إبراهيم عبد المجيد: أبكي أثناء الكتابة من فرط التوحد مع شخصيات رواياتي

بعد 50 عاماً من الترحال في صحبة الرواية والقصة القصيرة

إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد
TT

إبراهيم عبد المجيد: أبكي أثناء الكتابة من فرط التوحد مع شخصيات رواياتي

إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد

خمسون عاما في صحبة الرواية والقصة القصيرة، عاشها الروائي المبدع إبراهيم عبد المجيد، ولا يزال يفاجئ قراءه بالمزيد من المغامرات الإبداعية مع كل عمل جديد. لغته لم تفقد وهجها وبراعة تصويره للشخصيات تشعرك بأنهم بشر حقيقيون يمشون في الأسواق ويستقلون معك الباص في صباح شتوي باكر. ويتمتع صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية» بمحبة خاصة في الوسط الثقافي المصري، فهو من أكثر الكتاب قربا وحميمية مع الأدباء الجدد، يحنو على تجاربهم ويمنحهم خلاصة خبراته في الأدب والحياة... في روايته الأحدث «العابرة» يذهب بجمهوره إلى عالم جديد غير مطروق، كما عرفت بعض أعماله السينما والتلفزيون وتحولت إلى أفلام ومسلسلات، لكنه يعتب على صناع الفن السابع إهمالهم هذا الكم من الإنتاج الروائي الذي يصلح لعمل أفلام عظيمة.
حول هذا الكدح الإبداعي المتنوع، وعلاقته الخاصة بعالمه الروائي والقصصي... هنا حوار معه:
> تشتغل روايتك الأخيرة «العابرة» على قضية شائكة في مجتمعاتنا هي «الترانسجندر»، أو التحول في النوع من فتاة إلى شاب. هل ضقت بالموضوعات التقليدية وأردت أن تحلق في فضاء غير متوقع؟
- أنا لم أكتب أبدا عن موضوع تقليدي ومنذ بداياتي أحب المغامرة في غير المألوف، حتى لو كان حوله ما حوله فكتابتي تسعى لتكون جديدة ومفارقة. كما أني لا أقرر ما أكتب، يحدث أن تمتلئ الروح برغبة خفية في كتابة شيء ما ثم تقفز. موضوع «الترانسجندر» جاء أمامي، ليس على صفحات الميديا فقط، لكن حدث أن رأيت فتاة متحولة كانت تأتي إلى مقهى «البستان» بمنطقة وسط البلد بالقاهرة وقيل إنها غادرت البلاد. قرأت عن فتاة أخرى تم القبض عليها ووضعت مع الرجال في الحبس وهي فتاة تأخر إخراج أوراقها الرسمية. خايلني الموضوع وقرأت فيه كتبا طبية ومقالات عن هؤلاء المتحولين وما يحدث معهم وكيف أنهم في العالم المتحضر يتصدرون المشهد كثيرا في الفن والسياسة وغيره، ولهم في العالم تاريخ طويل بينما هم في بلادنا العربية محل انتقاد وسخرية. رأيت قضيتهم صورة للمسخ الذي نعيشه فنحن لا نستقر على شكل للوطن. من هنا بدأت روحي تتوق للكتابة عنه. المدهش أني اكتشفت أو تذكرت أني يوما كتبت مسلسلا تلفزيونيا أخرجه المخرج الكبير عمر عبد العزيز وكان بطولة حسين فهمي. في المسلسل شخصية كانت راقصة في السبعينيات سافرت إلى أميركا وعادت عام 2000 رجلا. لقد تحولت هناك، قام بدورها الفنان فاروق فلوكس. المسلسل تم تنفيذه عام 2001 بعنوان «بين شطين وميه» إذن المسألة تخايلني منذ وقت بعيد.
> لكن البعض قال إن إبراهيم عبد المجيد أراد مغازلة قراء السوشيال ميديا بموضوع شيق ومثير؟
- المهم ليس الموضوع لكن كيف تكون الكتابة عنه. أعتقد أني كالعادة قدمت مغامرة هامة في شكل الرواية، ثم إني أحترم كل الآراء بشرط أن يقرأ صاحب الرأي العمل أولا ولا يقف عند العناوين كما يحدث كثيرا على السوشيال ميديا. للأسف كثيرا ما تنشر الصحف موضوعات هامة يقف كثير من رواد السوشيال ميديا عند المانشيت أو العنوان ولا يقرأون الموضوع نفسه، ويردون على المانشيت أو العنوان دون الدخول لجوهر الموضوع. وفي النهاية الآراء مكفولة للجميع.
> تعد أحد أكثر الكتاب العرب غزارة في الإنتاج على نحو لا يكاد يضاهيك فيه سوى السوداني أمير تاج السر، ما السبب وهل تلوذ بالكتابة من شيء ما؟
- يا عزيزتي أنا تجاوزت السبعين، فأين هي الغزارة؟ عشرون رواية وست مجموعات قصصية في خمسين عاما. والأهم أني جعلت الكتابة موطني. هذا كلام يقوله عادة من هم في سن أصغر ويتصورون أن كل الناس في عمرهم وأنا أشكرهم على ذلك. كما أني سخرت حياتي كلها للكتابة. لم أشغل نفسي بكثير من مشاكل الحياة الثقافية وصراعات المثقفين على المناصب وغيره. كنت أعمل في الثقافة الجماهيرية بوزارة الثقافة ولا أذهب للعمل. كل منصب توليته تركته بسرعة بعد أن رأيت الصراعات عليه تشتعل من حولي وكنت أقول لنفسي ضاحكا: أكتب رواية أحسن من أي منصب! رضيت بالقليل لأن الكثير جدا هو متعة الكتابة بالنسبة لأي كاتب موهوب.
