المحكمة العليا الأميركية في عين العاصفة

هل ترقى فوق الانقسامات الحزبية أم تنجر إلى مستنقع الوحول السياسية؟

المحكمة العليا الأميركية في عين العاصفة
TT

المحكمة العليا الأميركية في عين العاصفة

المحكمة العليا الأميركية في عين العاصفة

الجمعة 18 سبتمبر (أيلول) 2020، عند الساعة السابعة والنصف مساء (بتوقيت واشنطن)، تردد صدى طنين الهواتف على وقع الأخبار العاجلة. وسقط النبأ كالصاعقة على رؤوس الأميركيين: روث بايدر غينزبرغ قاضية المحكمة العليا المحبوبة فارقت الحياة.
قد يتساءل القارئ عن سبب ذهول الكثيرين لدى سماع الخبر. وقد يتعجب من رد فعلهم، فغينزبرغ لم تكن صغيرة في السن، بل تخطت السابعة والثمانين من العمر، ثم إنها صارعت مرض السرطان بشراسة خمس مرات وتغلبت عليه، إلا أنّ شراستها هذه وإصرارها على الحياة، وتغلبها المتكرر على المرض العضال على مدى السنين صورّها بمظهر المرأة الخالدة التي لا تنهزم.
أضف إلى ذلك أن غينزبرغ كانت ليبرالية حتى العظام، لدرجة أن البعض رفض تصديق أنها استسلمت للموت قبل الانتخابات الرئاسية بستة أسابيع، وتركت مقعدها الذي احتلته منذ عام 1993 شاغرا لينقضّ عليه الجمهوريون، تمهيداً لتعيين قاضٍ محافظ يغيّر التوازن داخل المحكمة.

حقاً هذا ما جرى؛ فبمجرد الإعلان عن وفاة روث بايدر غينزبرغ، بدأت أسماء المرشحين لتولي منصبها بالتوارد، مولّدة تجاذبات سياسية حادة في موسم انتخابي محتدم لم يكن ينقصه سوى ملف شائك ومعقّد كملف المحكمة العليا، ليصل إلى ذروة الحزبية السياسية.
للعلم، منصب قاضٍ في المحكمة العليا يُعدّ من أهم المناصب في الولايات المتحدة، بل لعلّه هو أهم منصب في البلاد، إذ يشغله صاحبه لمدى الحياة أو حتى تقاعده. ولذا يتهافت الجمهوريون والديمقراطيون عليه بمجرد شغوره. وبما أن المحكمة العليا هي السلطة القضائية الأعلى في البلاد، فإن كلمتها هي الكلمة الأخيرة في كل القرارات القضائية المثيرة للجدل. كما أنها منفصلة كلياً عن السلطتين التنفيذية الممثلة بالبيت الأبيض، والتشريعية الممثلة بالكونغرس، ارتكازاً على مبدأ فصل السلطات في الولايات المتحدة.
المحكمة العليا تعنى في النظر بقضايا مصيرية متعلقة بمستقبل الأميركيين وغيرهم، من ملف الرعاية الصحية إلى حمل السلاح والإجهاض وحقوق مثليي الجنس والهجرة وحظر السفر. ولهذا، حرص الرؤساء الأميركيون على تعيين قضاة يتقاربون معهم آيديولوجياً للدفع باتجاه هذه الملفات.

- عمق الانقسام
ثم إنه لطالما أثار تعيين قاض للمحكمة الجدل بين الرئيس ومجلس الشيوخ المعني بالمصادقة عليه، خصوصاً إذا كان البيت الأبيض ومجلس الشيوخ بيدي حزبين مختلفين. غير أن هذا الجدل تفاقم بمرور السنين، ليغدو دليلاً قاطعاً على عمق الانقسامات الحزبية العميقة التي تشهدها البلاد، ووصل إلى ذروته في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما؛ إذ طرح هذا الأخير اسم مرشحه ميريك غارلاند خلفاً للقاضي المحافظ الراحل أنتوني سكاليا في عام 2016، إلا أن مجلس الشيوخ (بغالبيته الجمهورية حينها) رفض النظر في المصادقة عليه. وكانت حجة الجمهوريين أن الترشيح جاء في «سنة انتخابية»، وأن الرئيس المقبل هو الذي يجب أن يعيّن بديلاً؛ كون التعيين هو لمدى الحياة. ولكن السبب الفعلي كان تخوف الجمهوريين من انتقال مقعد سكاليا المحافظ إلى أيدي الليبراليين الديمقراطيين وترجيح كفة المحكمة لصالح الليبراليين.
في ذلك الحين، تأججت الصراعات الحزبية بشكل كبير، واتهم الديمقراطيون الجمهوريين بخلق سابقة لن يتمكنوا من قلبها في مجلس الشيوخ، إلا أن مجريات الأحداث بعد وفاة غينزبرغ أثبتت العكس، فالجمهوريون هم أنفسهم قلبوا موقفهم وأصرّوا على النظر في المصادقة على مرشح ترمب، في خضم الموسم الانتخابي. وهنا الرسالة واضحة: الحزب الذي يتمتع بأغلبية الأصوات في مجلس الشيوخ هو الذي يحدد قواعد اللعبة.

