«صفقة الجنوب» بعد سنتين... نموذج قلق لـ«سوريا المستقبل»

سباق روسي ـ إيراني وغارات إسرائيلية واغتيالات في ريفي درعا والسويداء

عناصر من قوات النظام السوري بمعبر نصيف في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
عناصر من قوات النظام السوري بمعبر نصيف في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

«صفقة الجنوب» بعد سنتين... نموذج قلق لـ«سوريا المستقبل»

عناصر من قوات النظام السوري بمعبر نصيف في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
عناصر من قوات النظام السوري بمعبر نصيف في يوليو 2018 (أ.ف.ب)

مرت سنتان على عودة قوات الحكومة السورية إلى المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية من البلاد؛ إذ سمحت «صفقة الجنوب»، بسيطرة الحكومة والرموز الموالية للنظام، على المناطق الريفية في درعا والقنيطرة بمباركة من الأردن وإسرائيل ضمن التفاهم المسبق الذي نشأ بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.
وكان لزاماً لاستيفاء بنود «الصفقة»، أن تستسلم قوات المعارضة المتمركزة في درعا وتسلم أسلحتها مع الاكتفاء بما يمليه عليها النظام السوري من ظهور مقنن في صورة المجالس المحلية، في حين جرى طرد «القوات غير السورية»، وهو التعبير الواصف لميليشيات موالية لإيران، من المناطق الحدودية المتاخمة للأردن وخط فك الاشتباك في مرتفعات الجولان.
لكن بعد مرور عامين على إبرام الصفقة، لا تزال أعمال العنف في المنطقة التي لم تنعم بالأمن والاستقرار. هناك شعور عام بالإحباط لدى قادة قوى المعارضة الذين لم ينالوا حظهم من الحكم الذاتي المحلي الموعود، ولا تزال الحكومة الأردنية غير قادرة تماماً على إعادة توطين اللاجئين السوريين بأعداد كبيرة في الداخل السوري، فضلاً عن الغارات الجوية الإسرائيلية المستمرة على «مواقع إيران» التي غيرت هيئتها منذ إبرام الصفقة قبل عامين. ومع تحول الاهتمام الدبلوماسي إلى شمال غربي البلاد أو شمالها الشرقي، هنا ترجمة غير رسمية لبحث نشر في «مركز السياسات العالمية» في واشنطن، عن الدروس المستفادة من «صفقة الجنوب».

كانت روسيا – وهي اللاعب الرئيسي في الحلبة السورية منذ تدخلها العسكري في الحرب الأهلية للمرة الأولى في عام 2015 – القوة الدافعة المحركة وراء إبرام تلك الصفقة من الأساس. وترجع تلك الصفقة بأصولها إلى الاتفاقية الأولى المبرمة في مايو (أيار) عام 2017 بين كل من روسيا وإيران وتركيا والمعنية بإنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد العسكري في سوريا، وكان الغرض الروسي منها معاونة الحكومة السورية على إلحاق الهزيمة بقوى المعارضة السورية وبقوات «الجيش السوري الحر».
وفي تلك الأثناء، كانت الولايات المتحدة الأميركية تعتمد سياسة أكثر ضلوعاً وانخراطاً في الشأن السوري، سواء كان ذلك بصورة علنية من خلال قاعدة التنف العسكرية، حدود روسيا والعراق والأردن، في محافظة حمص والمخصصة لتدريب القوات المكلفة بمكافحة تنظيم «داعش» الإرهابي في المنطقة، أو بصورة سرية من خلال الجهود التي كانت تشرف عليها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) من تدريب وتسليح قوى المعارضة السورية. وكان أحد أغراض الولايات المتحدة من وراء ذلك هو دعم وحماية مصالح الحلفاء الإقليميين؛ الأمر الذي جعل من المشاركة الإيرانية في المحادثات في آستانة، من الأمور الباعثة على القلق لدى واشنطن.
وفي يوليو (تموز) من عام 2017، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين عن اتفاق وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية السورية وقوى المعارضة. وكان الرئيس الأميركي ترمب - قبل إبرام ذلك الاتفاق – قد أوقف تماماً جهود وكالة الاستخبارات الأميركية في تمويل قوى المعارضة السورية، فيما يعد موافقة ضمنية من جانبه على السماح للجانب الروسي بالحفاظ على اليد العليا والكلمة الأولى في الشأن السوري. ولقد حاولت روسيا ممارسة بعض الضغوط على الولايات المتحدة بُغية إغلاق قاعدة التنف، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح في هذا الصدد حتى الآن. واستمرت المحادثات المشتركة بين الجانبين الأميركي والروسي منذ ذلك الحين، وعلى وجه التحديد فيما يتصل باستمرار التواجد العسكري الإيراني وأمن إسرائيل، وذلك حتى تاريخ التوصل إلى اتفاق في عام 2018 قضى بإخراج القوات والميليشيات الموالية لإيران من الجنوب السوري بالكلية.
وشنت القوات الحكومية السورية في يوليو 2018، حملة عسكرية جديدة بدعم من القوات الروسية على محافظتي القنيطرة ودرعا. وحسب مسؤول رفيع، في قوى المعارضة السورية، فإن تسليم «الجيش السوري الحر» أسلحته جاء بتوجيه – وربما ضغوط – من قبل ممثلين عن الحكومتين الأردنية والأميركية مع قبول الاتفاقيات المبرمة بهذا الخصوص ما بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي اشتملت – من بين أمور أخرى – على تشكيل المجالس المحلية، والاعتراف بعلم الحكومة السورية الرسمي، مع التوقيع على اتفاقيات التسوية اللاحقة.
وفي أثناء المحادثات التي جرت بين شخصيات من المعارضة السورية، اقترح الجانب الروسي تشكيل مجموعات جديدة من «الجيش السوري الحر» تحت قيادة «الفيلق الخامس» الخاضع لسيطرة القوات المسلحة الروسية. وكانت موسكو ترمي من وراء ذلك إلى تكوين الجيش المحلي الموالي لها حتى تتمكن من السيطرة على مجريات الأحداث في أرض الواقع مع الحيلولة دون إيران وتجنيد المزيد من الميليشيات الموالية لها في الداخل السوري.

