الثقافة في مصر 2014.. جسد عاث فيه الفساد والخراب

شهدت ملتقى «الرسم على الحوائط» ومؤتمرا للشعر وندوات أدبية متنوعة

نساء البرلس يشاركن الفنانين  بدهان الشبابيك في الملتقى   -  ملصق معرض جائزة  الفنان محمد عبلة
نساء البرلس يشاركن الفنانين بدهان الشبابيك في الملتقى - ملصق معرض جائزة الفنان محمد عبلة
TT

الثقافة في مصر 2014.. جسد عاث فيه الفساد والخراب

نساء البرلس يشاركن الفنانين  بدهان الشبابيك في الملتقى   -  ملصق معرض جائزة  الفنان محمد عبلة
نساء البرلس يشاركن الفنانين بدهان الشبابيك في الملتقى - ملصق معرض جائزة الفنان محمد عبلة

وقفت الثقافة المصرية خلال العام الحالي (2104)، على عتبة تغيير؛ تتقدم خطوة، تتراجع خطوات. في حركة مضطربة تعيد إنتاج الماضي، ولا ترسخ أقدامها في المستقبل. تحكمها ثنائية موجعة، تترنح ما بين المزيد من اليأس والقليل من الأمل. تزداد مفارقات هذه الثنائية ألما وإحباطا، حين تسقط أحلام التغيير بعد ثورتين شعبيتين، وتتحول إلى مجرد شعارات لإزجاء الوقت، من دون عائد حقيقي على أرض الواقع يلمسه المبدعون، سواء في صناعة الكتاب، أو المسرح، أو السينما، أو الفن، أو وجود مجلة ثقافية راقية، تعني بالكتابة الجديدة في شتى مناحي الإبداع، أو الحوار الجاد حول قضايا الثقافة والإبداع والبحث عن حلول واقعية لها، بعيدا عن سياسة الترقيع التي تتستر على جسد مهلهل، عاث فيه الفساد والخراب على مدى سنوات.
هذه السياسة، وفي واقعة استثنائية لم تشهدها الثقافة المصرية على مدار تاريخها الطويل، دفعت كاتبا حائزا على جائزة البوكر العربية، لأن يعلن اعتزاله الكتابة، احتجاجا على تعيين مسؤول ثقافي يحاكمه القضاء في قضايا فساد كثيرة، مستشارا ثقافيا لرئيس الحكومة. لم يلتفت أحد إلى مغزى هذه القرار، وما ينطوي عليه من قسوة تصل إلى حد الموات للكاتب نفسه. وجرى تسويق المسألة من قبيل «الشو» الثقافي، والنزاعات الشخصية بين طرفيها، صاحب رواية «عزازيل» أستاذ الفلسفة الدكتور يوسف زيدان، والدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية.
تترادف هذه الواقعة مع واقعة أخرى يتناسل في ظلالها عملية إنتاج الماضي، وهي تكليف وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور والباحث والكاتب المعروف السيد ياسين، بوضع استراتيجية للثقافة المصرية، تحكم مساراتها خلال السنوات الـ4 المقبلة، وهو ما أثار موجة من الغضب في أوساط الكتاب والمثقفين، احتجاجا على النهج الفردي الأحادي، الذي يصل إلى حد الوصاية في التعامل مع الثقافة والنظر إلى قضاياها، وكأنها تركة خاصة، يتوارثها مسؤول بعد آخر، بحسب الظروف والأحوال، وليست فعلا جماعيا يشارك في إنتاجه المبدعون على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية والفنية.
اللافت في الأمر، أن الكتّاب لم يجدوا في ورقة ياسين الاستراتيجية جديدا يذكر يستحق النقاش، بل رأى العديد منهم، أنها متأخرة كثيرا حتى عما طرحه طه حسين في كتابة الشهير «مستقبل الثقافة في مصر» في خمسينات القرن الماضي، علاوة على أن فكر السيد ياسين نفسه، ورؤيته الإصلاحية التبريرية، لم تعد تصلح لما يفور به جسد الثقافة المصرية من أسئلة وقضايا وأفكار، تستوجب المعالجة، في إطار رؤية ثورية مفتوحة بحيوية على الماضي والحاضر والمستقبل، تعتد بالتعدد والتنوع الثقافي معولا أساسيا للتغيير والبناء.