- إلغاء «قاعدة الستين»
في الحقيقة، الأمور ما كانت بهذا الشكل قبل عام 2013، عندما كانت هذه القواعد مختلفة، وأعطت المزيد من الصلاحيات لحزب الأقلية في المجلس، إذ تطلّبت مصادقة مجلس الشيوخ على تعيينات الرئيس حينها 60 صوتاً (من أصل 100)، ولكن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، قررّ زعيم الغالبية الديمقراطية (يومذاك) السيناتور هاري ريد إلغاء «قاعدة الستين» بحجة أن الجمهوريين عطّلوا الكثير من تعيينات أوباما، فاستعمل ما بات معروفاً بـ«الخيار النووي»، نظراً لخطورته الفائقة على موازين القوى في الكونغرس. وبالتالي، تخطى المعارضة الجمهورية، عبر فرض قاعدة الغالبية المطلقة البسيطة للمصادقة على كل تعيينات الرئيس، باستثناء المحكمة العليا.
ما يحصل اليوم، أن السحر انقلب على الساحر، وما فعله ريد عام 2013، مهّد الطريق أمام زعيم الغالبية الجمهوري الحالي السيناتور ميتش ماكونيل، حليف الرئيس دونالد ترمب، لفرض القاعدة نفسها على تعيينات المحكمة العليا عام 2017 للتغلب على المعارضة الديمقراطية لمرشح الرئيس ترمب لمنصب قاضٍ في المحكمة العليا نيل غورستش. وبالفعل، تمكَّن مجلس الشيوخ من المصادقة على المرشحين المحافظين اللذين اختارهما ترمب، وهما غورستش، ثم تيد كافاناه، بفضل هذا الإجراء. ولم تنجح معارضة الديمقراطيين الشرسة لكافاناه (على وجه التحديد) بسبب اتهامات له بالتحرش الجنسي في وقف عملية المصادقة... كذلك لن تنجح هذا العام لوقف المصادقة على تعيين قاضٍ محافظ يميني يرث مقعد غينزبرغ.
البعض يقول إن ترمب كان محظوظاً في أنه تمكّن من تعيين 3 قضاة محافظين يمينيين في المحكمة العليا إبان عهده، وبالتالي، ترجيح الكفة لصالح المحافظين في المحكمة المؤلفة من 9 قضاة. إلا أن الواقع، هو أن بدايات التحول في توازن المحكمة لصالح الجمهوريين كانت في عام 2016 مع وفاة المحافظ سكاليا ومنع الجمهوريين تعيين بديل ليبرالي له؛ فقبل ذلك كانت المحكمة متوازنة آيديولوجياً، وكما ذكرنا سابقاً، رفض الجمهوريون التصويت على مرشح أوباما للحفاظ على مقعد سكاليا المحافظ. وأبقوا مقعده شاغراً لمدة سنة تقريباً إلى أن فاز ترمب بالرئاسة. وعلى الأثر، عُيّن المحافظ غورستش للمنصب بعدما صادق عليه المجلس بعد تغيير قواعد التصويت. ومع أن تعيين غورستش، بحد ذاته، لم يغير من توازن المحكمة في حينه، فإن التغيير حصل عام 2018، عندما تقاعد القاضي المعتدل أنتوني كينيدي، الذي كان صوته الصوت المتأرجح في المحكمة. وفوراً عيّن ترمب المحافظ كافاناه خلفاً لكينيدي، فمالت كفة المحكمة نحو المحافظين.

