الحكومة الليبية تطلب مساعدات عاجلة لإطفاء حرائق النفط.. ودول غربية اشترطت وقف القتال

انفجار سيارة مفخخة وقوات الصاعقة تعزز وجودها في بنغازي

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من خزان نفطي في حقل السدرة نتيجة المواجهات المسلحة بين الميليشيات والجيش الأسبوع الماضي (رويترز)
أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من خزان نفطي في حقل السدرة نتيجة المواجهات المسلحة بين الميليشيات والجيش الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

الحكومة الليبية تطلب مساعدات عاجلة لإطفاء حرائق النفط.. ودول غربية اشترطت وقف القتال

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من خزان نفطي في حقل السدرة نتيجة المواجهات المسلحة بين الميليشيات والجيش الأسبوع الماضي (رويترز)
أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من خزان نفطي في حقل السدرة نتيجة المواجهات المسلحة بين الميليشيات والجيش الأسبوع الماضي (رويترز)

اشتعل الموقف السياسي والعسكري في ليبيا، أمس، مجددا، بفعل الحرائق التي اندلعت في 5 خزانات كبيرة للنفط في المعارك التي يخوضها الجيش الوطني الليبي ضد ميليشيات ما يُسمى بـ«عملية فجر ليبيا» التي تسعى للسيطرة على منطقة الهلال النفطي.
وسعت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني إلى الحصول على مساعدات عاجلة لوقف الحرائق، لكن الدول التي استهدفتها الاتصالات مع الحكومة لم تسفر عن أي استجابة ملموسة، وفقا لما قاله مسؤول ليبي أمس لـ«الشرق الأوسط».
وقال المسؤول الذي اشترط عدم تعريفه: «تم إبلاغنا أنه يتعين وقف القتال لكي تتمكن هذه الدول من إرسال طائرات عاجلة لإخماد حرائق النفط.. ميليشيات فجر ليبيا مستمرة في هجومها ومحاولة تدمير الموارد النفطية للشعب الليبي».
وأصاب صاروخ صهريجا لتخزين النفط، الأسبوع الماضي، في ميناء السدر أكبر ميناء نفطي في البلاد الواقع في شرق البلاد، بينما قال علي الحاسي المتحدث باسم قوة الأمن المتحالفة مع حكومة الثني المعترف بها دوليا، إن «النيران امتدت إلى 5 خزانات نفطية في المجمل»، مضيفا أنهم يحاولون إخمادها، لكنه أشار إلى أن قدراتهم محدودة.
وأعلن عيسى العريبي رئيس لجنة الطاقة في البرلمان الذي يتخذ من طبرق بأقصى الشرق مقرا له، أن أعضاء المجلس طلبوا من إيطاليا المساعدة برجال إطفاء، موضحا أن إيطاليا أبدت استعدادها للمساعدة في إخماد الحريق في خزانات النفط بميناء السدر، ولكن بشرط توقف القتال.
والتهمت النيران 3 صهاريج نفطية في مرفأ السدرة النفطي أكبر مرافئ النفط الواقعة فيما يعرف بمنطقة «الهلال النفطي»، بعد إصابة أحد الصهاريج بقذيفة صاروخية أطلقتها ميليشيات فجر ليبيا من زورق بحري باتجاه المرفأ.
وكانت وحدات من الجيش قد صدت هجوما عنيفا لميليشيات فجر ليبيا شنته على منطقة «الهلال النفطي من عدة محاور من بينها البحر والصحراء»، وقال علي الحاسي المتحدث باسم غرفة عمليات الجيش وحرس المنشآت النفطية في الهلال النفطي إن «قوات المشاة المتكون معظمها من حرس المنشآت النفطية صدت الهجوم بالمدفعية الثقيلة والمتوسطة، في حين أجبر سلاح الجو من خلال غارات مكثفة القوات المهاجمة على الانسحاب غربا باتجاه سرت، وأعطبت 3 زوارق بحرية هاجمت بها المرفأ من المياه المقابلة له».
وفيما أعلن عن قتيل من حرس المنشآت النفطية، قال الحاسي إن «الزوارق البحرية أطلقت عدة صواريخ باتجاه مرفأي السدرة وراس لانوف، وأصابت خزانا للنفط جنوب ميناء السدرة بقذيفة صاروخية، وتسببت في احتراقه».