بعد مرور عامين

يقترب وصف مدينة درعا في الآونة الراهنة من «مدينة الأشباح». وأفاد عدد من شهود العيان في المدينة بأن القوات الحكومية السورية تسيطر على حاجز التفتيش الأمني عند مدخل المدينة من طريق عمان – دمشق السريع الذي تظهر عليه صورة بالحجم الكبير للرئيس السوري بشار الأسد، فضلاً عن ملصقات لبيانات تمجد الجيش السوري. ذلك مع ندرة وجود نقاط التفتيش الموالية للحكومة السورية في داخل أنحاء المدينة، مع وجود طفيف لقوات الجيش، وقوات الأمن الداخلي، وبعض المسؤولين التابعين للحكومة الروسية.
وعلى جهة أخرى، تشهد المناطق الريفية المحيطة بمدينة درعا – التي كانت فيما قبل معقلاً من معاقل قوى المعارضة السورية حتى قبل عام 2018 – محاولات للتفجير المتناثرة هنا أو هناك مع بعض عمليات الاغتيال المنفردة والمتكررة بصفة شبه يومية. وأعلن «تجمع أحرار حوران» عن ارتكاب 415 محاولة اغتيال للأفراد على مدار العامين الماضيين – من بينها 277 محاولة اغتيال استهدفت مدنيين مع 133 محاولة اغتيال أخرى ضد مقاتلي المعارضة السابقة الذين انضموا إلى القوات الحكومية السورية بعد التسوية، فضلاً عن 48 محاولة أخرى طالت قادة وعناصر المعارضة الذين بقوا من دون ولاء واضح. وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن مقتل واغتيال أكثر من 525 شخصاً هناك في عام واحد، من بينهم 56 عنصراً من عناصر المعارضة السابقين من الذين وافقوا على المصالحات والتسويات التي أبرمت مع النظام السوري الحاكم، ذلك مع مقتل 19 مقاتلاً تابعين لـ«حزب الله» ومقاتلين آخرين موالين لإيران، فضلاً عن سقوط 17 مقاتلاً من جنود الفيلق الخامس السوري.
لم يوقف الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وروسيا، القوات الحكومية السورية من السعي وراء بسط السيطرة الكاملة على المناطق الجنوبية من البلاد. كما لم يُفلح ذلك الاتفاق، وبشكل كامل، في إبعاد القوات الموالية لإيران عن الاقتراب من الحدود الأردنية أو الإسرائيلية. وكانا لزاماً على الجانب الروسي التدخل في غير مناسبة من أجل منع القوات الحكومية السورية من الهجوم على ريف درعا. وفي أحد الأمثلة الواضحة، أرسلت القوات الحكومية السورية تعزيزات عسكرية إلى بلدة طفس من الفرقة الرابعة المدرعة من قوات الحرس الجمهوري الذين يُعتقد بصلاتهم الوثيقة مع الجانب الإيراني. ولقد جاءت تلك الخطوة في أعقاب سيطرة عناصر مقاتلة سابقة من «الجيش السوري الحر» على نقطة تفتيش تابعة للقوات الحكومية السورية قبيل هجوم الأخيرة بتعزيزاتها العسكرية على بلدة طفس. ولقد دفعت تطورات الأوضاع هناك إلى التدخل المباشر من جانب القوات الروسية.