- أهمية سياسية كبرى
لعلّ خير دليل على أهمية تعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا بالنسبة للجمهوريين هو دعم السيناتور الجمهوري المحافظ ميت رومني لترمب في تعيين خلفاً لغينزبرغ قبل الانتخابات.
رومني (المرشح الرئاسي السابق) معروف بمواقفه المعارضة والمنتقدة للرئيس الأميركي، كان الجمهوري الوحيد الذي صوّت لصالح عزل ترمب في مجلس الشيوخ، بيد أن موقفه الداعم لتعيين قاضٍ محافظ يأتي انعكاساً واضح لأهمية هذا الملف بالنسبة للمحافظين؛ فسيطرة المحافظين اليمينيين على المحكمة العليا قد تساعد الجمهوريين على قلب قرارات مهمة، أبرزها القضية المعروفة بـ«رو ضد ويد» التي تحمي حق المرأة في الإجهاض، إضافة إلى قضية «أوبرغيفل ضد هودجز» التي تعترف بحق مثليي الجنس في الزواج. كذلك يأمل الجمهوريون في إلغاء مشروع الرعاية الصحية المعروف بـ«أوباما كير»، ورفع الحماية عن المهاجرين غير الشرعيين.
في مواجهة هذه التحديات، واعتراف الديمقراطيين ضمنياً بأنهم لن يتمكنوا من وقف المدّ المحافظ على المحكمة، ينظر البعض منهم إلى إحياء ماضي المحكمة، والنظر بزيادة عدد القضاة التسعة الموجودين فيها. ذلك أن المحكمة لم تتألف من 9 قضاة منذ تأسيسها عام 1789؛ إذ انعقدت لأول مرة بحضور 6 قضاة فقط، ثم تقلب هذا العدد بين 5 و10 قضاة قبل أن تحديده نهائياً بـ9 في عام 1869.
هذا، ورد أبرز طرح ديمقراطي على لسان المرشح السابق بيت بوتيدجيج، الذي دعا إلى زيادة عدد القضاة ليصبح 15، بهدف رفع التسييس عن المحكمة. وحسب اقتراحه، فإن 5 من القضاة يميلون إلى الديمقراطيين، و5 إلى الجمهوريين، بينما يُعيّن 5 آخرون من دون أي انتماءات سياسية. وبالفعل، بعد وفاة بايدر غينزبرغ، انضم المزيد من الديمقراطيين إلى بوتيدجيج... منهم من دعا إلى إضافة قاضيين فقط، ومنهم من دعا إلى وضع حد زمني لخدمة القضاة بدلاً من أن تكون لدى الحياة. إلا أن هذه الطروحات ما زالت في مراحلها الأولية، وهي تواجه تحديات جمة، أبرزها أنها تتطلب فوز الديمقراطيين بالغالبية في الكونغرس الذي يجب أن يقر أي تغيير في المحكمة، بجانب انتزاعهم مقعد الرئاسة من الجمهوريين.
وإذا كان التاريخ شاهداً، فإن مساعيهم هذه لن تبصر النور. إذ سبق للرئيس الأميركي السابق فرانكلن روزفلت أن حاول زيادة مقاعد المحكمة العليا إلى 15 مقعداً عام 1937، لكنه جُوبِه بمعارضة شرسة في مجلس الشيوخ الذي وصف هذه الخطوة بـ«انتهاك صارخ وغير مسبوق للسلطة القضائية»، وصوّت مجلس الشيوخ ضد طرح روزفلت حينها بغالبية 70 صوتاً ضد طرح الرئيس.
أيضاً، تصطدم المحاولات الديمقراطية بمعارضة الأميركيين؛ إذ أظهر استطلاع للرأي في عام 2019 لجامعة ماركيت (وهي جامعة كاثوليكية مرموقة في ولاية ويسكونسن) أن 57 في المائة من الأميركيين يعارضون زيادة عدد قضاة المحكمة العليا، ومن غير الواضح حتى الساعة إذا كانت آراء هؤلاء تغيرت بعد وفاة بايدر غينزبرغ.

