النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

آلة الحرب تتعطل انتظاراً لتوافق فرقاء السياسة

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
TT

النفط يعيد رسم «خارطة التوازنات» في ليبيا

سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر
سليمان البيوضي.... الدكتور عبد المنعم اليسر

انفتح المشهد الليبي على زوايا جديدة للرؤية، لا تخلو من مناكفات سياسية وتصلب في المواقف، عقب اتفاق لإعادة إنتاج النفط. وبدت الصورة من خلال هذه الزوايا أكثر وضوحاً باتجاه تحرك قطار السياسة الوئيد، في ظل نشوء توازنات جديدة على الأرض قد تسرع من وتيرة الوصول إلى «محطة توافق» يأمل معها الليبيون إجراء انتخابات نيابية ورئاسية تطوي صفحة الماضي وتنهي نزف الدماء.
جانب من هذه التفاهمات بين الأفرقاء السياسيين جاء نتيجة لقاءات عدة احتضنتها عواصم عربية وأجنبية، من بينها موسكو التي انفتحت على سلطات العاصمة طرابلس أخيراً، ما ساعدها في لعب دور لافت، جاء على حساب الولايات المتحدة، والسعي لإحداث توازن في العلاقات بين ساسة شرق وغرب ليبيا.
بشكل مفاجئ، أعلن في ليبيا عن إعادة إنتاج وتصدير النفط، نتيجة اتفاق وصف بأنه مثير للجدل، بين المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، وأحمد معيتيق النائب الأول لرئيس «المجلس الرئاسي» فائز السراج. وأحدث الاتفاق ردات فعل من الفرح والارتباك والرفض معاً؛ بعدما توعدت الأذرع العسكرية للسراج بإسقاطه.
غير أن الأمر، وفقاً لمسؤولين بقطاع النفط في غرب البلاد، ليس ككل مرة تغلق فيها الموانئ ويعاد تشغيلها مجدداً. إذ إنهم يعولون راهناً على الإصرار الدولي المغاير لما سبق، خصوصاً بعدما تعهدت جهات وشخصيات، بينها الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل «بحشد كل الجهود لاستئناف إنتاج وتصدير النفط في ليبيا بشكل كامل».
ثم إنه رغم التحديات الكبيرة التي تعترض الاتفاق، الذي يرى مراقبون أنه سيأتي على المسار الذي ترعاه البعثة الأممية ويدمره، فإن هناك من يتوقع أنه سيتحول مع الوقت إلى واقع ينصاع إليه الجميع ويقبلون بشروطه. وهذا، لكونه السبيل الوحيد الذي يمكن الليبيين من طي صفحة الحرب، وتحقيق توافقات تنهي فترة انتقالية طالت 9 سنوات وأكثر.
الدكتور عبد المنعم اليسر، رئيس لجنة الأمن القومي في «المؤتمر الوطني العام» السابق رأى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن الاتفاق «تحول مهم في القضية الليبية؛ لكنه، في ظل الموقف الأميركي الراهن والتخبط الدولي وضعف الاتحاد الأوروبي أمام أنقرة، قد لا يؤدي إلى اتفاقات دائمة تنهي الحرب، مع وجود القوات التركية و(المرتزقة) في ليبيا وسيطرة الميليشيات»، وأردف: «الحل لن يتحقق إلا بخطة متكاملة».

اجتماع سوتشي
ما يذكر أنه منذ إغلاق موالين لـ«الجيش الوطني» موانئ وحقول النفط، عشية انعقاد مؤتمر برلين الدولي حول النزاع الليبي، في 18 يناير (كانون الثاني) الماضي، بذلت جهود دولية عديدة لإعادة تشغيله، في مقدمتها محاولات أميركية مارسها سفيرها لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند. لكن كل الجهود تعثرت، باستثناء مفاوضات كانت تجريها روسيا منذ أشهر بين الطرفين المتنازعين، انتهت بالتوافق بين معيتيق، نائب السراج، ووفد من «الجيش الوطني»، على رأسه خالد نجل خليفة حفتر القائد العام. وفي اجتماع احتضنه منتجع سوتشي الروسي، أخيراً تحقق التوافق على إعادة إنتاج وتصدير النفط، وفق «شروط» عدة. وفور الإعلان عن الاتفاق، رحبت وزارة الخارجية الروسية به عبر موقعها الإلكتروني، واعتبرته «الخطوة الأولى نحو بناء الثقة بين الفصائل المتحاربة في ليبيا»، وبينما التزمت واشنطن الصمت حتى الآن، أيدته دول، منها فرنسا.
نص الاتفاق على تشكيل لجنة فنية مشتركة من الأطراف تشرف على إيرادات النفط وضمان التوزيع العادل للموارد. وتتولى التحكم في تنفيذ بنود الاتفاق خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، على أن يقيم عملها نهاية العام الحالي، وتحدد خطة عمل للعام المقبل.
في المقابل، لم يتطرق الاتفاق إلى مدينة سرت، التي من المفترض أن تكون «منزوعة السلاح» وحاضنة للسلطات التنفيذية الجديدة، وفق مقترح دعمته وتحمست له واشنطن، ورفضه «الجيش الوطني».

