فتنة المثنى بين الصوت والدلالة

هل أرهص نداء امرئ القيس بظهور الثنائيات العربية العاشقة؟

فتنة المثنى بين الصوت والدلالة
TT

فتنة المثنى بين الصوت والدلالة

فتنة المثنى بين الصوت والدلالة

قلّ أن احتفت لغة من لغات الأرض بالمثنى، كما هو الحال مع لغة الضاد. لا بل إن معظم اللغات الحية لا تملك صيغاً نحوية وتعبيرية خاصة بالمثنى، إنما تنتقل مباشرة من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع، معتبرة أن لا منزلة فاصلة بين المنزلتين، وأن كل ما يتعدى حالة الإفراد يدخل حتماً في بوتقة الجماعة وأحوالها.
أما في العربية فيختلف الأمر تمام الاختلاف، حيث للمثنى رتبته ومقامه وأحكامه التي تتوزع بين النحو والصرف وجماليات اللغة وجرْسها الإيقاعي من جهة، وبين المفاهيم الفلسفية والدينية والاجتماعية من جهة أخرى. وفي «لسان العرب» يولي ابن منظور الفعل الثلاثي «ثني» اهتماماً غير عادي، مفرداً له ولاشتقاقاته إحدى عشرة صفحة كاملة من الشروح والتفاسير والتأويلات، بدءاً من «ثنى الشيء»، أي رد بعضه على بعض، مروراً بالتثني، الذي يعني التمايل والانعطاف، وبالثنايا التي تعني السرائر والتضاعيف، وليس انتهاء بالتثنية، بمعنى جعل الواحد اثنين وضمّه إلى صاحبه.
ولأن الشعراء هم حواة اللغة ولاعبوها المهَرة والقابضون على ناصيتها وخفاياها، فقد عرفوا كيف يفيدون من صيغة التثنية، وكيف يستثمرون إلى أبعد الحدود ما تختزنه من جماليات التشكيل الصوتي والجرْس الإيقاعي. وليس من قبيل الصدفة أن يستهل امرؤ القيس معلقته الشهيرة بنداء الاثنين دون سواه. فأي خبير حاذق بأمور اللغة، لا بد أن ينتصر لصيغة التثنية في صرخة الشاعر «قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ».
ذلك أن الألف الممدودة في «قفا» هي التي تسمح للزفير الخارج من الرئتين أن يُطلق العنان لتباريح الشاعر، وأن يواكب شجون نفسه على امتداد الصحراء. وسواء كان الملك الضليل في رحلته المهلكة إلى بلاد الروم، يرافق شخصين حقيقيين من لحم ودم، أم لم يكن، فإن استخدامه لصيغة التثنية لم يكن ليجد ذلك الصدى الهائل لدى الشعراء الذين أتوا من بعده، لو لم يستمرئ هؤلاء تلك الطاقة الفريدة التي تختزنها هذه الصيغة على المستويين الإنساني والدلالي.
وقد لا أكون مجافياً الحقيقة بشيء إذا ما ذهبت إلى الاستنتاج بأن ثمة علاقة من نوع ما بين عبقرية اللغة، وبين عبقرية المكان. فاحتفاء اللغة بالمثنى بدا وكأنه احتفاء جمالي وإيقاعي من جهة، واحتفاء دلالي متصل بجوهر الكائن الإنساني الذي لا يكتمل إلا بشطريه الذكوري والأنثوي، من جهة أخرى. فالعدد «اثنان» رغم أنه يدل على شخصين منفصلين، يعامَل معاملة المفرد «المزدوج» فلا ينقسم بين «إثن» و«إثن».
