بحاجة للتعلم من دروس الماضي، ويتعين علينا توخي الحذر في المستقبل كي لا نكرر تلك الأخطاء».
ولدى سؤاله عما يمكنه فعله للمعاونة على التئام الجروح التي ألحقها الطرف الذي ينتمي إليه بآخرين، حاول أنس حقاني - من خلال بيت شعر من جديد - القول إن أسرته تواجه اتهامات تفوق ما اقترفته بالفعل. وأنشد بيت شعر يقول إن الأعمى يخبرني أن وجهي قبيح، والأصم يخبرني أن ما أقوله خطأ.
ومع ذلك، تظل الحقيقة التي لا مفر منها أن الفصيل الذي ينتمي إليه والده، وورثه أبناؤه، يقف خلف بعض أفظع أعمال العنف التي شهدتها الحرب في أفغانستان.
ولدى الضغط عليه، أصر أنس حقاني على أن الفترة التي قضاها في السجن أسهمت في زيادة لين قلبه. وقال إنه عبر شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد لديه القدرة على مطالعة صور دموية من الحرب... بغض النظر عن الطرف الذي تنتمي إليه الصور، وسرعان ما يتجاوزها.
وأضاف: «على الصعيد الشخصي، أشعر بالتعاطف تجاه الجميع، إننا بحاجة لفعل كل ما بوسعنا للمعاونة في التئام جروحهم. لقد شاهدت أشقائي وهم ينسفون ويتحولون في لحظة إلى أشلاء. أشعر بالألم لأنني أنا أيضاً فقدت أحباباً لي».

* خدمة «نيويورك تايمز»



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.