روسيا وإيران

وقال مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتييف، قوله: «إن مقاتلي (حزب الله) والميليشيات التي تدعمها إيران قد انسحبوا جميعاً من هناك»، وفي سبتمبر (أيلول) 2018، بعد الأزمة بين تل أبيب وموسكو بعد إسقاط إسرائيل بالخطأ طائرة روسية قرب سواحل سوريا، كشف الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف تفاصيل التفاهمات الروسية – الأميركية. وقال إن تم «انسحاب جميع القوات الموالية لإيران وأسلحتها الثقيلة من مرتفعات الجولان إلى مسافة آمنة بالنسبة لإسرائيل وهي 140 كيلومتراً شرق سوريا». كما أضاف أنه انسحب من هذه المنطقة 1050 عسكرياً و24 راجمة صواريخ ومنظومة صاروخية تكتيكية تعبوية، وكذلك 145 وحدة من أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى. كما بددت قيادة مجموعة القوات الروسية في سوريا بناءً على طلب إسرائيل مراراً مخاوف الجانب الإسرائيلي بشأن النقل المحتمل لطرف ثالث لما يسمى بنماذج «المنتوجات العسكرية الحساسة» التي سلمتها روسيا إلى سوريا. كما سيرت «القوات الدولية لفك الاشتباك» (اندوف) دورية في 2 أغسطس (آب) لأول منذ عام 2012 برفقة الضباط الروس الذين وصلوا إلى خط وقف إطلاق النار المتفق عليه منذ عام 1974، في دلالة إلى عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل عام 2011.
ربما تكون إيران قد أقدمت على سحب الميليشيات غير السورية من البلاد، غير أنها لم تتوقف قط عن السعي وراء ترسيخ تواجدها وتعزيز قواتها بغير وسيلة أخرى، لا سيما من خلال تجنيد المزيد من الميليشيات السورية في المناطق الريفية المتاخمة لمدن درعا، والسويداء، والقنيطرة؛ وذلك بهدف مواصلة ممارسة الضغوط على إسرائيل. كما حاول الجانب الإيراني تعزيز تواجده ونفوذه في سوريا عن طريق دعم الفرقة الرابعة المدرعة في الجيش السوري. وبدت تلك الفرضية مؤكدة وواضحة، سيما بعد عودة الفرقة الرابعة المدرعة إلى الظهور على مسرح الأحداث في أعقاب تأسيس «الفيلق الخامس» الموالي لروسيا في الجيش السوري.
ودخلت روسيا وإيران في مواجهة تتسم بالهدوء الحذر بشأن المناطق الجنوبية في سوريا، تلك المواجهة التي تجري على أرض الواقع بالوكالة ما بين الفرقة الرابعة المدرعة الموالية لإيران لقاء «الفيلق الخامس» الموالي لروسيا. ولقد تجلت إشارات ذلك الصراع عبر المحاولات المتكررة من كلا الجانبين في بسط السيطرة الكاملة على محافظة درعا. ولقد سعت الفرقة الرابعة المدرعة إلى تجنيد المقاتلين – لا سيما من عناصر قوى المعارضة السابقة – من خلال الاستمالة بالرواتب الشهرية السخية، وغير ذلك من الامتيازات الأخرى التي تشتمل على الحماية والبقاء في درعا بدلاً من إعادة نشرهم في إدلب أو في أواسط سوريا.
ووفقاً لبعض النشطاء والمسؤولين المحليين في محافظة درعا، لا تزال اليد العليا في الصراع هناك لروسيا ولـ«الفيلق الخامس» الموالي لموسكو. هذا، وحسب مسؤول معارض، يخطط «الفيلق الخامس» الموالي لروسيا راهناً لرفع قوته البشرية من الجنود إلى 20 ألف مقاتل. ويختار الكثير من العناصر حالياً الانضمام إلى «الفيلق الخامس» بدلاً من الالتحاق بالجيش السوري أو «الفرقة الرابعة»، أو التحول إلى هاربين من الخدمة. وأشرف أحمد العودة، قائد «الفيلق الخامس» بنفسه على حفل تخرج الدفعة الجديدة والذي حضره عدد من الضباط الروس وهتف فيه مئات المقاتلين بهتافات مناهضة للرئيس السوري، مثل «عاشت سوريا»، و«يسقط بشار الأسد». وكان لافتاً، أن الأيام الأخيرة شهدت تعرض «الفيلق» لمحاولات اغتيالات في معقله، بصرى الشام.

الاستجابة الإسرائيلية

في أواخر شهر يونيو (حزيران) الماضي، ذكرت دمشق و«المرصد السوري لحقوق الإنسان» قيام إسرائيل بشن غارات جوية على المناطق الجنوبية الغربية من سوريا. واستهدفت تلك الغارات أربع محافظات، هي: دير الزور، وحمص، وحماة، والسويداء. وأفادت وكالة الأنباء العربية السورية الرسمية (سانا)، «تم استهداف إحدى النقاط العسكرية بالقرب من صلخد في جنوب السويداء». ثم عاودت إسرائيل شن الغارات الجوية في أواخر أغسطس وفي سبتمبر من العام الحالي، في إشارة واضحة إلى اعتقاد إسرائيل بأن روسيا قد أخفقت في إبعاد القوات الموالية لإيران عن مناطق غرب سوريا المتاخمة لحدودها.
وكانت إسرائيل قد شنّت مئات الغارات الجوية خلال السنوات الأخيرة، غير أن الغارات المشار إليها آنفاً كانت هي الأولى من نوعها التي تستهدف المناطق الريفية في محافظة السويداء بالقرب من الحدود الأردنية. الأمر الذي يشير إلى استمرار التواجد العسكري الإيراني في المناطق الجنوبية من سوريا. وكانت إسرائيل قد استهدفت بغاراتها الجوية محطة للرادار في تل الصحن في ريف محافظة السويداء في أواخر شهر يونيو الماضي، وفقاً لما أفادت به شبكة «السويداء 24» الإخبارية؛ الأمر الذي أثار التكهنات بأن إيران تحاول الاستيلاء على هذه القمة على وجه التحديد من أجل تركيب أجهزة للمراقبة والتنصت في أعقاب سيطرة روسيا على النقطة الاستراتيجية في تل الحارة في محافظة درعا ضمن التفاهمات الأميركية والروسية سالفة الذكر.
وكانت إيران تسعى منذ فترة طويلة إلى زرع خلاياها في مرتفعات الجولان، جنباً إلى جنب مع سيطرة عناصر «حزب الله» على بلدة الحضر في ريف محافظة القنيطرة. ولقد استهدفت إسرائيل الخلايا الموالية لإيران هناك مرات عدة بعملياتها العسكرية، بما في ذلك اغتيال جهاد مغنية، وهو نجل القيادي في «حزب الله» عماد مغنية، ذلك أثناء محاولة تواجده في مرتفعات الجولان في بداية 2015
كما قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتنفيذ غارات جوية أخرى عدة على خلية موالية لإيران في ريف القنيطرة في مطلع شهر أغسطس، تلك التي أعقبها قصف لنقطة اتصال تابعة للجيش السوري في منطقة «فك الاشتباك». وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قد حذر من رد قوي وشديد في حالة العمليات الانتقامية بالتزامن مع التدريبات العسكرية التي يجريها الجيش الإسرائيلي في الأجزاء المحتلة من الجولان. ولقد جاء ذلك التصريح في أعقاب زيارة نادرة قام بها الجنرال مارك مايلي، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، إلى تل أبيب بهدف دراسة التنسيق العسكري ضد إيران، ولا سيما فيما يتعلق بالوجود الإيراني في سوريا. وجاءت تلك الزيارة رفيعة المستوى بمثابة رسالة واضحة إلى الجانب الإيراني و«حزب الله» بالتنسيق العسكري المكثف بين الولايات المتحدة الأميركية والجيش الإسرائيلي. غير أن انفجار بيروت الأخير قد أسفر عن تعديل تلك الخطط عن صورتها الأولى.