«الإخوان» و«المركزي»
من ناحية أخرى، ينظر لاتفاق النفط على أنه جولة من جولات الصراع بين أميركا وروسيا في ليبيا، باتجاه رسم «خارطة توازنات جديدة». وهي خارطة لا تعتد بـ«الوجوه المتكلسة»، وستدعو أخرى نشطة وفاعلة وقادرة على تجميع الشارع. ووفق مصدر عسكري تابع لـ«الجيش الوطني» تحدث لـ«الشرق الأوسط» فإنه من هذا المنطلق استدعي معيتيق، ابن مدينة مصراتة المناوئ لتنظيم «الإخوان» والتيارات الإسلامية الراديكالية هناك، ليلعب هذا الدور، تأسيساً على علاقته بموسكو التي قام بعدة زيارات لها أثمرت هذا الاتفاق.
وأضاف المصدر العسكري أن القيادة العامة «ستتعامل من الآن فصاعداً مع العقول المتفتحة بغرب البلاد بعيداً عن الوجوه المتكلسة، ولن تهتم بمن يريدون تعطيل الحياة في ليبيا، سعياً لإحداث توازن على الأرض... فليس كل ليبي سارق مال عام، أو جالب مرتزقة».
وبالنظر إلى رد فعل السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، نجد أنهما أخذا في التعاطي مع المتغير الجديد، حتى وإن كان بحذر؛ فالأخير المحسوب على تنظيم «الإخوان»، الذي كان قد سارع إلى وصف الاتفاق بأنه «مخالف للمبادئ الحاكمة بالاتفاق السياسي والقوانين المعمول بها»، بدأ يستعد للمرحلة المقبلة بالحديث عن توزيع المناصب في قادم الأيام. إلا أن حديثه عن تفاصيل جديدة تتعلق بكيفية اختيار محافظ المصرف المركزي أثار ردود فعل غاضبة لدى جميع الأطراف، تسببت في تأجيل التحاقه باجتماعات بوزنيقة بالمغرب، التي تضم بجانب وفد مجلسه ممثلين عن البرلمان، والذي كان من المقرر أن يلتحق بها أيضاً عقيلة صالح.
وكشف المشري، عبر لقاء تلفزيوني، فيما وصف بزلة لسان، عن تفاهمات تتعلق بالمصرف المركزي، وقال إنه تم الاتفاق أن يختار مجلس النواب، وفق معايير محددة، المحافظ وثلاثة أعضاء من مجلس إدارة المصرف المركزي، بينما يسمي مجلسه نائب المحافظ وأربعة من أعضاء مجلس الإدارة. وهي الخطوة التي وصفها البعض «محاولة إخوانية لمزيد من السيطرة على المصرف» ومقره طرابلس.
الشيء ذاته فعله السراج، الذي صمت طويلاً من دون أن يعلق على اتفاق إعادة ضخ النفط، الذي ترفضه قواته، إذ دعا في كلمته أمام الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، للانتقال سريعاً إلى مرحلة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لأنها «ستنهي أزمة الشرعيات» التي تعانيها ليبيا.
وسبق للمسماري أن حث السراج على توضيح موقفه من الاتفاق، وقال إنه «على مفترق طرق»، وأمام أحد خيارين: إما الوقوف مع وزير داخليته فتحي باشاغا الداعم للميليشيات المسلحة، أو نائبه أحمد معيتيق. وهذا ما عده مراقبون خطوة لإعادة التوازن على الأرض، باتجاه التعاطي مع شخصيات تنتمي إلى مصراتة، التي ظلت توصف بكونها «القوة الضاربة» لقوات السراج.

