مليون نازح من مدن الأنبار اتجهوا إلى دهوك والسليمانية وأربيل

عائلات تروي معاناتها وسير بعضها على الأقدام مسافات طويلة

أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})
أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})
TT

مليون نازح من مدن الأنبار اتجهوا إلى دهوك والسليمانية وأربيل

أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})
أطفال عراقيون في أحد معسكرات النزوح ({الشرق الأوسط})

تركوا الدار والجار هاربين بأنفسهم من الموت.. مدنهم وقراهم وأزقتهم أصبحت ساحات للقتال بين القوات الحكومية العراقية ومسلحي تنظيم «داعش» الذي سيطر على أغلب مدن الأنبار بين ليلة وضحاها.. قصص من المعاناة الحقيقية والرعب عاشها قرابة المليون نازح خرجوا من مختلف المدن المترامية الأطراف في محافظة الأنبار العراقية، هاربين من جحيم النار والخوف، أو من بطش القادم المجهول (مسلحو تنظيم داعش).
قصص الرحلة المحفوفة بالمخاطر يرويها لـ«الشرق الأوسط» أصحابها الذين رحلوا إلى دهوك والسليمانية وأربيل..
يقول أبو محمد، 40 عاما: «بدأت رحلتي مع النزوح من الخروج من مدينتنا الفلوجة (60 كيلومترا غرب العاصمة بغداد) حيث كنت أسكن في الحي العسكري شمال شرقي المدينة، وهو أول الأحياء السكنية في مدينة الفلوجة التي تعرضت للقصف المستمر، ومن ثم للدمار، بالبراميل المتفجرة التي كانت تلقيها مروحيات القوات الحكومية، وكذلك القصف المدفعي للحي بعد دخول المسلحين.. اتجهت بعائلتي المكونة من 6 أفراد صوب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، التي كانت منطقة آمنة.. وبعد مضي شهرين، دخل المسلحون إلى الرمادي، وبدأت الفوضى تعم الناس.. الأهالي اتجهوا بسياراتهم والبعض سيرا على الأقدام منهم من يحمل بعض الأغراض ومنهم من يحمل أطفاله الصغار، صوب الشارع المؤدي إلى مدينة هيت، أنا من الناس الذين ساروا على أقدامهم حاملا ابنتي الصغيرة ومعي زوجتي وبقية الأولاد، إلى أن وصلنا إلى الشارع، ثم نقلتنا سيارة حمل صعد فيها قرابة 20 شخصا إلى مدينة هيت. وفي هيت، التي تبعد عن الرمادي مركز محافظة الأنبار 60 كلم باتجاه الغرب، سكنت في أحد هياكل الأبنية التي هي قيد الإنجاز.. تأقلمنا مع الوضع الجديد، ووجدت عملا لي أتعيش منه في أحد أسواق المدينة، وفي أحد الأيام ومن دون سابق إنذار دخل مسلحو (داعش) فسقطت آخر ملاذاتنا الآمنة.. مشهد المعاناة يتكرر مرة أخرى، ورأيت الناس تتجه هذه المرة صوب الصحراء قاصدين طريق يسمى النخيب، باتجاه مدينة كربلاء، حملتنا سيارات يمكنها السير في الصحراء، اتفقت مع صاحب السيارة على أن يوصلني إلى بغداد عبر أي طريق يشاء، فالمهم عندي هو الوصول إلى العاصمة. كنا نسير في صحراء قاحلة إلى أن وصلنا لحدود محافظة كربلاء التي رفض مسؤلوها أن ندخل ومعنا مئات السيارات القادمة من الأنبار هربا من المسلحين.. وبعد انتظار قارب اليومين، تمت الموافقة على دخول السيارات بعد أن تم تفتيشها بالكامل، ثم رافقتنا سيارات الشرطة بقافلة تسير معنا للتأكد من أننا سنغادر كربلاء باتجاه بغداد.. وصلنا لبغداد ثم تابعنا الطريق إلى المخيمات في أربيل عاصمة إقليم كردستان لتبدأ المعاناة الأخرى، ولكن تذكرت المقولة: إن بعض الشر أهون من بعض».