دروس صفقة جنوب سوريا

تختلف أهداف كل من أميركا، والأردن، وقوى المعارضة السورية، من تلك الصفقة. إذ إن الحكومة الأردنية لاتزال تعمل على تأمين الحدود الشمالية سيما مع استمرار عمليات التهريب عبر الحدود السورية، في حين لم تبذل الحكومة السورية أي جهود تذكر لتوفير الظروف المواتية لعودة النازحين أو اللاجئين السوريين من الأردن. ولا يزال طريق درعا - نصيب السريعة بعيداً من الأمان المطلق؛ الأمر الذي يجعل من الصعب للغاية استئناف نقل البضائع من لبنان إلى الخليج مروراً بالأردن.
ولم يسفر تخلي أميركا عن دعم «الجيش الحر» عن أي مكاسب معتبرة - سواء بالنسبة إلى قوى المعارضة، التي كانت تأمل في الاستحواذ على درجة معينة من الحكم الذاتي والسلطة المحلية، أو بالنسبة إلى الأردن، الذي كان يأمل في وجود منطقة آمنة يمكن للاجئين العودة بسهولة إليها. وحتى أولئك الذي تخيروا إعلان الولاء للحكومة السورية المركزية لم يربحوا الكثير من المكاسب. إذ أعرب عدد من المرشحين للبرلمان عن شكاويهم من استشراء الفساد الانتخابي، ووجهوا الاتهامات إلى دمشق بتسجيل أسماء الناخبين من المعتقلين أو المتوفين بغية ضمان فوز المرشحين الموالين بالكامل في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، على حساب المرشحين المستقلين في البلاد.
ربما لم تكن الولايات المتحدة الأميركية جادة على الإطلاق في دعمها لـ«الجيش الحر»، لا سيما في أعقاب صعود «داعش» ثم «جبهة النصرة»، غير أنها قامت بالتخلي عن دعمه من دون الحصول على أي شيء في المقابل من روسيا.
ومن الراجح أن الأطراف الأخرى لم تكن منيعة للغاية في مواجهة مثل تلك الخسائر. إذ يعكس الاستهداف الجوي الإسرائيلي للتواجد العسكري الإيراني داخل سوريا مدى السوء الذي تتحمله مثل تلك التفاهمات. فضلاً عن عدم وجود جهة تنظيمية – أو ربما رقابية – تشرف على مجريات تنفيذ الاتفاق يعكس في حد ذاته نقطة ضعف عميقة من حيث إن تنفيذه صار يتعلق بصفة شبه كاملة على رغبة روسيا في متابعة الأمر من عدمه، من دون مساءلة تُذكر من جانب الولايات المتحدة الأميركية أو أي أطراف ثالثة ذات صلة بالأمر، مثل منظمة الأمم المتحدة.
لقد أعربت السلطات السورية عن أن استراتيجيتها للبقاء والاستمرار تتمحور حول المحافظة على حالة دقيقة للغاية من التوازن ما بين حليفين في موسكو وطهران، من دون تفضيل أي جانب منهما على الآخر، خشية من أن الاعتماد على طرف دون طرف قد يسفر عن تعريض دمشق لغضب الطرف الآخر، وللعداوات الإقليمية، وربما العالمية. أما بشأن حالة الصراع المستمرة ما بين إيران وروسيا في الجنوب السوري فهي أبلغ دليل على الاستراتيجية السورية المعتمدة والتي حولت المناطق الخاضعة لسيطرة النظام الحاكم – بما في ذلك جنوب البلاد – إلى مناطق نزاع مشتعل جديدة.
ولا بد من أخذ سيناريو الوضع الراهن في الجنوب السوري في الحسبان في حال إجراء أي محادثات بين الولايات المتحدة وروسيا في المستقبل فيما يتصل بمنطقة شمال شرقي الفرات التي تتواجد فيها «قوات سوريا الديمقراطية»؛ إذ لا يزال الجانب الروسي يطلق البالونات لاختبار العزم الأميركي في تلك المنطقة، وصار يهدد بصورة فعلية اتفاق «منع الصدام» الذي جرى التوقيع عليه في منتصف عام 2017، ثم تجدد العمل به في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وذلك في ظل انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من أجزاء كانت تسيطر عليها على الحدود السورية - التركية.
ولا تزال «صفقة الجنوب» تعتبر من العلامات الواضحة إلى استعداد الجانب الروسي لاستغلال أي اتفاق محتمل لتعزيز قوات الحكومة واستعادة السيطرة الكاملة على تراب البلاد مع سحق قوى المعارضة تماماً، سيما في غياب كامل لآليات المساءلة من أي درجة، ما يعني أن الوضع في الجنوب قد يكون نموذجاً لـ«سوريا المستقبل».



العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة قصص نساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكن نجاتهن لم تكتمل بعد. فبين ذاكرة مثقلة بالصدمة وخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

استند هذا التحقيق إلى مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط» مع عدد من الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إلى جانب مراجعة تقارير أممية ووثائق صادرة عن منظمات دولية وخبراء قانونيين ونفسيين. وتم حجب أسماء الناجيات وبعض التفاصيل التعريفية حفاظاً على سلامتهن وخصوصيتهن.

في بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية والدعم النفسي بفعل الحرب، تصبح فرص التعافي محدودة أو غائبة، ما يترك الناجيات في مواجهة آثار مركبة تمتد من الجسد إلى النفس، ومن الفرد إلى الأسرة، وصولاً إلى النسيج الاجتماعي الأوسع.

