دورق مملوكي يتصدر مزاد سوذبيز لفنون العالم الإسلامي

500 قطعة تتنافس على إظهار براعة الصانع وثراء المقتني

إسطرلاب من القرن الـ17 من الهند  -  دورق مغولي مرصع بالزمرد  -  دورق مملوكي صنع في سوريا في القرن الـ14 (سوذبيز)
إسطرلاب من القرن الـ17 من الهند - دورق مغولي مرصع بالزمرد - دورق مملوكي صنع في سوريا في القرن الـ14 (سوذبيز)
TT

دورق مملوكي يتصدر مزاد سوذبيز لفنون العالم الإسلامي

إسطرلاب من القرن الـ17 من الهند  -  دورق مغولي مرصع بالزمرد  -  دورق مملوكي صنع في سوريا في القرن الـ14 (سوذبيز)
إسطرلاب من القرن الـ17 من الهند - دورق مغولي مرصع بالزمرد - دورق مملوكي صنع في سوريا في القرن الـ14 (سوذبيز)

إنه شهر أكتوبر (تشرين الأول) وهو موعد محبي الفن الإسلامي لمطالعة والاستمتاع بكل ما أنتجه الصانع والحرفي عبر العصور الإسلامية المختلفة. دور المزادات في لندن استعدت لهذا الموسم منذ أشهر وجمعت عددا غير قليل من القطع النادرة والتي لا بد من أن تضم المصاحف النادرة والمخطوطات والأسلحة والقطع النفيسة كل منها له قصة وسلاسل من الملاك.
وقبل المعرض العام لمزاد دار سوذبيز لفنون العالم الإسلامي والهندي أتيح لي الاطلاع على أهم القطع التي ستعرضها الدار سوذبيز في مزادها يوم 27 من الشهر الحالي.
- دورق مملوكي
أدخل لمكاتب خبراء الفن الإسلامي في الدار وهي متخمة بالقطع المتناثرة ما بين الأرفف والأسطح، وأحتار إلى أين أتوجه بناظري، تلفتني مشكاة من الزجاج والمزخرفة بآيات وكلمات بالمينا الملونة. «من العصر المملوكي؟ أتساءل وتجيبني ألكساندرا روي نائبة مدير قسم الفن الإسلامي في الدار قائلة «لا نعرف بعد، سنحاول إجراء الاختبارات عليها». غير أن القطعة التي لفتتني غير معروضة في هذا المزاد ولكنها تقودنا إلى قطعة مشابهة، وهي دورق من الزجاج المزخرف والذي يحمل كتابات حول منتصفه ملونة ومذهبة، «هذا الدورق من العصر المملوكي وله قصة»، تشير محدثتي. تقول إن الدورق في البداية لم يعتبر على أنه وليد العصر المملوكي الذي اشتهر بالقطع الزجاجية البديعة وذلك «بسبب لون الزجاج والذي يبدو خاليا لحد كبير من الشوائب والألوان، والتي كانت تظهر في القطع من ذلك العهد». الكتابات التي على سطح الدورق تحمل مديحا لـ«السلطان» بدون ذكر اسمه، الأحرف كتبت بالذهب ولاحقا بالمينا الزرقاء بحيث يبدو كل حرف وكأنه محاط بظل ذهبي. وعلى النصف الأعلى تسبح سمكتان مذهبتان للأعلى، تقول ألكس إن الأسماك من سمات الأباريق الزجاجية المصنوعة في العهد المملوكي وتضيف «عند ملء الدورق بالماء تبدو الأسماك وكأنها تسبح، وهو تأثير لطيف». الدورق المصنوع في سوريا في القرن الـ14 معروض بسعر يتراوح ما بين 300 إلى 500 ألف جنيه إسترليني.
- صفحة من المصحف الأزرق
وجود مخطوطة من المصحف الأزرق الشهير والذي كتب إما في القرن التاسع أو العاشر الميلادي في الأندلس، من نقاط الجذب في أي مزاد للتحف الإسلامية. وهنا نرى واحدة من المجلد وفيها آيات من سورة النحل. جماليات المصحف الأزرق تبهر البصر فالأحرف الذهبية واللون الأزرق في الخلفية يمنحان المخطوطة جمالا سرمديا. نعرف أن المصحف لا يوجد كوحدة متكاملة وأن صفحات متفرقة منه تظهر كل فترة وأخرى ويتنافس عليها محبو اقتناء المخطوطات. يمكن تخيل حجم المصحف بكامل صفحاته، من المؤكد أنه كان مجلدا ضخما و«أفخم مخطوط تمت كتابته في العالم الإسلامي في ذلك الزمن» خاصة أن صحائفه من الجلد المصبوغ باللون الأزرق وهو ما كان أمرا مكلفا للغاية حسب ما تقول لنا الخبيرة إضافة إلى استخدام الذهب في الكتابة. ويشير كتالوغ المزاد إلى إجماع خبراء الفن الإسلامي على أن المصحف كان فائقا في فخامته وهو ما يدل على أنه كتب لصالح حاكم شديد الثراء والطموح. ورغم أن المصحف يعرف بأنه صنع في الأندلس أو شمال أفريقيا إلا أن هناك جدلا حول المكان الأصلي الذي خرجت منه هذه التحفة البديعة والتي يقدر لها سعر يتراوح ما بين 150 إلى 250 ألف جنيه إسترليني.