عكس الانتقاد الحاد لورقة السيد ياسين خوفا آخر على الثقافة المصرية، اتسعت رقعته حين فوجئ المثقفون بمظاهر للتضييق على حرية الإبداع والتعبير، تمثلت شواهدها في القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب، بمنع فيلم «حلاوة روح» من دور العرض المصرية، بتهم مخالفة الأعراف والتقاليد وخدش الحياء العام، رغم أن الفيلم مر على جهاز الرقابة على المصنفات الفنية وأجيز عرضه، وهو ما أدى إلى استقالة رئيس الجهاز، ليدخل الفيلم في دوامة الشائعات، إلى أن حسمت المحكمة الأمر، وقضت بعرضه.
أيضا طالت سياسة التضييق محاولات البعض لمنع برنامج «الراقصة»، بعد عرضه على قناة فضائية مصرية خاصة، وهو برنامج يعني بمسابقات في مجال الرقص وفنونه. ورفض الكثير من المثقفين مبدأ المنع في حد ذاته، معتبرين أنه يكرس سياسة الخوف والخنوع، ويصادر تنوع المعرفة الإنسانية، وحق الإنسان في أن يعرف ويتعلم حتى من الأفكار الضد، وهو ما يفتح باب التضييق على مصراعيه بشكل عشوائي، يؤشر على عدم الفهم لطبيعة الإبداع نفسه، وأنه فعل جوهره الحرية.
لكن خارج صندوق المؤسسة ونكوص سياساتها، كسرت الثقافة المصرية حاجز الخوف من التضييق على حرية الإبداع، واستطاعت أن تغرد وتكشف عن ملامح مشرقة، تمثلت في عدد من الفعاليات والأنشطة الأدبية والفنية، وهي أنشطة مستقلة يقوم بها أفراد وجماعات ومراكز ثقافية أهلية، كان للفن التشكيلي والشعر النصيب الأوفر منها.
في مقدمة هذه الأنشطة تجربة ملتقى البرلس الأول لـ«الرسم على الحوائط»، التي أقامتها مؤسسة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن للثقافة والفنون والتنمية، في محافظة كفر الشيخ، بوسط دلتا مصر، ودعمها محافظها المستشار محمد عزت عجوة. ضم الملتقى أكثر من 30 فنانا من أجيال ومشارب فنية متنوعة، اتخذوا من قرية «برج البرلس» المطلة على البحر المتوسط فضاء بصريا عايشه الفنانون، وتفاعلوا مع إيقاع الحياة اليومية الخاصة للقرية ونمطها، بكل أبعادهما الاجتماعية والإنسانية حيث يعيش أغلب أهلها على صيد السمك.
استطاع الملتقى جذب أهل القرية، خاصة الشباب والأطفال، إلى مراسم الفنانين المفتوحة على جدران البيوت والأبواب والمحلات والمقاهي، ليشاركوهم عملية الرسم والتلوين، بشكل وصفه أحد الفنانين المشاركين بقوله: «عدوى الفن انتشرت في القرية، وخلقت حالة تنافسية، حتى بين أهلها البسطاء». لقد قدم الملتقى رسالة مهمة، وهي أن الفعل الثقافي الحقيقي يستطيع أن يؤدي دوره في خدمة المجتمع بأبسط الإمكانيات، طالما توافرت الإرادة والحب والاحترام.