هكذا يتحول العنف الجنسي من فعلٍ يقع في سياق الحرب إلى أزمة ممتدة، تتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن الإنصاف، لتبقى الناجيات عالقات بين ما حدث لهن، وبين مجتمع لم ينجح بعد في الاعتراف الكامل به أو احتوائه.

سيدة سودانية في موقع نزوح في الخرطوم (غيتي)

«والدتي بالكاد تعرّفت عليّ»

تبدأ إحدى الشهادات من حي الأزهري، جنوب الخرطوم، حيث كانت الناجية تعيش مع أسرتها منذ اندلاع الحرب. مثل آلاف الأسر، اضطرت العائلة للنزوح بين مناطق مختلفة قبل أن تستقر مؤقتاً في دار السلام بمدينة أم درمان. خلال هذه الفترة، كانت المرأة تساهم في إعالة الأسرة عبر بيع سلع تُجلب من «سوق صابرين»، وكان والدها أيضاً يعمل في بيع السلع ما أتاح للأسرة دخلاً معقولاً.

لكن حياتها انقلبت، بعد توقيفها أثناء عودتها من السوق برفقة شقيقها في رمضان 2024. ففي طريق العودة استقلّا مركبة متجهة نحو منطقة سكنهما، ليبدأ بعض الركاب في استجوابهما حول مكان السكن وعمل الوالد.

وتقول الشابة إن المجموعة اقتادتهما لاحقاً إلى منطقة دار السلام بغرض التحري. حاولت هي إنكار بعض المعلومات، لكن شقيقها كان قد أدلى بتفاصيل عن الأسرة، لتُنقل بعد ذلك إلى مقر النيابة في منطقة سوق ليبيا، حيث خضعت للتحقيق على يد أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي أمر باحتجازها.

بقيت محتجزة يومين، قبل أن تُنقل في اليوم الثالث إلى منزل القائد نفسه، حيث تعرضت لأول واقعة اغتصاب. وبعد أيام قليلة نُقلت إلى موقع آخر حيث فرضت عليها أعمال سخرة من تنظيف وكي ملابس وغير ذلك، فيما الانتهاكات الجنسية استمرت بصورة متكررة.

وتضيف: «كانوا يأتون إلينا ليلاً، وعندما نرفض نتعرض للضرب. ما زالت آثار التعذيب واضحة على جسدي حتى اليوم. كانوا يطفئون أعقاب السجائر على أجسادنا، وأصبحت ساقاي تحملان آثاراً وتشوهات دائمة».

سيدة من ام درمان تخفي وجهها عن الكاميرا وقد تحدثت عن اختطافها واغتصابها على يد قوات الدعم السريع ودفع مبلغ مالي مقابل الافراج عنها ( أ ب)

وتؤكد أن الاعتداءات لم تكن حوادث فردية أو معزولة، بل تكررت بشكل شبه يومي على مدى أشهر. وتقول إن «بعض الضحايا كن يتعرضن للاغتصاب عدة مرات في اليوم، وأحياناً من أكثر من شخص»، معتبرة أنه لا جدوى من الشكوى أو طلب المساعدة في ظل غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها.

حسب الشابة، استمرت فترة احتجازها نحو أربعة أشهر، لم تعرف خلالها ما جرى لأخيها، إلى أن صادفت شخصاً تعرفه أسرتها. وعلى الرغم من أنه لم يتعرف عليها في البداية بسبب التغير الكبير الذي طرأ على ملامحها وحالتها الجسدية، تمكنت من لفت انتباهه وطلبت منه التواصل مع أسرتها، فساعدها في الوصول إلى آخر نقطة أمنية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، ومنها تمكنت من العودة إلى منطقة سوق الحر ثم إلى أسرتها.

كانت العائلة تعتقد أنها فقدت ابنتها إلى الأبد، وتقول: «حتى والدتي بالكاد تعرفت عليّ للوهلة الأولى بسبب النحول الشديد والتغيرات الهائلة التي طرأت على شكلي ونفسيتي».

وبعد بضعة أيام من الراحة، أخذتها أمها إلى المستشفى للخضوع لفحوصات طبية، فيما تولّت بطريقتها إبلاغ الوالد بتفاصيل ما جرى خوفاً عليه من صدمة مضاعفة.

وتختتم الشابة شهادتها بالقول إن قصتها ليست استثناءً، بل تشبه قصص فتيات أخريات جرى احتجازهن، لافتة إلى أن هذه التجربة لم تسلبها حريتها وأمنها فحسب، بل أثرت أيضاً على مستقبلها إذ كانت مخطوبة قبل اختطافها، ولم تتمكن حتى الآن من مقابلة خطيبها أو الحديث معه بشأن ما تعرضت له.

لعل ما يلفت في هذه الشهادة ليس فقط حجم الانتهاكات، بل البنية المتسلسلة لها، من اعتقال عشوائي، وتنقل بين مواقع احتجاز غير رسمية، وانعدام الرقابة، ثم نقل إلى مواقع شبه رسمية حيث انتهاكات ممنهجة داخل فضاء مغلق بالكامل. هذه البنية تتكرر في إفادات أخرى، ما يؤكد فرضية النمط وليس الاستثناء.

ولا تبدو هذه الرواية حالة معزولة، إذ تتقاطع مع عدد من الشهادات التي جمعتها «الشرق الأوسط» من مناطق مختلفة، وتكشف أنماطاً متشابهة من الاحتجاز والانتهاكات المرتكبة بحق النساء خلال فترة النزاع في السودان.

سيدان تعبران خطوط النار في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ ف ب- غيتي)

«سيّدة سلّمتني وحملي لم يشفع لي»

تروي إحدى السيدات من حي بانت شرق بمدينة أم درمان تفاصيل تجربة قاسية عاشتها خلال الأشهر الأولى من الحرب، حين كانت تقيم مع زوجها فيما طفلهما يتلقى العلاج في مستشفى السلاح الطبي.