كما أن شيوع الأسرار عند العرب لا يتصل بالمثنى، بل بالجمع الذي يبدأ مع الثلاثة. وقد يكون المثل السائر «كل سرّ جاوز الاثنين شاع» بمثابة تأكيد إضافي على أن أكثر ما يجمع بين شخصين هو البوح المشترك وتبادل الأسرار وكتمانها عن الآخرين. ولعل ما يعزز هذا المفهوم هو رؤية المسيحية إلى الزواج الذي يجمع بين شخصين متحابين، باعتباره «سرّهما المشترك»، إضافة إلى بُعده الديني والكنسي. وقد تكون مفردة «إنسان» بحد ذاتها هي التعبير الأبلغ عن البُعد الثنائي للكائن البشري. فهي وإن حملت معنى الكائن المفرد من حيث الدلالة، إلا أنها من حيث الشكل تحمل صيغة التثنية، كما لو أن الإنسان الفرد هو في عمقه الأخير حاصل الجمع بين «إنس» ذكوري و«إنس» أنثوي. وإذا كانت بعض الديانات الهندية القديمة رأت أن الإنسان هو كائن «نصفي» لا يني يبحث على الدوام عن النصف الآخر الذي يكمله، فإن الإسلام لا يبتعد عن هذه الرؤية، حيث كلٌ من الرجل والمرأة هو جزء من الآخر، بقدر ما هو سكنه وبيته وملاذه. وهو ما تؤكده الآية الكريمة «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها».
تبدو صرخة امرئ القيس من هذه الزاوية إرهاصاً يصدر عن وعي أو غير وعي، بثنائيات التوله والوجد، التي لم تكن تملك ما تفعله لمقارعة الصحراء، سوى التحلق حول الحب، بوصفه النواة الأكثر صلابة التي تمنع عن الروح غائلة الوحشة والتوحد، وعن الجسد وطأة التذرر والتبخر والاضمحلال. وكما كان الكلام يكتسب طابعه السحري عند الشعوب القديمة، بحيث كان يتم الخلط بين الاسم والمسمى، فقد كان النداء في معلقة امرئ القيس كافياً وحده لاستدعاء المنادى وتحويله إلى حقيقة واقعة. فلم تكد تمر سنوات قليلة على نظم المعلقة التأسيسية حتى غصت الصحراء العربية بالكثير من الثنائيات العاشقة، من أمثال عروة وعفراء، قيس وليلى، جميل وبثينة، قيس ولبنى، كثير وعزة، وكثيرين غيرهم.
وإذا سلّمنا جدلاً بأن امرأ القيس كان يخاطب شخصين حقيقيين اختار أن يرافقاه في رحلته المضنية إلى بلاد الروم، فإن أحداً لن يصدق بأن كل واحد من الذين حذوا حذوه في العصور اللاحقة، بمن فيهم الشعراء العشاق كان يتعمد الإتيان بشخصين مماثلين لكي يرافقاه في حلّه وترحاله، ولكي يبثهما لواعج قلبه، كما فعل جدّه الأكبر من قبل. ولكنها على الأرجح لعبة المرايا المتقابلة بين اللفظ والمعنى، حيث تتصادى صيغة المثنى مع حاجة الشعراء إلى ظهير إنساني، حبيباً كان أم مجرد صديق.
وإذا كان ثمة الكثير من الشواهد التي تمنح لهذه الفرضية مصداقيتها، فإن قصيدة عروة بن حزام النونية، هي التأكيد الأبلغ على الطبيعة «السحرية» لصيغة التثنية التي كانت توفر للشاعر نوعاً من العزاء أو الرّقية اللغوية، رغم أن وجهة المخاطَب فيها لم تكن تشير إلى عفراء. هكذا يتحدث الشاعر عن عرّافين اثنين، لا عن عرّاف واحد، في قوله:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمه
وعرّاف نجدٍ إن هما شفياني
فقالا:
نعم نشفي من الداء كلّهِ
وقاما مع العوّاد يبتدرانِ
فما تركا من رقْية يعلمانها
ولا شربة إلا وقد سقياني
فقالا:
يمين الله والله ما لنا
بما ضمّنتْ منك الضلوعُ يدانِ
لكن الأغرب من كل ذلك هو أن ذينك العرّافين لم يرويا عطش عروة إلى ماء المثنى، ولذلك فقد استعان بغرابين اثنين في الوقت ذاته، لكي يقيم الدليل على وحشته وسواد روحه في غياب عفراء:
ألا يا غرابي دمنة الدار، بيّنا