وكانت حكومة الثني قد طالبت، في بيان، أول من أمس، المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته فيما يتعلق بحماية المدنيين في ليبيا، محذرة من انتشار الإرهاب في دول الجوار إذا ما تمكن مقاتلو «فجر ليبيا» من احتلال الموانئ النفطية، فيما اعتبر البرلمان أن الهدف من وراء السيطرة على المنطقة الغنية بالنفط «تمويل الأنشطة الإرهابية» في ليبيا والعالم.
وغطت ألسنة اللهب والدخان الكثيف منطقتي السدرة وراس لانوف (130 كيلومتر شرق سرت) بالكامل، مما ينذر بكارثة بيئية في حال عدم السيطرة على النيران التي قد تمتد لبقية صهاريج المرفأ وتأتي عليه. وقالت مصادر عسكرية إن 19 جنديا قُتلوا في سرت والسدرة إثر هجمات لميليشيات فجر ليبيا التي تسببت في احتراق أول خزانات النفط الخام في مرفأ السدرة.
وأطلقت ميليشيات فجر ليبيا على عملية زحفها مطلع الأسبوع الماضي باتجاه «الهلال النفطي» اسم «عملية الشروق لتحرير الحقول النفطية» قائلة إنها جاءت بتكليف من المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق والمنتهية ولايته)، لكن قائدها طارق شنينة المصراتي، قتل إثر غارة جوية عقب الهجوم.
وتضم منطقة الهلال النفطي مجموعة من المدن بين بنغازي وسرت (500 كلم) شرق العاصمة، وتتوسط المسافة بين بنغازي وطرابلس، وتحوي المخزون الأكبر من النفط، إضافة إلى مرافئ السدرة ورأس لانوف والبريقة الأكبر في ليبيا.
وبحسب متحدث باسم المؤسسة الوطنية للنفط، فإن القتال بين الجماعات المتنافسة في البلاد أدى إلى تراجع إنتاج ليبيا من النفط الخام إلى 352 ألف برميل يوميا، وكان السدر وراس لانوف قادرين على تصدير نحو 300 ألف برميل قبل إغلاقهما.
من جهتها، أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشدة الهجمات التي تجددت على المنشآت النفطية، والتي تسببت (حسب التقارير الواردة) في نشوب حريق في الخزانات بميناء سدرة النفطي، ودعت إلى وقف هذه العمليات فورا.
وحذرت البعثة في بيان لـ«الشرق الأوسط» من التداعيات البيئية والاقتصادية نتيجة أعمال العنف والتدمير في منطقة الهلال النفطي، وقالت إنها «تدعو القوات على الأرض إلى التعاون لإفساح المجال أمام فرق الإطفاء لإخماد الحريق».
وجددت البعثة الدعوة لوقف جميع الأعمال العسكرية، بما فيها الغارات الجوية التي تهدد بتوسيع نطاق الصراع، معتبرة أن هذه الهجمات انتهاك واضح لقرارات مجلس الأمن حول ليبيا. ورأت أن النفط الليبي ملك لكل الشعب الليبي، وهو عصب الحياة الاقتصادية في البلاد، مشيرة إلى أنه رغم الدعوات المتكررة للبعثة لإنهاء القتال والفصل بين القوات، فإن العنف لا يزال مستمرا.
وبعدما كررت دعوتها لجميع الجهات لحماية المنشآت النفطية الليبية والامتناع عن أي إجراء من شأنه تعريض هذه الثروة الوطنية الاستراتيجية للخطر، حثت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الأطراف الفاعلة المؤثرة لبذل جميع الجهود الممكنة لإنهاء دائرة العنف عديمة الجدوى.
وأكدت أنه لن يكون هناك رابح في الصراع الحالي، وأن العنف المستمر في منطقة الهلال النفطي وبنغازي وغيرها من المناطق في ليبيا سيزيد الشقاق بين الليبيين ويؤدي إلى إلحاق المزيد من الدمار بالبنية التحتية للبلاد وبمؤسسات الدولة، إضافة إلى تأثيره السلبي الخطير على الاقتصاد الليبي، مشيرة إلى أن هذا التصعيد الأخير في منطقة الهلال النفطي يقوض من الجهود المستمرة لعقد حوار سياسي.