تقول السيدة إن الأوضاع المعيشية كانت بالغة الصعوبة، وعانت الأسرة نقص الغذاء ومقومات الحياة الأساسية، فيما الرحلة إلى سوق ليبيا، أقصى غرب أم درمان، تشكّل مخاطرة كبيرة بسبب انتشار نقاط التفتيش وحالات الاعتقال والضرب والإهانة التي يتعرض لها المدنيون أثناء تنقلهم.

ولم يشفع للسيدة أنها كانت ترافق طفلها المريض إلى المستشفى وهي حامل بشهرها الثاني؛ فهناك في المستشفى نفسه، تعرّفت إلى امرأة بدا أنها تشارك العائلة الظروف نفسها، لتقوم بالوشاية عليها وتسليمها لـ«قوات الدعم السريع»، مستغلة معرفتها بأن زوج الضحية ضابط في الجيش السوداني.

وتقول الناجية: «سلمتني تلك المرأة إلى عناصر (الدعم السريع) في قسم الراشدين، وأبلغتهم بأنني زوجة ضابط. وهناك تم احتجازي نحو شهر كامل». وتؤكد أنها أخبرتهم منذ البداية بأنها متزوجة وحامل، متوسلة إليهم ألا تتعرض للتعذيب أو الضرب، لكنهم أبلغوها بأنهم سيتخذون إجراءات بعد الولادة.

وبعد فترة من الاحتجاز، نُقلت إلى قسم آخر يُعرف بـ«القسم 18»، حيث كانت محتجزة مع نحو 15 امرأة من زوجات العسكريين، إضافة إلى 12 امرأة أخريات من المدنيين، معظمهن من سكان حي بانت.

أطفال سودانيون يلعبون خارج مدرستهم في مخيم للاجئين شرقي طرابلس الليبية يوم 18 مايو 2026 (أ ب)

وتروي كيف أن الحوامل كن يُستثنين أحياناً من الضرب المباشر، بينما كانت الأخريات يتعرضن لسوء المعاملة بشكل متكرر، منها اعتداءات وانتهاكات جنسية طالت فتيات صغيرات في السن، لكنها تقول إن الخوف حال دون قدرة المحتجزات على الاعتراض أو حتى السؤال عما يحدث.

وتضيف أن المحتجزات من زوجات العسكريين تعرضن لضغوط وإجبار على الزواج من عناصر في «قوات الدعم السريع»، بلا شهود أو إجراءات قانونية، فيما المسؤولون عن الاحتجاز أخبروهن صراحة بأنهم لم يتمكنوا من قتل أزواجهن بالسلاح، فسيؤذونهم بهذه الطريقة.

وتؤكد السيدة أنها حاولت مراراً إقناعهم بأنها متزوجة أصلاً، لكن جميع محاولاتها قوبلت بالرفض. وفي نهاية المطاف، أُجبرت على الزواج من أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي نقلها إلى منطقة دار السلام غرب أم درمان.

وخلال فترة وجودها في دار السلام، احتجزت في غرفة حيث منعت الطعام والشراب ولكن كان يتم تخديرها بانتظام، ما يفقدها القدرة على الحركة والتركيز وجعل تلك الفترة مشوشة في ذهنها. ولا تزال حتى اليوم بعدما نجحت في الهرب من قبضة الخاطفين والعودة إلى أسرتها، تعيش حالة من الشك والقلق بشأن ما إذا كانت قد تعرضت لاعتداءات جنسية خلال فترة احتجازها الطويلة، مؤكدةً أن تأثير العقاقير والحقن التي أُجبرت على تناولها جعلها غير واعية لكثير مما جرى حولها في تلك الفترة.

فجوة العدالة وتحديات الدعم

في حين يصعب توثيق حالات الانتهاك الجنسي لأسباب شتّى، فإن الإحصاءات الرسمية المسجلة منذ اندلاع الحرب في السودان بلغت نحو 2200 حالة، حسب وزيرة الدولة للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحق، التي لفتت أيضاً إلى أن الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، خصوصاً في مناطق دارفور التي تعاني صعوبة الوصول إلى الضحايا.

سيدات سودانيات في طابور أمام أحد مراكز الدعم وتقديم المساعدات (أ ف ب- غيتي)

ولفتت الوزيرة في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعامل مع هذه القضايا يتم عبر شراكات مع منظمات وطنية ودولية ووكالات أممية.

وأضافت أن ثلاث قضايا فقط وصلت إلى القضاء، جميعها بحق أفراد من الجيش السوداني، بعد رفع الحصانة عنهم، وصدرت بحقهم أحكام في ولايتي الأبيض والنيل الأبيض.

أما بالنسبة للانتهاكات المنسوبة لـ«قوات الدعم السريع»، فقد أوضحت إسحق أن ملاحقتها قانونياً في الوقت الراهن غير ممكنة، داعية إلى توثيق الانتهاكات لضمان عدم الإفلات من العقاب مستقبلاً.

وكان تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة كشف أن مفوضية حقوق الإنسان وثّقت خلال عام 2025 أكثر من 500 حالة عنف جنسي، شملت الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والتعذيب الجنسي، والاستعباد الجنسي، وهي انتهاكات أفضت في بعض الحالات إلى الوفاة.

كما أفاد أحدث تقارير منظمة «أطباء بلا حدود» بأن المنظمة قدّمت الرعاية لأكثر من 3396 ناجية من العنف الجنسي في ولايتي شمال وجنوب دارفور، خلال الفترة بين يناير 2024 ونوفمبر 2025. ونقل التقرير عن مسؤولين معنيين بمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي تسجيل زيادة في الحوادث بأشكال متعددة، من بينها العنف المنزلي، والتحرش، والاستغلال الجنسي.