- نبذة تاريخية عن المحكمة العليا
أُسِّست «المحكمة العليا للولايات المتحدة» بموجب البند الثالث من الدستور الأميركي يوم 24 سبتمبر (أيلول) 1789. وكانت المحكمة حينذاك مؤلفة من 6 قضاة، بيد أن الكونغرس قرر عام 1869 رفع العدد إلى 9 قضاة، يترأسهم «كبير القضاة»، ويعينهم الرئيس الأميركي، ويصادق على التعيين مجلس الشيوخ. وبما أن هؤلاء يخدمون في منصبهم لمدى الحياة، فلا يمكن عزلهم من المنصب إلا بموجب إدانة من الكونغرس الأميركي بتهمة الفساد أو انتهاك السلطة. وهذا أمر لم يحصل قطّ في التاريخ الأميركي. ويشرف كل قاضٍ من القضاة التسعة على دائرة أو أكثر من الدوائر القضائية الفيدرالية الاثنتي عشرة في الولايات المتحدة.
انعقدت المحكمة العليا لأول مرة يوم 2 فبراير (شباط) 1790 في نيويورك. وانتقلت بعدها إلى مدينة فيلادلفيا، ثم إلى العاصمة الأميركية واشنطن.
لم تحصل المحكمة على مبناها الخاص المعروف في العاصمة واشنطن حتى عام 1935، أي في الذكرى الـ146 من تأسيسها. وحُفر على المنصة الغربية للمبنى شعار «عدالة متوازية تحت القانون»، وعلى المنصة الشرقية «العدالة: حامية الحرية». ولقد خدم في تاريخ المحكمة 112 قاضياً، 4 منهم فقط من النساء، وواحدة منهن فقط من أصول لاتينية هي سونيا سوتومايور التي عيّنها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عام 2009.
هذا ويجلس القضاة التسعة على منصة المحكمة بحسب تراتبية خدمتهم؛ فيحتلّ «كبير القضاة» مقعد المنتصف، ويتوزع إلى يمينه وشماله القضاة كل بحسب تاريخ خدمته، فيجلس الأقدم منهم إلى يمينه، والذي يتبعه إلى يساره، وهكذا دواليك.
< يبلغ مرتب «كبير القضاة» قرابة 267 ألف دولار سنوياً فيما يصل مرتب كل من القضاة الآخرين إلى نحو 255 ألف دولار في العام.
< ويليام هوارد تافت هو القاضي الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي خدم في منصبي «كبير القضاة» ورئيس الجمهورية. وقد عُين في المحكمة بعد سنوات من انتهاء ولايته الرئاسية.

- أبرز أحكام المحكمة العليا
< هاواي ضد ترمب، عام 2018 (5 مع و4 ضد)
لعلّ القرار الأهم، الذي أثر بشكل مباشر على العالم العربي هو الحكم القاضي بدعم حظر السفر الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
ففي عام 2018، حكمت المحكمة لصالح الإدارة الأميركية في القضية المعروفة باسم «هاواي ضد ترمب». إذ رفعت ولاية هاواي دعوى بحق إدارة ترمب بسبب قرار حظر السفر بتهمة انتهاك الدستور، والانحياز ضد المسلمين. غير أن المحكمة حكمت لصالح ترمب بغالبية 5 مقابل 4 بأن للرئيس الأميركي الصلاحيات لحماية حدود البلاد، وأن تصريحاته السابقة المعارضة للمسلمين لا تجرّده من صلاحياته الدستورية.
< رو ضد ويد، 1973 (7 مع و2 ضد)
أقرت المحكمة حق المرأة الدستوري بالإجهاض خلال الأشهر الستة الأولى من الحمْل.
< الولايات المتحدة ضد نيكسون، 1974 (8 مع، وصفر ضد)
هو القرار الذي أنهى عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، إذ حكمت المحكمة بأغلبية 8 أصوات لصالح تسليم نيكسون لأشرطة «فضيحة ووترغيت»، وقالت إن الرئيس الأميركي لا يستطيع استعمال صلاحياته التنفيذية لإخفاء أدلة في محاكمات جنائية. يومذاك لم يُدلِ القاضي ويليام رينكويست بصوته بسبب دوره السابق كنائب لوزير العدل في إدارة نيكسون.
< بوش ضد غور، 2000 (5 مع، و4 ضد)
حسمت المحكمة العليا الخلاف بين الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن ومنافسه الديمقراطي آل غور في الانتخابات الرئاسية؛ فحكمت لصالح بوش ضد إعادة احتساب الأصوات في ولاية فلوريدا.
< مقاطعة كولومبيا ضد هيلر، 2008 (5 مع، و4 ضد)
أعطت المحكمة للأميركيين حق امتلاك السلاح في منازلهم للدفاع عن النفس.
< اتحاد الشركات المستقلة ضد سيبيليوس، 2012 (5 مع، و4 ضد)
حمت المحكمة قرار إدارة أوباما القاضي بأن على كل الأميركيين أن يحصلوا على تأمين صحي.
< أوبرغيفل ضد هودجز، 2015 (5 مع، و4 ضد)
شرّعت المحكمة زواج مثليي الجنس في كل الولايات الأميركية الخمسين.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.