اتفاق سلام تاريخي ينهي عقوداً من الحروب الأهلية في السودان

البرهان وحمدوك: لن نعود للحرب واتفاقنا ليس لاقتسام السلطة... والسعودية والإمارات تؤكدان دعمه

مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)
مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)
TT

اتفاق سلام تاريخي ينهي عقوداً من الحروب الأهلية في السودان

مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)
مراسم توقيع اتفاق السلام السوداني في جوبا أمس (رويترز)

وسط أجواء من الفرح والأمل وقع السودانيون في «جوبا»، وعلى مقربة من ضريح القائد السوداني التاريخي «جون قرنق»، «اتفاقية سلام» غير مسبوقة ينتظر أن تكون بداية نهاية عقود من الحروب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى وملايين المصابين واللاجئين والنازحين.
وتزاحم عشرات الآلاف من سكان جنوب السودان وهم يحملون آلاتهم الموسيقية التقليدية، في «ميدان الحرية»، عند ضريح الزعيم السوداني الراحل «جون قرنق ديمبيور»، والذي قاد حرب عصابات ضد قوات الخرطوم استمرت قرابة 25 عاماً، انتهت باتفاقية السلام الأشهر «نيفاشا» عام 2005. للمشاركة في مراسم الاحتفال.
وجرت في جوبا لأكثر من عام، مفاوضات سلام مارثونية بوساطة من حكومة جنوب السودان، بين الحكومة الانتقالية السودانية، و«الجبهة الثورية» وتتكون حركات مسلحة ظلت تقاتل الجيش السوداني منذ نحو عقدين من الزمان، قبل أن تعلن وقف إطلاق النار، عقب إطاحة نظام الإسلاميين بزعامة الرئيس المعزول عمر البشير، بثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 الشعبية، وقوى شعبية مدنية من جهات السودان فيما عرف بـ«المسارات».
ووقع أمس قادة حركات المسلحة «الحركة الشعبية لتحرير السودان – مالك عقار، حركة العدل والمساواة السودانية - جبريل إبراهيم، حركة تحرير السودان – مني أركو مناوي، وحركات أخرى، إضافة إلى ممثلي مسارات أقاليم «الشرق، الوسط، الشمال» المنضوين لتحالف «الجبهة الثورية»، فيما وقع عن حكومة الخرطوم رئيس وفدها التفاوضي نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي».
ووقع كشهود وضامنين لاتفاقية السلام، كل من الرئيس التشادي إدريس ديبي، ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وممثلون عن دولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، ومندوبو الاتحادين الأفريقي والأوروبي والأمم المتحدة.
وشارك في مراسم التوقيع الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو، والرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلي، والرئيس التشادي إدريس ديبي، والرئيسة الإثيوبية سهلورق زودي، بجانب رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميادرديت، ووزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي، ووزير الدولة للشؤون الأفريقية السعودي أحمد قطان، والمبعوث الأميركي الخاص لدولتي السودان وجنوب السودان دونالد بوث، فضلا عن ممثلين لدول غربية وإقليمية وممثلين لعدد من الدول الغربية.
وحضر فعاليات التوقيع وفد سوداني يتقدمه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وأعضاء مجلس السيادة، وعدد من الوزراء، وقادة تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير المرجعية السياسية للحكومة الانتقالية، وإعلاميون وفنانون وشعراء ونشطاء وممثلون عن لجان المقاومة.
وتتضمن الاتفاقية الموقعة أمس ثمانية بروتوكولات، تتعلق بالعدالة الانتقالية والتعويضات، وملكية الأرض، وتطوير قطاع الرحل والرعي، وتقاسم الثروة والسلطة، وعودة اللاجئين والنازحين، إضافة إلى بروتوكول الترتيبات الأمنية، ويعنى بإعادة دمج وتسريح مقاتلي قوات الحركات المسلحة في الجيش النظامي لتكوين جيش موحد يعكس التنوع السوداني.
وغابت عن التوقيع كل من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، بيد أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قد التقى الجمعة بالحلو في جوبا، لحثه على الانخراط في عملية السلام الشامل في البلاد، وعقد معه اجتماعا بقصر الرئاسة في جوبا بحضور الرئيس سلفاكير ميارديت، ذكرت وكالة الأنباء الرسمية «سونا» أنه بحث تطورات عملية السلام بما يؤدي لاستئناف محادثات السلام بين الطرفين.
وفي كلمته لحفل التوقيع دعا رئيس الوزراء عبد الله حمدوك كل من عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو، للحاق بالسلام، وقال إن حكومته أكملت نقاش كل القضايا معهم. كما أشار إلى أهمية التنمية المستدامة في السودان وقال: لا سلام بدون تنمية وديمقراطية.