- قطعة شطرنج من حجر الزبرجد
قطع الشطرنج المصنوعة من الكريستال الصخري أو الأحجار الكريمة دائما ما تشير إلى انتشار اللعبة في العالم الإسلامي وأيضا على مكانة صاحب الرقعة وملحقاتها. في هذا المزاد تعرض لنا روي قطعة وحيدة من قطع اللعب تعود إلى القرن التاسع وهي تمثل الحصان وهي من الزبرجد. اللون الأزرق الغائم للقطعة يحير البصر، كما يحيرنا مصدرها فهي قد تكون من مصر أو العراق أو إيران.
- صندوق أندلسي من العاج
أمامنا صندوق نادر من العاج يعود لعصر بني نصر في الأندلس (القرن الـ14)، يتميز بالتشكيلات الهندسية المتشابكة وبأضلاعه الثمانية. تقول الخبيرة إن «التشكيلات الهندسية تذكرنا بقصر الحمراء، حيث تعبر الكتابات على الجدران وعلى الأسقف عن اللانهائية والوحدانية، الصندوق يفتقد الغطاء ويقدر لها سعر يتراوح ما بين 80 إلى 120 ألف جنيه إسترليني.
- دورق مغولي مرصع بالزمرد والياقوت
كيف يمكن حمل دورق كل أسطحه مرصعة بالزمرد والياقوت؟ نحن أمام قطعة من أجمل الأمثلة على الصياغة الهندية. حبات الزمرد تنتظم في تشكيلات سداسية تفصل بينها حواجز ذهبية وتعلوها شرائط من الذهب المطعم بالياقوت.
ثم هناك عنق الدورق المطلي بالمينا البيضاء المحلاة بزهرات رقيقة من الذهب والياقوت. الدورق يعود إلى نهاية القرن السابع عشر من شمال الهند. المدهش في القطع الهندية وفن صناعة المجوهرات هو أن كل الأسطح مزينة وملونة، وهذا الدورق لا يستثنى من ذلك فعند حمله يمكننا رؤية القاعدة المطلية بالمينا البيضاء والمزخرفة بأوراق النباتات باللون الأخضر والعصافير الرشيقة والورود الحمراء، أما أعلاها فنجد السدادة الأنيقة والمرصعة في كاملها بالزمرد وتعلوها ماسة وحيدة. أحجار الزمرد والتي يبلغ عددها 600 حجر مبطنة برقائق معدنية لضمان لمعانها «على عكس الصاغة في أوروبا كان صناع المجوهرات في العصر المغولي يحرصون على أن تكون المجوهرات براقة». سعر القطعة يتراوح ما بين 500 إلى 800 ألف جنيه إسترليني.
- «قبقاب» من الخشب المطعم بالصدف
في أحد الرسومات التي تعود إلى القرن الـ17 نرى امرأة تركية ترتدي زوجا من «القباقيب» الخشبية العالية، رأينا مثلها من قبل في مزادات سابقة، بعضها مزين وملون ويدل على مكانة صاحبته. في المزاد الحالي نرى زوجا من تلك القباقيب الخشبية مطعما بالصدف، بنفس العلو، مع شريطين من الجلد المبطن بالقماش المشغول بوردات من اللون الأحمر القاني. القباقيب كانت ترتدى في الحمامات العامة ويساهم علوها في حماية قدم السيدة من سخونة الأرضية حسب ما تذكر لنا الخبيرة، غير أن الارتفاع، والذي يمكن اعتباره مبالغا فيه، يشير أيضا إلى الموضة السائرة في ذلك الوقت والتي جنحت للجماليات أكثر من العملية. وهو ما تؤكد الخبيرة بقولها «كانت النساء يتنافسن على من ترتدي زوجا أعلى من غيرها، حتى لو كان ذلك غير مريح فالاهتمام كان منصبا على من منهن اتباعا لموجات الأزياء الرائجة». الزوج المعروض أمامنا مطعم بالصدف على هيئة زهور ومعروض بسعر يتراوح ما بين 15 إلى 20 ألف جنيه إسترليني.



«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.