كانت «أطباء بلا حدود» وصفت هذه الجرائم بأنها أصبحت «علامة مميزة» للنزاع في السودان، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل على الأرجح سوى «قمة جبل الجليد».

أزهار عبدالله، سيدة سودانية خطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه في أم درمان، السودان في أبريل 2026 (أ ب)

وأشارت الوزيرة إلى أن وزارة الصحة توفر بروتوكولات الدعم الطبي والنفسي قدر المستطاع، بينما يتم تقديم الدعم القانوني بالتنسيق مع النيابة العامة، مع وجود تفاوت بين الولايات في مستوى الخدمات والاستجابة، خصوصاً مع ضعف التمويل الذي يمثل أحد أبرز التحديات؛ «على الرغم من أن قضايا العنف ضد النساء مسألة إنقاذ حياة وليست قضية ثانوية»، على حد تعبيرها.

كذلك كشفت إسحق عن خطة لإنشاء مراكز حماية وإيواء جديدة، تقوم على الدمج بين الخدمات دون تعريض الناجيات لمخاطر الوصمة أو فقدان الخصوصية، في محاولة لتجاوز إخفاقات التجارب السابقة.

وأكدت أن اللجوء إلى القضاء يبقى خياراً شخصياً للناجيات، في ظل مخاوف اجتماعية وأمنية تعيق الإبلاغ، مشددة على أهمية توفير بيئة آمنة تضمن السرية والحماية خصوصاً في مجتمع محافظ مثل السودان.

«لن أتخلى عن طفلي»

في صلب هذه المخاوف، تقع قصة ناجية من مدينة بحري، تم اعتقالها خلال الأشهر الأولى من الحرب، عاشت تجربة مريرة وقاسية من الاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة، انتهت بحمل وضغوط مجتمعية هائلة.

تقول الناجية في شهادتها إن معاناتها لم تنتهِ بخروجها من المعتقل، بل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط النفسية والاجتماعية بعد عودتها إلى أسرتها حيث واجهت مطالبات والدتها المتكررة بالتخلي عن الطفل وتسليمه إلى دور الرعاية، بينما رفضت هي وتمسكت بحقها بالاحتفاظ بطفلها، مؤكدة أن لا ذنب له بما جرى.

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وأضافت: «كيف أتخلى عن قطعة من نفسي؟ سأواجه مشكلتي وأدافع عن طفلي بكل ما أوتيت من قوة».

وتشير الشابة إلى أن قرارها بالاحتفاظ بطفلها وضعها في مواجهة دائمة مع أسرتها والمجتمع ومواقف سيئة من بعض المقربين منها، في وقت كانت تحاول التعافي من آثار التجربة الأليمة التي مرت بها.

وتلفت إلى أن أكثر ما يثقل كاهلها ليس فقط ذكريات الاحتجاز والانتهاكات التي تعود إليها باستمرار، بل اضطرارها الدائم والمستميت للدفاع عن حق طفلها في الحياة والبقاء إلى جانبها، بينما تواصل هي نفسها رحلة التعافي من آثار حرب كارثية دمرت حياتها بالكامل.

العنف الجنسي سلاح حرب

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى أحمد تقد لسان، وهو المتحدث باسم تحالف «تأسيس»، عن تعرض نساء للاغتصاب في مناطق تحت «قوات الدعم السريع»، وموقف التحالف من الاتهامات المتعلقة باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، فقال المتحدث إنه «اطلع على السؤال، لكنه لم يجد دليلاً مادياً يدعم هذه الاتهامات، ولا يرى سبباً يدعو إلى التعليق عليها».

علماً بأنه، حسب تعريف رسمي على موقع التحالف السياسي المعروف بـ«تأسيس»، فإن «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) هو ائتلاف يضم فصائل سياسية سودانية، وحركات مسلحة، ومهنيين، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، توحّدهم إرادة مشتركة راسخة لتحقيق السلام الدائم، وإرساء الحكم الديمقراطي، وبناء وحدة حقيقية وشاملة في كامل أنحاء السودان».

عمال يحمّلون السلع الغذائية على عربات برنامج الأغذية العالمي في قاعدة الخدمات اللوجستية بجنوب السودان (أ.ف.ب)

في المقابل، يرى الخبير القانوني معز حضرة، أن اتفاقات جينيف الأربع لعام 1949 نصّت بوضوح على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وجرّمت استخدام العنف الجنسي باعتباره انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني. ويشير إلى أن هذه المبادئ جرى تضمينها أيضاً في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، الذي يجرّم الاعتداءات الجنسية والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن السودان يواجه أزمة حقيقية في مسار العدالة، في ظل غياب نظام عدلي فعّال قادر على محاسبة المتورطين، إلى جانب انهيار المؤسسات القضائية وضعف أدوات العدالة الوطنية. كما لفت إلى أن مجلس حقوق الإنسان شكّل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات، إلا أن الحكومة السودانية لم توافق على دخولها، ما عقّد فرص التحقيق والمساءلة.

وأوضح حضرة أن الآليات الوطنية والدولية الحالية تبدو عاجزة عن القيام بدورها الكامل في المحاسبة، في وقت يشهد فيه النظام العدلي الداخلي انهياراً واسعاً. وأشار إلى أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقتصر حالياً على الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، داعياً إلى توسيع هذا الاختصاص ليشمل جميع أنحاء السودان، بما يضمن ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أينما وقعت.

ويعكس العدد المحدود للقضايا التي وصلت إلى القضاء مقارنة بحجم الانتهاكات المبلغ عنها حجم الفجوة القائمة بين توثيق الجرائم وإمكانية ملاحقة مرتكبيها، في ظل تحديات أمنية وقانونية ومؤسسية فرضتها الحرب المستمرة.