توازى مع تجربة هذا الملتقي تجربة أخرى مهمة قام بها الفنان محمد عبلة، لخلخلة حالة السكون في فضاء الفن التشكيلي، وفتحت نافذة مهمة لفنانين واعدين من الشباب يبدأون خطواتهم الأولى في مغامرة التشكيل. أعلن عبلة عن منحه جائزة سنوية باسمه في مجال التصوير، قيمتها 20 ألف جنيه، بداية من العام الحالي، على أن يفوز بالجائزة فنان واحد فقط، وتختار لجنة التحكيم 20 فنانا من المشاركين، لإقامة معرض لأعمالهم في الأول من ديسمبر (كانون الأول) بقاعة الفنون بالأوبرا. وفازت الفنانة الشابة مي السباعي بجائزة المسابقة، وأشادت بعملها لجنة التحكيم المكونة من عبلة و3 من الفنانين الكبار: زينب السجيني وعادل السيوي، وعصمت داوستاشي، ووضع عبلة شروطا للجائزة، أهمها ألا يزيد سن المتقدم للجائزة على 30 عاما.
وعلى صعيد الشعر، فتحت الدورة الأولى لمؤتمر قصيدة النثر المصرية الذي استضافه أتيليه القاهرة، شهية الشعراء على الشعر وأمسياته. واللافت أن المؤتمر أقيم بجهود الشعراء أنفسهم تحت رعاية منسقه الشاعر عادل جلال، ليطرح مجددا معضلة قصيدة النثر، وبجرأة، على طاول البحث النقدي، بمشاركة 25 شاعرا و5 نقاد، وأصدر الملتقى كتابين؛ الأول «أنطولوجيا قصيدة النثر»، فيما ضم الكتاب الثاني الأبحاث والدراسات النقدية التي شهدها المؤتمر، مؤكدا استقلاليته تحت شعار «في الثقافة متسع للجميع».
ويتناثر هذا الفعل الثقافي خارج صندوق المؤسسة، في ندوات وأمسيات شعرية بدأت تقيمها، بشكل شهري، العديد من دور النشر، مثل «دار العين»، و«بيت الوادي» الثقافي، إضافة إلى حفلات التوقيع التي تحرض على تقديم إضاءة نقدية للإصدارة الجديدة، كما شرعت دار «ابن رشد»، وهي دار وليدة، في إقامة صالون أدبي، يستضيف مبدعا في ندوة موسعة شهريا.
ومع ظهور العديد من دور النشر الخاصة تتسع رقعة هذا النشاط، مخلفة حالة تنافسية بينها، بدا أثرها واضحا في الاهتمام بعنصر الكيف فيما تصدره. وانعكس ذلك في كم هائل من الإصدارات، في الرواية، والشعر، والقصة القصيرة، وقضايا الفكر والفن، وعلوم السياسة والاجتماع، منها رواية «أداجيو» لإبراهيم عبد المجيد، «شمس الحصّادين» لعبد الستار حتيتة، «شجرة اللبخ» لعزة رشاد، «الحريم» لحمدي الجزار، «عتبات الجنة» لفتحي إمبابي. وفي الشعر: «ترجمان الأشواق» لعاطف عبد العزيز، «هواء المنسيين» لغادة نبيل، «الخروج في النهار» لمحمد رياض. كما عادت القصة القصيرة إلى المشهد في مجموعات «لمح البصر» لسيد الوكيل، «زووم إن» لحسين عبد الرحيم، «ذات الرداء الأسود» لسلوى بكر، «درب النصارى» لخالد إسماعيل.
ولم ينفك عن حبال هذا الخوف مشهد الوداع الأخير، الذي ضرب الثقافة المصرية بمرارة الفقد والأسى لرحيل عدد من الكتاب والفنانين، كان لهم بصماتهم الخاصة وحيويتهم في الحياة الثقافية، في عالم الكتابة القصصية والروائية والترجمة، وفنون السينما والكاريكاتير والمسرح، منهم الكاتب محمد ناجي، ومحمد فتحي مبروك، وأحمد رجب، ورساما الكاريكاتير الشهيران مصطفى حسين، وأحمد طوغان. وفي عالم التمثيل رحلت زيزي البدراوي، ومريم فخر الدين، ومعالي زايد، وسعيد صالح، وخالد صالح.
كما شهد هذا العام رحيل العالم الدكتور حامد أبو عمار شيخ التربويين في مصر والعالم العربي.. لكن، وسط هذا المشهد المكتظ، تبقى أحلام التغيير مطلبا أساسيا وملحا يناوش عتبة العام الجديد.0



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended