مزحة الرواية

الكتابة حلم جاد يحتاج إلى السخرية ليتحقق

مزحة الرواية
TT

مزحة الرواية

مزحة الرواية

يحلو للنقد أن يمنح بعض الروائيين لقب «الكاتب الساخر»، استناداً إلى ما يبدو في أعمالهم من ملامح سخرية أو مزاح. هذه التسمية تنطوي على مشكلة صغيرة، إذ تتجاهل الخيط الرفيع الفاصل بين السخرية، من حيث هي عمل عالي الأدلجة (تحقيري وانتقادي)، وبين المزاح من حيث هو عمل منخفض الأدلجة (مضحك ومسلٍ ببراءة)، لكن هذه ليست المشكلة المهمة التي يتضمنها لقب «الكاتب الساخر»، بل إزاحته من أغلبية الكُتّاب إلى خانة «الكاتب الجاد»، وهذا وصف يتضمن بداخله مشكلتين جديدتين؛ الأولى تغمط الكاتب الجاد حقه، عندما تنزع منه ملكة المزاح التي تعد من خصائص الإنسان بشكل عام، وعلى العكس، تنزع صفة الجدية من الكاتب الساخر!
ولا يردم تلك الهوة سوى الاستناد إلى طبيعة الكتابة الروائية ذاتها، وأخذ تلك الطبيعة في الاعتبار جنباً إلى جنب مع السمات الظاهرة في النص من ملامح السخرية والمزاح عبر اللغة، وسلوك الشخصيات، ومصادفات الأحداث.
حلم الكتابة من بدايته حلم جاد، من يحلم بها يعرف من البداية أنها عمل صعب، مع ذلك يُقدم عليه لأن وجوده لن يكون كاملاً من دونه.
بعد ذلك يبدأ المتطلع إلى الكتابة في إعداد نفسه بالجدية الواجبة. الساخر وغير الساخر يضع كل دقيقة في حياته من أجل تكوينه الثقافي. يسعى إلى معرفة كل ما يحتاجه ولا يحتاجه الآخرون، من قواعد اللغة إلى تذوق الفنون إلى المعرفة بالنفس والجسد والطقس، وإجراءات التقاضي، وآلية عمل محرك السيارة، ومدة رقود الحمام البري على بيضه. وهو ليس بحاجة إلى احترام الكتب فحسب، بل إلى احترام الواقع وكل ما يجري فيه، واستقبال ذلك بامتنان، حتى الشر الموجه إليه شخصياً، كأن الواقع عرض مسرحي أُعدَّ خصيصاً ليكون في خدمة كتابته.
هذه الاستعدادات الجادة يمكن أن تصنع فيلسوفاً أو مفكراً اجتماعياً، لكنها وحدها لا يمكن أن تصنع روائياً، فذلك يلزمه المزاح مهما كانت جدية أو جهامة ما سيكتبه. المزاح ليس خياراً في الرواية، وليس طبيعة تكوين الروائي نفسه أو اختياره بمفرده، لكنه مفروض من طبيعة اللقاء بين الروائي وقارئه.
قراءة الرواية مزحة ولعبة متفق عليها بين الطرفين، تشبه لعبة الاختفاء. أليست «الاستغماية» في أصلها مزحة؟ نُغمِّي أحدهم ليبحث عنا في الزوايا القريبة بناءً على توقعاته لطريقتنا في التخفي.
القارئ الذي يشتري رواية قرر بكامل إرادته أن يلعب الاستغماية مع الكاتب، أي لديه النية المسبقة للمزاح، ولولا هذه النية ما استمر في قراءة الأكاذيب التي تقوم عليها الروايات، بل إن القارئ الحسَّاس لا يمكن أن يقبل بالروايات التي تخلو من الكذب، أي التي تخلو من المزاح. ومن بين البنود غير المدونة في العقد بين الكاتب والقارئ أن الأخير سيستمتع بالكذب دون أن يأخذه على محمل الجد، فلن يُجرِّب أحدهم أن يطير مع ملاءة مثلما حدث لريميديوس في «مائة عام من العزلة»، ولن ينتظر أحد العالقين صقراً لينتشله من هوة، كما حدث للسندباد في «ألف ليلة».
ولو تأملنا عمارة «ألف ليلة وليلة» السردية سنكتشف أن المزاح أحد أعمدتها الأساسية. وأهم مزاح في الليالي هو مزاحها مع التاريخ، ونلمسه في توجهات النص ونواياه المبدئية، وفي المتحقق داخل الكتابة سواء بسواء. وبوسعنا أن نأخذ مزاح الليالي كإجابة شافية للسؤال الصعب حول علاقة الرواية بالتاريخ.
الشخصية التاريخية الأبرز بلا جدال في الليالي، هي شخصية الخليفة هارون الرشيد الذي يخرج في جنح الليل مع وزيره جعفر البرمكي في تفقد ساخر لأحوال الرعية، يدفعه إليه الأرق والنية المسبقة في التسلية والمزاح، ودائماً ما يعثران على بغيتهما.
وبخلاف الوقائع التاريخية للفتح العربي للأندلس، تفتحها الليالي في مزحة من عدة أسطر (الليلة 271 طبعة القاهرة)، حيث تروي عن قصر مغلق، يُضيف كل ملك جديد من ملوك إسبانيا على أبوابه قفلاً، إلى أن جاء ملك من خارج بيت المملكة، أخذه الفضول لمعرفة ما بداخل القصر، ولم يستمع إلى التحذير، وما إن فتح الباب حتى وجد صوراً للعرب على ظهور الخيل، فكان هتك سر القصر سبباً لتحقيق نبوءة النصر العربي!
وتبدأ قصة اكتشاف «مدينة النحاس - الليالي من 566 إلى 578 طبعة القاهرة» باجتماع للخليفة عبد الملك بن مروان مع خاصته ليناقشوا أمراً خيالياً: أمر الجن العصاة القابعين في قاع المحيط الذين عاقبهم نبي الله سليمان بحبسهم في قماقم من النحاس مختومة بخاتمه، وتمخضت المزحة عن تشكيل لجنة للتحقق من الأمر أبحرت باتجاه المغرب لتضع نفسها تحت أمرة الصحابي موسى بن نصير الوالي على المغرب. (تُسميه الليالي موسى بن نصر) وعندما نبحث في كتب التاريخ نجد قصصاً تتعلق باسم الصحابي تقول إن لقبه كان نصر فعلاً وتم تصغيره إلى نصير: هل كان رواة «ألف ليلة وليلة» يعرفون هذه المعلومة غير القوية، وأرادوا إيقاظها؟ هل قصدوا تصحيف الاسم وتغييره لصنع مسافة من التاريخ؟
هناك وظيفتان للرواية عندما تدخل إلى التاريخ: الأولى إيقاظ النائم من التاريخ الرسمي، والثانية عدم التطابق التام معه. وقد انتهت اللجنة برئاسة موسى بن نصر إلى اكتشاف مدينة النحاس الممسوخة، التي تحوي وفرة من الذهب والجواهر. وتعود البعثة بأموال كثيرة للخليفة. في كتب التاريخ الرسمي حمل موسى بن نصير إلى الخليفة أموالاً طائلة من المغرب بالفعل، لكنها أموال جباية، ولكن الليالي تقوم بإزاحة الأموال إلى أصل أسطوري، بل جعلتها تتجاور مع القماقم؛ إذ عادت البعثة كذلك بقماقم فتحوها في حضرة الخليفة فخرج منها الجن يتوسلون إليه العفو عنهم متصورين أنه النبي الذي حبسهم!
«دون كيخوتة» أم الرواية الغربية ليست سوى مزحة فكر فيها سرفانتس على هذا النحو، وأخذت، ولم يكن من الممكن أن تستمر إلا بفضل تواطؤ كل من قابلهم الفارس الهزيل؛ فأي ممن صارعهم كان بوسعه أن يقضي على الفارس الواهم بضربة ويُقوِّض الرواية. ولا يمكن أن يكون دوستويفسكي قد كتب رواية «المِثل أو القرين» دون أن يمتلك إرادة المزاح على الرغم من ميلودراما النص القوية، ولم يفعل ذلك إلا لعلمه بأن القارئ سيتواطأ معه ويتابع حياة ياكوف بتروفتش جولدياكين، الكاتب في إحدى الإدارات الحكومية، وقد جعل الكاتب له قريناً مطابقاً يتبعه في كل مكان حتى أنه يحصل على وظيفة بالإدارة نفسها، ويجلس مقابله على طاولة النسخ، ويحتل مكانة بالتزلف للرؤساء.
وهل كان من الممكن لرواية «المسخ» أن تنشأ سوى من نية مازحة لدى كافكا رغم حزن التفاصيل؟
نجيب محفوظ كتب «ليالي ألف ليلة» بنية المزاح مع التاريخ وألف ليلة معاً، لكن القليل المتواتر شفاهياً من سيرة الكاتب المتكتم نجيب محفوظ، يؤكد أنه استهدف بمزاحه الجيل التالي له؛ جيل الستينيات، وقد أكثر بعضهم من الحديث عن مشروع لتأسيس رواية عربية انطلاقاً من التراث، وعندما نستعيد اليوم مزاحه ثلاثي الأبعاد (مع التاريخ وألف ليلة والواقع) نرى ذكاء السخرية في اشتقاقات الأسماء ونسخ وقائع التاريخ وجرأة الخيال المازح الأشجع من الأصل، حيث استنهض محفوظ قوة الجن في مدينة مزدحمة، بينما تظهر في «ألف ليلة» بالأماكن المعزولة. من باب إنكار العفاريت، يردد القاهريون مثلاً دارجاً: «ما عفريت إلا بني آدم»، لكن محفوظ مرَّر الكذبة بقدرته العالية على المزاح.
وبالمناسبة؛ فإن استعارة عالم ومحاكاته لا يحدث إلا في حالتين: حالة الكاتب الساذج الذي لم يعرف بعد الخوف من قوانين وشرطة الإبداع، وحالة الكاتب الواثق من حساسيته إلى درجة تجعله متأكداً من قدرته على الإفلات من المساءلة بمزاح يضع القوانين في خدمته، وفي خدمة رسالة النص.
في تقديمه للطبعة العربية من كتاب «الأسلوب المتأخر»، يكثف مايكل وود خلاصة رؤية إدوارد سعيد للمزاح بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة، ويتفق معه في قدرة المزاح على فعل ذلك.
هذا يؤكد أن المزاح واللهو في الأدب، ليس أقل قيمة من الجهامة الواقعية، ويصعب أن تكون هناك رواية رفيعة دون أن تكون حُبلى بالسخرية، الأمر الذي يجعل من لقب «الكاتب الساخر» شيئاً بلا معنى، أو يجعله واسعاً إلى درجة يجب أن تشمل كل الأذكياء.



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.