إلى ذلك، اعترف مسؤولون عسكريون في عملية الكرامة التي يقودها الفريق أول خليفة حفتر ضد المتطرفين في بنغازي (شرق البلاد)، بخسارتهم المؤقتة لمواقع عسكرية داخل المدينة. وقال هؤلاء إن عناصر الجماعات المتطرفة، خاصة من تنظيم أنصار الشريعة وما يُسمى بمجلس ثوار بنغازي، قد نجحت في التسلل مجددا إلى منطقة الليثي، التي تعد المعقل الرئيسي للجماعات المتشددة في بنغازي، مشيرة إلى قيام هذه العناصر بأعمال انتقامية من ضد السكان من مؤيدي الفريق حفتر، بما في ذلك حرق عشرات المنازل وقتل 20 شخصا على الأقل.
وقال مسؤول عسكري إن «المسلحين استغلوا انشغال الجيش في محور الصابري وسط مدينة بنغازي، وباغتوا المواطنين المسلحين الذين يحرسون تلك المنطقة، وسيطروا على أجزاء كبيرة منها»، مشيرا إلى وقوع أعمال قتل وحرق انتقامية.
واعترف الرائد محمد الحجازي المتحدث باسم عملية الكرامة، أن «عناصر من المتطرفين تسللوا إلى منطقة الليثي مجددا، بعدما كان الجيش قد أوشك على إخلائها من المسلحين».
لكن قوات الجيش سرعان ما حاولت استدراك الموقف بتعزيز وجودها في المنطقة بوحدات من القوات الخاصة (الصاعقة)، إضافة إلى كتيبة دبابات، كما أعلنت أنها نجحت في لقضاء على عدد من القناصة كانوا متمركزين فوق المنازل في المنطقة.
وانفجرت سيارة مفخخة في ساعة مبكرة، أمس، أمام مقر الإدارة العامة لحماية البعثات الدبلوماسية بوزارة الداخلية الليبية في العاصمة طرابلس، بعد ساعات من نشوب حريق بمقر السفارة السعودية في المدينة.
وقال العقيد مبروك بوظهير مدير الإدارة العامة لحماية البعثات الدبلوماسية بوزارة الداخلية، إن «مجهولين قاموا بوضع سيارة مفخخة أمام المبنى، حيث تم تفجيرها عن بعد»، مضيفا أن «الانفجار تسبب في حدوث أضرار مادية بالمبنى، دون أن يسفر عن إصابات بشرية»، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية بدأت في البحث والتحري عن الجناة وتقديمهم للعدالة.
واعتبر أن هذا العمل الإجرامي الذي استهدف مقر الأمن الدبلوماسي هدفه زعزعة الأمن والاستقرار الذي تشهده العاصمة طرابلس، والنيل من عناصر الشرطة القائمين على أمن وحماية مقار البعثات الدبلوماسية.
واندلع حريق مفاجئ في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس، بمقر السفارة السعودية في طرابلس، من دون أي أسباب معلنة. وقال العقيد مبروك إن حريقا محدودا قد نشب داخل فناء السفارة السعودية بوسط طرابلس ناتج عن ماس كهربائي، بسبب سقوط الأمطار الغزيرة. وأوضح مبروك في تصريحات لوكالة الأنباء الموالية للحكومة الموازية التي يترأسها عمر الحاسي، والتي تسيطر على العاصمة منذ يوليو (تموز) الماضي، أن عناصر هيئة السلامة الوطنية تمكنوا من إخماد الحريق، وذلك بعد ورود معلومات من أعضاء الأمن الدبلوماسي المكلفين بحماية السفارة بوجود دخان يتصاعد بمقر السفارة، مضيفا أن الحريق تسبب في احتراق 3 سيارات كانت متوقفة داخل مقر السفارة. وقال إنه تم الاتصال هاتفيا بالسفير السعودي، وإبلاغه بالحريق، وطمأنته بالسيطرة عليه، مشيرا إلى أنه تم فتح تحقيق في الحادث من قبل الإدارة ومركز شرطة الأوسط. وكانت السفارة السعودية في طرابلس قد أغلقت أبوابها وغادر طاقمها الدبلوماسي إلى المملكة في 19 مايو الماضي.
من جانبه، أعلن وزير الداخلية الليبي عمر السنكي أنه خاطب بشكل كتابي وعاجل سفراء دول كل من أميركا وألمانيا وإيطاليا، المعتمدين لدى دولة ليبيا، وطالبهم بتقديم المساعدات العاجلة من أجل إطفاء الحرائق، وإيقاف الأضرار الخطيرة الناتجة عنه والسيطرة على تداعياتها البيئية.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.