تحالفات وتصدعات
هنا بدت الصورة أكثر وضوحاً باتجاه المتغير الجديد، وهو ما علق عليه الكاتب والسياسي الليبي سليمان البيوضي، بالقول إن الاتفاق المفاجئ «مثل نقطة تحول جوهرية في الحالة الليبية، ورسم خطوط التحالفات والتصدعات داخلياً ودولياً». وتابع «لقد أحدث محلياً هزة عنيفة في لعبة صراع المواقع، وهو ما دفع بعض الأطراف السياسية للوقوف في وجهه بقوة، مخافة حدوث اتفاقات قادمة قد تؤدي إلى استبعادهم من الساحة، أو إفقاد البعض منهم منصبه في الحكومة الجديدة المرتقبة».
وأضاف البيوضي (وهو أيضاً من مصراتة) لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق «دليل تقارب حقيقي بين أطراف بغرب ليبيا، وتحديداً من مصراتة، مع (الجيش الوطني) بشرق البلاد، وهذا ما يمكن تفسيره بأنه يمثل استدارة في المواقف وتحولاً نحو خلق اصطفاف جديد وتحالف يرجح أنه سيكون متماسكاً في قادم الأيام، إذا ما تمكنت الأطراف المعنية بتقديم التنازلات، من أجل تجاوز هذه الأزمة الخانقة».
واستطرد البيوضي «المواقف الدولية بدت أكثر ارتباكاً حيال مفاجأة اتفاق النفط؛ فبعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا لم تعلق عليه، ربما لأنه دشن في عواصم أخرى، ولم تكن طرفاً فيه، أو لأنه قد أربك حساباتها في جنيف، وهو اللقاء الذي يعتقد كثيرون أنه عملية مرتبة لتمرير أشخاص بعينهم لقيادة حكومة الوحدة الوطنية». وأردف «يبدو أنه مثل لها إحراجاً مباشراً. إذ بينما تتحدث البعثة عن الفاعلين الرئيسيين في ليبيا وقدرتهم على خلق مسار سياسي تفاوضي، ظهرت الأطراف الفاعلة في مكان آخر وباتفاق كبير».
وللعلم، يقضي المقترح بوقف إطلاق النار وجميع العمليات القتالية في كل الأراضي الليبية، على أن تكون منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح، مع استئناف إنتاج النفط وتصديره، تحت إشراف المؤسسة الوطنية للنفط. يضاف إلى ذلك، إكمال الخطوة الإيجابية لبناء الثقة بمراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي في كل من طرابلس والبيضاء، والتأكيد على الالتزام بمخرجات «مؤتمر برلين» التي حددت مسارات ثلاثة لحل الأزمة الليبية (أمنية واقتصادية وسياسية) تفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة.

التفاعل الدولي
وبموازاة تحرك قطار السياسة الذي يسير بخطى وئيدة، جاءت المواقف الإقليمية الدولية، التي بدت ضامنة للاتفاق متفائلة. ذلك أن مصر استضافت في مدينة الغردقة وفدين لضباط من الجيش والشرطة يمثلان كلاً من «حكومة الوفاق» و«الجيش الوطني» ونوقش خلال المداولات عدد من القضايا الأمنية والعسكرية الملحة، منها تدابير بناء الثقة والترتيبات الأمنية، التي ستحدد في المرحلة المقبلة على ضوء اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5). كما أن أميركا أبدت تفاؤلا عبر عنه وزير خارجيتها مايك بومبيو، خلال مؤتمر صحافي عقده مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، بمقر وزارة الخارجية الإيطالية قصر فارنيزينا في روما، وقال إن الأوضاع في ليبيا «شهدت تحسناً على الأرض في الأسبوع الماضي»، بسبب ما أسماه «عودة الأطراف الليبية للحديث مع بعضها». أما دي مايو فرأى أن «الجهود المشتركة مع الحلفاء خلال الأسابيع الأخيرة حول الأزمة الليبية أصبحت تؤتي ثمارها». بل ذهب أبعد من ذلك، ليقول أزمة ليبيا تعد «قضية أمن قومي بالنسبة لإيطاليا».
ولكن رغم كل هذا التوافق الدولي لم تفلح فرنسا، حتى هذه اللحظة، في إنجاز خطتها الرامية إلى عقد لقاء يجمع حفتر والسراج، لما يراه بعض المتابعين رفض رئيس المجلس الرئاسي الجلوس مع قائد «الجيش الوطني» على طاولة المفاوضات مجدداً.