من جهته، أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عدم العودة للحرب مجدداً وقال في كلمته: «لن نحيد عن طريق السلام»، وإن الاتفاق الذي تم التوصل له يشمل كل المناطق، وأضاف: «استدار الزمان وأتينا إلى جوبا مرة أخرى سائرين على بساط السلام للتأمين على الاتفاق الذي وقع بالأحرف الأولى».
وبدوره قال رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت بصعوبة تطبيق اتفاق السلام في ظل الظروف السودانية، وناشد الأسرة الدولية والعالم العربي للالتزام بتعهداته في دعم تطبيق الاتفاق.
ووصف سلفاكير الاتفاق الذي رعاه بـ«الحدث تاريخي»، ودعا مواطنيه للفخر بجهود بلادهم لتحقيق السلام في السودان برغم التحديات التي تواجه بلادهم، واعتبر وساطته «وفاء لدين لدور يستمر السودان في القيام به، لتحقيق السلام في جنوب السودان»، وحث كل من عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور للانضمام لركب السلام، مؤكدا التزامه بالمصالحة والسلام في جنوب السودان وحل الخلافات عبر الحوار.
من جهته، وصف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الاتفاق بأنه «صفحة جديدة لنهضة السودان»، وقال: «اتفاقنا اليوم ليس معاهدة لاقتسام السلطة»، وأوضح أن البلاد اجتازت «مرحلة السلام الأولى بالصبر، قاطعا بأهمية السلام لتحقيق التنمية المستدامة والديمقراطية بقوله: «لا سلام مستداما بدون تنمية مستدامة وديمقراطية»، وأضاف: «هذا سلام سوداني مطبوع عليه هويتنا صنعناه بأيدينا وجهدنا مع تعهد ورعاية كريمة من أشقائنا في جنوب السودان».
وبحسب صفحته الرسمية على «فيسبوك» قال رئيس وفد التفاوض محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إن الاتفاق سيوقف الحرب ويحقق السلام والعدالة، ودعا لتنزيله لأرض الواقع «من أجل مصلحة وطننا العظيم ومحبي السلام في بلادنا»، واعتبره هدية للشعب وللذين عاشوا ويلات الحرب، وأضاف: «بهذا الاتفاق نكون قد بدأنا أولى الخطوات، نحو سودان خال من أصوات البنادق ونزف الدماء»، وتابع: «اليوم نودع أياماً حالكة الظلام من تاريخ بلادنا، ومعاً سنتجاوز الصعاب وصولاً إلى حلمنا في تحقيق الاستقرار والتطور والنماء».
وقال رئيس الجبهة الثورية الهادي إدريس يحيى، إن اتفاق السلام سيعزز العلاقة بين شعبي السودان وجنوب السودان، بيد أنه أشار إلى أهمية دعم المجتمع الدولي للاتفاق ومقابلة استحقاقاته، باعتبار استقرار السودان مسؤولية وطنية وإقليمية ودولية.
ووصف رئيس حركة السودان مني أركو مناوي توقيع الاتفاق بأنه «إنجاز مثل المعجزة»، وقال إن السودان ليخرج لبر الأمان يجب أن تعاون الاتفاقية ضحايا الحرب، وتوسيع القاعدة السياسية للحكومة الانتقالية.
وتعهد الاتحاد الأفريقي بالوقوف مع السودان لتنفيذ الاتفاق، ووصف ممثله رئيس المفوضية موسى فكي توقيع الاتفاق بالنقطة الحاسمة في عملية السلام، وأن الشعب السودان هو الضامن الأساسي له، فيما أكد مبعوث الرئيس الأميركي لدولتي السودان وجنوب السودان السفير دونالد بوث، التزام دول «الترويكا الغربية» بمساندة تحقيق العدالة والسلام في السودان، مشيرا إلى صعوبات واجهت توقيع اتفاق السلام، ومصاعب عديدة جابهت السلام في السودان، مشددا على أهمية توفير حياة أفضل للعديد من السودانيين في معسكرات النزوح.
من جانبه، دعا الاتحاد الأوروبي على لسان ممثله في حفل التوقيع الحركات التي لم تلتحق باتفاق السلام، للالتحاق بالسلام، ووضع الشعب السوداني «أولوية».
عربياً، أكد وزير الدولة للشؤون الأفريقية مبعوث خادم الحرمين الشريفين لحفل توقيع اتفاق السلم، أحمد بن عبد العزيز قطان، استمرار دعم المملكة العربية السعودية لشعب السودان لتحقيق طموحاته وآماله المشروعة، وقال: «السعودية تثق في قدرة الأشقاء على المضي قدما في طريق السلام، وتجاوز تبعات الماضي»، فيما تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم اتفاق سلام السودان، وأن دعمهما ينطلق من ثوابت العلاقات بين البلدين، وقال وزير البترول ممثل الدولة سعيد المزروعي للاحتفال: «نتمنى أن يجني الشعب ثمار هذا الاتفاق»، وتابع: «هذا سلام لا يصنعه إلا الشجعان»، وتعهد بأن تتابع بلاده السلام بالدعم والرعاية على المستويات كافة.
شعبياً، تحولت «ساحة الحرية» في جوبا إلى «حفل كبير» اختلطت فيه إيقاعات الطبول، بموسيقى الألحان الشعبية، وحناجر المغنين الشعبيين بالمغنين المحترفين، ومرددي الأشعار الشعبية باللغات الجنوب سودانية المتعددة، ومهرجانات الرقص الأفريقي الصخاب، زادته حماسا زغاريد النسوة الفرحات بتحقيق السلام في السودان الذي كان بلادهم قبل «الانفصال»، واختلطت فيه دموع الفرح بـ«زخات» المطر الجنوبي الهتان.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».