إحصاءات صادمة

قدّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 12.7 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات، بحاجة إلى دعم يتعلق بالعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في عام 2026 وحده، ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً من 3.1 ملايين في عام 2023، وزيادة بأكثر من 500 ألف شخص منذ عام 2025، كما أنه يقارب ضعف العدد المسجل في عام 2024، وأربعة أضعاف العدد ما قبل اندلاع النزاع في السودان.

وفقاً لدراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، فإن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، قالت هيئة الأمم المتحدة إن العنف الجنسي الذي شهد زيادة مطردة في عام 2025، تصاعد بشكل حاد خلال العام الحالي، وسط ارتفاع معدلات حوادث التحرش والاستغلال والعنف المنزلي.

ونشرت الهيئة تنبيهاً سلّط الضوء على الأثر غير المتناسب لثلاث سنوات من الحرب على النساء والفتيات، استند إلى بيانات استطلاع شمل 85 منظمة تقودها نساء، ومنظمات تُعنى بحقوق المرأة، إلى جانب مجموعتي نقاش وتقارير صادرة عن وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية.

وأفادت الهيئة في تقريرها بأن «ثلثي النساء العاملات في الخطوط الأمامية أبلغن عن زيادة ملحوظة في العنف الجنسي خلال عام 2025، فيما أشارت نصف المشاركات إلى تصاعده خلال عام 2026».

سيدتان سودانيتان تقيمان في إحدى المدارس في الخرطوم هرباً من القتال (غيتي)

انعدام شعور الأمان

«تروي النساء والفتيات في جميع أنحاء السودان قصص تجارب مستمرة من الخطر؛ إذ يشكّل العنف القائم على النوع الاجتماعي جزءاً من حياتهن اليومية، سواء كان ذلك على طول الطرقات أثناء محاولتهن الفرار من النزاع الدائر، أو عند وصولهن إلى مخيمات النزوح».

هذا ما أكدته فابريزيا فالشيوني، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، خلال حديثها للصحافيين في نيويورك، 17 أبريل (نيسان) 2026، عبر الفيديو من العاصمة الخرطوم، حيث سلطت الضوء على تدهور أوضاع النساء والفتيات في البلاد، مشيرةً إلى أن النساء «يشعرن بعدم الأمان في أي مكان يقمن فيه».

ويستند هذا التقييم إلى دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان بمشاركة نحو ألف امرأة وفتاة في 16 ولاية من أصل 18 ولاية. وأظهرت النتائج أن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها، بما في ذلك الأسواق ونقاط المياه ومناطق جمع الحطب والطرقات، خصوصاً خلال الليل.

وأكدت المسؤولة الأممية أن انعدام الأمن يطول أيضاً الحياة اليومية، مشيرةً إلى أن «الشعور بانعدام الأمان» يتضاعف في ظل انقطاع الكهرباء وظلام المدن ليلاً. وأفادت بأن الإبلاغ عن حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال محدوداً، بسبب وصمة العار والخوف من الانتقام والقيود المالية وبُعد مراكز الخدمات.

سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

جروح نفسية عميقة

قالت الاختصاصية النفسية خديجة محمد العبيد، إن الناجيات من العنف الجنسي في سياق النزاعات المسلحة والحروب يواجهن آثاراً نفسية معقدة وعميقة، إذ تمتد آثار الصدمة إلى ما بعد الاعتداء نفسه، وتتفاقم بفعل النزوح والحرب وفقدان الإحساس بالأمان.

وأوضحت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن من أبرز الآثار النفسية التي قد تعاني منها الناجيات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، الذي يظهر في صورة استرجاع متكرر للحدث المؤلم، وكوابيس وأحلام مزعجة، إضافة إلى الميل لتجنب الأشخاص أو الأماكن أو المواقف التي تذكر بالحادثة. كما قد تعاني الناجيات من حالة مستمرة من فرط اليقظة والخوف والقلق، ما يؤثر بصورة مباشرة على حياتهن اليومية وعلاقاتهن الاجتماعية.

وشددت العبيد على أهمية توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من العنف الجنسي عبر مساحات آمنة تحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية، مع ضرورة ربطهن بشبكات الدعم والخدمات المتخصصة لضمان الحصول على الرعاية والعلاج المناسبين، بما يسهم في التعافي واستعادة القدرة على مواصلة الحياة بصورة طبيعية.

من تظاهرة في لندن دعماً للسودان حملت فيها لافتة "أكثر من 130 امرأة فضّلن الموت على الاغتصاب" (غيتي)

فراغ الدعم النفسي

لا تبدو الانتهاكات الجنسية المرتبطة بالحرب مجرد وقائع عابرة، بل جراح ممتدة تعيد تشكيل حياة الناجيات، في ظل تحديات مستمرة تتعلق بالدعم والحماية والعدالة.

ما تكشفه الشهادات ليس فقط حجم الانتهاك، بل عمق الفراغ الذي يتركه خلفه: فراغ في الدعم النفسي، وفي الحماية القانونية، وفي الاستجابة المجتمعية التي ما زالت في كثير من الحالات تميل إلى الصمت بدل المواجهة. وبينما تتعدد الجهات الفاعلة في مسار الحرب، تبقى النساء في قلبها الأكثر هشاشةً، والأقل قدرةً على الوصول إلى الإنصاف.

إن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الناجيات وحدهن، بل يكرّس دائرة العنف ويحول الجريمة إلى نمط قابل للتكرار. لذلك فإن مواجهة هذه الانتهاكات لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً: مستقبل العدالة، ومصداقية المؤسسات، وقدرة المجتمع على التعافي من آثار الحرب.

وبينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل حياة ملايين السودانيين، تظل معاناة الناجيات من العنف الجنسي واحدةً من أكثر تداعياتها قسوة وأقلها ظهوراً إلى العلن.


الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».


هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».