> تقول إن الكتابة لا تأتي من السعادة بل من التناقض والفشل، في أي محطات من تجربتك شعرت بهاتين المشكلتين فنيا وإنسانيا؟
- السعادة هي أن تكتب، أما التناقض والفشل فهو تجارب حياة. الكاتب «الناصح» يعرف أن التجارب المؤلمة ستكون زادا له في الكتابة مهما كانت القسوة. طبيعي جدا أن تكون الحياة حلوة وربما لا نتوقف عند ذلك لكن غير الطبيعي هو الفشل في قصص الحب مثلا أو الفشل في مستقبل أفضل للوطن. هنا يبني الكاتب عالما أجمل حتى ولو ظهرت فيه شخصيات شريرة فهي لا تكره كاتبها ولا يكرهها وإن كرهت الشخصيات الأخرى حولها وكرهوها.
> وماذا عن الدموع... هل تبكيك الكتابة في أثناء استغراقك في كتابة نص ما؟
- هذا يحدث أحيانا من فرط التوحد مع الشخصيات فهي تصبح الوطن الحقيقي للكاتب وفراقها يكون صعبا. يبدو للكاتب أنه حقيقة. بعد أن أنتهي من كتابة رواية أظل شهورا أبحث عن شخصياتها في الطرقات ناسيا أنها من خيال ولا ينقذني إلا البدء في رواية جديدة.
> بعد مرور أربعين عاما على مغادرة الإسكندرية، لماذا لا تزال تشعر بالغربة في القاهرة؟
- هذه الغربة قلت كثيرا في السنوات الأخيرة بعد أن كتبت أكثر من رواية عن القاهرة، لكن غربتي الآن في الاثنتين معا. لم تعد الإسكندرية ولا القاهرة مدينتي، صارتا خرابا للأسف. إن ما نراه كل يوم عن التحول في العمران جعل المدينتين ذكرى للأسف الشديد.
> ثلاثيتك عن الإسكندرية: لا أحد ينام في الإسكندرية، طيور العنبر، الإسكندرية في غيمة». منحتك المجد، بينما لم تلق رواياتك عن القاهرة مثل «في كل أسبوع يوم جمعة» و«هنا القاهرة» نفس الصدى، هل يزعجك أن يقول بعضهم إنك لا تتألق إلا إذا كتبت عن عروس البحر المتوسط؟
- لا يزعجني أي رأي، وكما أرى ذلك أرى غيره. ما أكثر الذين أحبوا بهيام روايات «عتبات البهجة» و«هنا القاهرة» و«في كل أسبوع يوم جمعة» و«السايكلوب» وأخيرا «العابرة». لا يوجد نوع واحد من القراء ولا نوع واحد من النقاد.
> روايتك «في كل أسبوع يوم جمعة» تحولت إلى مسلسل، وتم إنتاج فيلم عن نص لك هو «الصياد واليمام»، كيف تقيم التجربة؟
- أنا هنا مثل نجيب محفوظ أشكر من قام بذلك ولا أعلق إلا بالشكر والعرفان. أنا أعرف أن السينما صورة والأدب لغة، لذلك لست من هواة التعليق إلا بالإيجاب والشكر والتقدير. والحمد لله نجح مسلسل «في كل أسبوع يوم جمعة» ونجح فيلم «الصياد واليمام» وأضافا إلى شهرة الروايتين.
> برأيك لماذا يتجاهل صناع الدراما هذا الكم المهول من النصوص الروائية عربيا والتي تصلح مادة لأعمال مرئية عظيمة؟
- كتبت كثيرا في هذا الموضوع. إنه شيء محزن. الرواية عماد السينما منذ نشأتها. لكنهم الآن يعانون من أزمات في الإنتاج من ناحية وأشياء أخرى كثيرة يطول الحديث فيها. أتمنى أن يعود الإنتاج الروائي إلى السينما بشكل كثيف، كما كان يحدث يوما في مصر حين كانت السينما المصدر الثاني للدخل القومي بعد نبات القطن. لم يعد لدينا قطن ولا سينما. نحن نعود إلى الوراء للأسف كثيرا.
> أنت أحد أكثر الأدباء هوسا بالسينما، ما السر وراء هذا الشغف؟
- شغف منذ الطفولة وخصصت له كتاب «أنا والسينما». كانت الحياة حولنا تشجع على الذهاب إلى السينما، وكانت المدارس تأخذنا في رحلات إليها أو تعرض لنا أفلاما في المدرسة. من السينما عرفت روايات عالمية عظيمة، وروايات مصرية صنعت منها الأفلام فكانت نافذة كبرى على القراءة، ووجدت شغفا أن أعرف الكثير عن السينما وتاريخها وتأثرت بها كثيرا في الكتابة، فصرت أبحث عن الصورة أكثر من الحكي وهذا جهد كبير لكاتب كانت السينما وراءه.
> أخيرا، لماذا الليل دون غيره اتخذته طقسا مفضلا لممارسة فعل الكتابة؟
- الكتابة وحدة. يمكن أن تكون الوحدة بالنهار في غرفتي لكن ثمة شعورا يظل معي بأن العالم يتحرك حولي. بالليل أشعر أن الله خلقني الآن وحدي، ومع الموسيقى الكلاسيكية التي أحبها وكتبت كل أعمالي وأنا أسمعها، أنتقل إلى برزخ بين السماء والأرض ولا أشعر أن حولي عالما وبشرا غير ما أكتب ومن أكتب عنهم. هذا أنا وليس ضروريا أن يكون غيري كذلك. كل وما يهوى.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.