حسام، 16 عاما، طالب في المرحلة الإعدادية، يقول: «بعد دخول مسلحي (داعش) مدينتا في منطقة الخالدية 28 كلم شرق الرمادي، اتجهت عائلتنا إلى حيث يتجه الناس.. لا نعرف إلى أين نحن ماضون.. تسير السيارات باتجاه الشرق صوب العاصمة، ولكن ليس على الطريق المعتاد.. وصلنا إلى بحيرة الحبانية، وهنا طلب منا السائق أن ننزل من السيارة، فالطريق عبر البر قد انتهى إلى هنا.. ركبنا القوارب لتحملنا عبر البحيرة إلى الجهة الأخرى، ثم تابعنا السير بعد أن استأجر والدي سيارة أوصلتنا عبر طرق ريفية وبين القرى والمزارع.. إلى حدود العاصمة بغداد.. بقينا هناك عند أقارب لنا مدة يومين، ثم أكملنا الرحلة صوب محافظة دهوك في إقليم كردستان بعد معاناة كبيرة عند حدود الإقليم، فبعض أفراد أسرتنا لم تكن لديه المستمسكات الشخصية، مما عرقل عملية دخولنا للإقليم، وكأننا ندخل إلى بلد آخر».
أم صلاح، 51 عاما، أرملة وأم لخمسة أولاد، تقول: «لم أكن أنوي ترك بيتي إطلاقا لكون حالتي المعيشية فقيرة، ولا يمكنني الخروج والمقامرة بمصير أولادي، فالموت يحيط بنا من كل جانب؛ هنا في بيتي وفي خارجه.. ولكن صرت أمام الأمر الواقع بعد أن أصيب ابني في ساقه نتيجة المعارك بين مسلحي (داعش) والقوات الحكومية، فتوجب علينا الرحيل لمعالجة ابني المصاب وخوفا على بقية أبنائي.. قصدنا المنفذ الوحيد للخروج من المدينة وهو السير على الأقدام مسافة 25 كلم شرق المدينة.. أولادي يتناوبون على حمل أخيهم المصاب، ويساعدهم شباب المنطقة الذين غادروا برفقة عوائلهم معنا. وبعد وصولنا إلى منطقة الفلاحات، استأجر لنا أحد المحسنين سيارة بمبلغ مليون دينار لكي تقلنا إلى مخيمات النازحين في شمال العراق. نصحونا بعدم النزول في أي منطقة غير المخيم بسبب وجود بعض المسلحين في مناطق بغداد تابعين لميليشيات طائفية، خصوصا أن ابني صلاح مصاب، فخفت أن يظنوا أنه من المنتمين للمقاتلين ضد القوات الحكومية.. وفعلا كلما مررنا بحاجز أمني تابع للجيش الحكومي أو الشرطة، استفسروا عن حالة صلاح، وتنهال علينا الأسئلة، إلى أن وصلنا بعد مسير يومين إلى المخيم، وتمت معالجة ابني، ومنذ خروجي من بيتي وأنا أشعر بأني لم يعد لدي وطن إأنتمي إليه، أو وطن يحميني ويحمي أولادي، فوطننا هناك مستباح من قبل المسلحين ولن يدافع عنه أحد.. الخيام البائسة هذه هي ملاذنا الوحيد الآن».
وقالت الناشطة المدنية في مجال حقوق الإنسان ورئيسة جمعية «تحالف نساء الرافدين»، هناء عباس حمود، لـ«الشرق الأوسط»: «لا بد من إعداد برامج وبخطوات سريعة لإنقاذ ما تبقى من العوائل المحاصرة في المدن التي تخضع مناطقها للصراعات المسلحة، وعلى الحكومة العراقية ومجلس النواب العراقي والمنظمات الدولية أن تسارع الخطى لمد يد المساعدة وإنقاذ المدنيين وكذلك السعي لزيادة المنح المادية المقدمة للنازحين لأن أوضاعهم الإنسانية صعبة للغاية، وكثيرون منهم فقدوا أفرادا من عوائلهم، وخرجوا من بيوتهم بالملابس التي يرتدونها فقط في حملة نزوح هي الكبرى التي شهدها العالم بعد موجة النزوح التي حصلت إبان الحرب العالمية الثالثة».
الدكتور صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء العراقي ورئيس اللجنة العليا لإغاثة النازحين، قال لـ«الشرق الأوسط»: «ما قدمناه وسنقدمه لآلاف العوائل النازحة لا يرقى لحجم المعاناة التي شهدوها، ومع ذلك، فنحن نبذل قصارى الجهد لتخفيف المعاناة عنهم، وهناك فرق تعمل ليل نهار على ذلك، واتخذت اللجنة العليا لإغاثة النازحين قرارات مهمة؛ من بينها صرف منح مالية لنازحين من مناطق مختلفة، وفتح مكاتب في إقليم كردستان لإصدار الوثائق الرسمية والثبوتية للنازحين الذين فقدوا أو تركوا مستمسكاتهم الشخصية، وإصدار بطاقة إلكترونية تعريفية بالعوائل النازحة، وشمولهم بالرعاية وتجهيزهم بالكرفانات للسكن المؤقت.. والحل الجذري برأينا في ما يتعلق بالنازحين هو تحرير مناطقهم من سطوة مسلحي تنظيم داعش وعودتهم إلى ديارهم بسلام».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.