جنيف أو غيرها
في هذه الأثناء، بعيداً عما يعده البعض انتصاراً لـ«جبهة حفتر» التي أنجزت اتفاق إعادة النفط، في مواجهة جهود صالح الذي يهدف إلى استكمال المسارات التفاوضية مع «المجلس الأعلى للدولة» بقيادة المشري، ينتظر الليبيون أن تثمر لقاءات جنيف، أو غيرها من المدن، نتائج حقيقية ملموسة. إذ تبدل صناديق الذخيرة بصناديق الاقتراع، استغلالاً للهدنة السارية الآن - التي تعطلت على أثرها آلة الحرب في سرت والجفرة.
وهنا يقول سليمان البيوضي، إنه حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، الموعد المبدئي للقاء جنيف - الذي قد لا ينعقد في هذا الموعد - «سيضع الليبيون جميعاً أيديهم على قلوبهم؛ فربما يسعى البعض للدفع نحو الصدام، بيد أن حقيقة واحدة ستبقى؛ أن التحالفات المبدئية ستزداد رسوخاً».
وأمام جملة المشاكل والأزمات التي تعتصر الليبيين القلقين من ارتباط مصيرهم بالتوافقات والتوازنات الدولية، يرى عبد المنعم اليسر (المقيم في أميركا منذ عام 2014) أن الحل في ليبيا يتمثل في «خطة متكاملة» تشمل احترام سيادة البلاد واستقلالها، ومغادرة جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الأراضي الليبية فوراً، ونزع سلاح وتفكيك وإعادة الإدماج لجميع الميليشيات المسلحة على أساس المعايير العسكرية الدولية، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين وأسرى الحرب وكل الذين اختفوا قسراً، وضمان أن تشمل التحقيقات في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية كل الجرائم التي ارتكبت منذ 15 فبراير (شباط) عام 2011.
وانتهى اليسر إلى أن «المصالحة الوطنية أساس أي اتفاق سياسي، وعلى البعثة أن تضطلع ببرنامج مصالحة رئيسي مماثل أو مطور لتجارب جنوب أفريقيا أو رواندا أو غيرها من الحالات الناجحة لإنهاء النزاعات»، داعياً رؤساء الدول العربية إلى «اتخاذ موقف موحد وحازم لحل الأزمة الليبية».
أخيراً، سبق للبعثة الأممية الإعلان عن أنها بصدد إطلاق الترتيبات اللازمة لاستئناف مؤتمر الحوار السياسي الليبي الشامل، وسيكشف عن التفاصيل في الفترة المقبلة. كذلك دعت البعثة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته لدعم هذه العملية والاحترام المطلق للحق السيادي للشعب الليبي في تقرير مستقبله.