أبالهجر من عفراء تنتحبانِ؟
فإن كان حقاً ما تقولان، فاذْهبا
بلحمي إلى وكْريكما، فكُلاني
وبما أن الصوت في العربية يبدو في الكثير من الأحيان صدى للمعنى، فإن لاختيار القافية دلالتين نفسيتين متغايرتين وصادرتين عن لا وعي الشاعر، أولاهما تذهب مع ألف المثنى صعوداً إلى الأعلى، كنوع من التضرع للخالق أو نداء ضمني لمنادى غائب، فيما الثانية تهبط مع النون المكسورة إلى خانة الخيبة والقنوط وفقدان الرجاء.
على أن استمراء نداء الاثنين عند العرب لم يتوقف عند شاعر بعينه، بل سرعان ما انتبه الشعراء إلى دلالاته النفسية والجمالية والإنسانية، فحولوه إلى عرْف أسلوبي، دون أن يكون جزءاً من عمود الشعر وتقاليده الأساسية. لا بل هو في ليونته التعبيرية، وفي محاكاته لطقوسية الندب والتأوه الأنثويين، يقع في الخانة المضادة للعمودية الذكورية. وفيما يتيح نداء الاثنين الفرصة أمام الشعراء للكشف عن «أنوثتهم» التعبيرية والنفسية، يتحول من جهة أخرى إلى وجه من وجوه الجناس الناقص بين التأنيث والتثنية. هكذا بدا نداء المثنى وكأنه يتواءم بشكل تلقائي مع رهافة شاعر مثخن بالعشق من طراز جميل بن معمر، الذي يهتف بحرقة:
خليلي فيما عشتما، هل رأيتما
قتيلاً بكى من حبّ قاتله قبلي؟
أو يتواءم مع التكوين الهش لشاعر سوداوي من طراز ابن الرومي، الذي يبحث وقد أرهقه جمال وحيد المغنية، عمن يعينه على بلواه، فهتف شاكياً:
يا خليلي تيّمتني وحيدُ
ففؤادي بها معنّى عميد
لكن أكثر ما يستوقف القارئ المتابع، هو لجوء أبي الطيب المتنبي، وهو أحد أكبر رموز الفحولة في الشعر العربي، إلى مثل هذا النداء لبث شكواه والتعبير عن انكساره. وفي اعتقادي أن لجوء المتنبي إلى الاستعانة بنداء المثنى لم ينجم عن افتتانه بالتقاليد الشعرية المتبعة في العصور التي سبقته، بل لشعورٍ منه وقد اضطر إلى امتداح كافور، بأنه وصل إلى الجذر الأخير للمأساة، فاستدعى كما فعل أسلافه، صاحبين متخيلين، وخاطبهما من وراء صدوع نفسه بالقول:
يا صاحبي أخمرٌ في كؤوسكما
أم في كؤوسكما همّ وتسهيدُ؟
أخيراً، لن تتسع هذه المقالة لتقديم المزيد من الشواهد التي تعكس افتتان الشعراء العرب بنداء المثنى، الذي بات جزءاً من تقاليد القصيدة العربية، والذي لم تقتصر دلالاته على الجوانب الإيقاعية والجمالية، بل تعدت ذلك الأمر لتطال المفاهيم المختلفة التي ترسخ مبدأ التكافؤ والتكامل الإنساني بين الرجل والمرأة. وإذا كانت نوال السعداوي استعانت بكل مواهبها العلمية والأدبية لدحض المزاعم التي تكرس سلطة الرجل وهيمنته في المجتمعات الذكورية، وللتأكيد بالمقابل على غلبة المرأة وتفوقها العقلي والبيولوجي، وعلى كون «الأنثى هي الأصل» فإن خالدة سعيد في كتابها المميز «في البدء كان المثنى»، قد عملت على نقل المواجهة إلى مكان آخر، حيث المثنى هو نواة الوجود وعلته وقوامه، وحيث كلٌّ من الرجل والمرأة، هو مكمّل للآخر وظهيرٌ له، سواء كان ذلك في ساحات اللغة والإبداع والحب، أم في ساحة الدفاع عن الحياة.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.