النفط... «قوت» الليبيين وسر شقائهم
> منذ إسقاط نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لم ينج النفط الليبي، الذي يوصف بأنه «قوت الشعب»، من «المساومات». وظلت الموانئ والآبار لسنوات طويلة في مرمى الاستهداف؛ إما لمطالب فئوية، أو لمناكفات سياسية بين الأطراف المتنازعة، أو الرغبة في السيطرة عليها من الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم «داعش»، لبعض الوقت.
وخلال السنوات التسع الماضية أصبح النفط كالكلأ المباح أمام «مافيا» التهريب، وسماسرة الوقود الذين أوصلوه في شاحناتهم الخاصة إلى حدود تونس، وأسواق أوروبا. إذ كانت البلاد تنتج قبل إغلاق الموانئ 1.2 مليون برميل يومياً، أي ما يزيد على 1 في المائة من الإنتاج العالمي، قبل أن تتدنى إنتاجيتها إلى أقل من 70 ألف برميل فقط يومياً وقت الحصار.
وسبق للصديق الصور، رئيس قسم التحقيقات في مكتب النائب العام، أن أمر، في الثامن من فبراير (شباط) عام 2019، بضبط 103 أشخاص متورطين بتهريب الوقود إلى الخارج. وقال الصور، حينذاك، إن أوامر التوقيف جاءت في إطار التحقيقات الجارية بوقائع الإضرار بالمال والمصلحة العامة بسبب تهريب الوقود والتصرف فيه بطرق غير مشروعة من قبل أصحاب بعض محطات الوقود التابعة لشركات التوزيع والمتورطين معهم، وبيعه بسعر غير قانوني واكتساب أموال بطرق غير مشروعة.
إغراءات النفط الليبي لم تتوقف عند الأشخاص، بل وصلت إلى الدول أيضاً. وهذا ما دفع أنقرة لاستغلال الأوضاع في طرابلس، وتوقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع المجلس الرئاسي، تعتزم بمقتضاها التنقيب قريباً عن الغاز في شرق البحر المتوسط، في خطوة أثارت كثيراً من الجدل. وكان مسؤول تركي رفيع قد قال في العاشر من سبتمبر (أيلول) إن بلاده تبحث مع السلطات الليبية بدء عمليات تنقيب عن النفط والغاز في ليبيا. ومعلوم أن أنقرة داعمة لـ«حكومة الوفاق الوطني»، ومقرها طرابلس. وعلى الأثر، طالب ساسة ليبيون بالتحرك السريع في وجه المساعي التركية، مشيرين إلى أن «حكومة الوفاق»، حسب رأيهم، «لا تمثل الشعب الليبي، ولا يحق لها التوقيع أو التفريط في ثروات البلاد».
وفي السابع من أغسطس (آب) الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثلاثة ليبيين: فيصل الوادي، ومصباح محمد وادي، ونور الدين مصباح، وشركة «الوفاق»، ومقرها في مالطة، وسفينة «المرايا»، بتهمة تكوين شبكة تهريب تساهم في الاضطراب داخل ليبيا.
هذا، وتوجه عائدات النفط، وفقاً للمصرف المركزي بطرابلس، للإنفاق على قطاعات كثيرة بالدولة، كما تسدد منها أجور الموظفين في الدولة. وتمثل، وفق بيانات ديوان المحاسبة، 93 إلى 95 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتغطي 70 في المائة من إجمالي الإنفاق. ولكن في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي عمقته الحروب والاشتباكات، تردت الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل كبير، ما دفع المئات منهم إلى التظاهر والاحتجاج.
ويرى مراقبون أن أزمة ليبيا الحقيقية تتركز على امتلاكها ثروة نفطية مهمة يريد أفرقاء الداخل السيطرة عليها والتحكم في عائداتها، في حين يسعى وسطاء الخارج إلى الاستحواذ عليها والاستفادة منها بشكل أو بآخر، منذ اكتشافها عام 1958.
ووفق التقديرات الجدية، تمتلك ليبيا احتياطات ضخمة من الغاز تبلغ 55 تريليون قدم مكعب، كما تقدر احتياطيات النفط المؤكد بنهاية 2018 بنحو 48.36 مليار برميل. وكان حقل الشرارة، بجنوب البلاد، ينتج نحو 334 ألف برميل يومياً، قبل إغلاق الموانئ. وتضم منطقة «الهلال النفطي» ما يقارب 70 في المائة من إنتاج ليبيا. وهي تمتد (من الشرق إلى الغرب)؛ من ميناء الزويتينة إلى ميناء البريقة ورأس لانوف ومنها إلى السدرة، وتقع جميعها تحت سيطرة «الجيش الوطني الليبي» بالقرب من مدينتي سرت والجفرة.
ورفع جزئياً حصار كان مفروضاً على منشآت النفط الليبية، مما سمح بإعادة فتح بعض الموانئ والحقول تدريجياً، لكن التعافي الكامل للإنتاج يواجه عقبات وضبابية. وكانت مؤسسة النفط ذكرت عقب اتفاق معيتيق وحفتر، أنها لن تستأنف العمل إلا في الموانئ والحقول التي تخلو من أي وجود عسكري.
وقال رئيس شركة الخليج العربي للنفط منتصف الأسبوع، إن حقل السرير النفطي الليبي قد استأنف الإنتاج، كما أشارت شركة الخليج العربي للنفط الليبية الأربعاء الماضي، إلى أنه بتحميل الناقلة «كيب غينيا» 21 ألف طن من (النفتا) ستكون مصفاة طبرق قادرة على العمل بطاقتها البالغة 20 ألف برميل يوميا.



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.