«النوبة»... فن صناعة البهجة

كتاب جديد يضيء خصوصية تراثها الثقافي والحضاري

من الرقصات الشعبية النوبية
من الرقصات الشعبية النوبية
TT

«النوبة»... فن صناعة البهجة

من الرقصات الشعبية النوبية
من الرقصات الشعبية النوبية

تمثل «النوبة» بتراثها الثقافي والحضاري العريق وجه مصر العريق في ربوع القارة السمراء. ورغم أن كتاب «النشاط الاقتصادي والاجتماعي للنوبيين، 1805 – 1923» الصادر عن الهيئة العامة للكتاب في القاهرة ضمن سلسلة «تاريخ المصريين» يركز بلغة أكاديمية محضة على تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية لهذا الإقليم ضمن حقبة تاريخية محددة، فإنه يضيء أيضاً جوانب أخرى تتعلق بالتاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة والفنون لسكان هذا الإقليم المدهش والذي أثار خيال الرحالة على مر الزمان.
في البداية تشير مؤلفة الكتاب الباحثة الأكاديمية حليمة النوبي إلى أن المؤرخين اختلفوا حول أصل تسمية النوبة؛ فقد عرفها المصريون القدماء باسم «نوب» أو «نوبو» بمعنى الذهب، أي أنها «بلاد الذهب»؛ نظراً لأن قرى النوبيين مجاورة لمناجم الذهب، بينما يرى البعض أنها كلمة قبطية «Notpt» بمعنى «يضفر» أي ذي الشعر المجعد، وهناك الكثير من الأسماء التي أطلقت على النوبة عبر العصور، ومنها «تا - ستي» «sti - Ta» بمعنى «أرض القوس»، أو أرض رامي السهام، حيث إن هناك الكثير من الشواهد التي تربط بين القوس والنوبة بسبب مهارة النوبيين في استعمال القوس وبراعتهم كرماة وشهرتهم الكبيرة في الرمي بالسهام فقد عملوا في الجيش طيلة العصور التاريخية المختلفة وأطلق عليهم أثناء الفتح العربي «رماة الحدق» لمهارتهم في التصويب. والنوبيون شعب نهري عاشوا ملاصقين لنهر النيل من أسوان في مصر وحتى بلدة الدبة وكورتي في السودان.
على مستوى المناخ العام، وكما يشير الكتاب، يتميز هذا الإقليم بشدة الحرارة في فصل الصيف وشدة الجفاف الذي يجعل الحياة صعبة على مدار العام. ويصف الرحالة السويسري يوهان بوركهارت (1784 – 1817) مناخ النوبة بأنه صحي جداً على شدة حرارتها في الصيف، لا سيما في البقاع الصخرية الضيقة نظراً لجفاف الهواء. هكذا نلاحظ مدى قسوة الأحوال الطبيعية لبلاد النوبة؛ مما دفع سكانها للهجرة من أراضيهم الفقيرة متتبعين مجرى النهر بحثاً عن الرزق.
وتلاحظ المؤلفة أن النوبيين لم يعتنقوا الإسلام عند زحف الجيوش العربية على بلادهم عام 641م، بل ظلوا على دينهم حتى القرن الرابع عشر عندما اعتنق ملك النوبة الإسلام وأسلمت جميع رعيته، وفي أثناء هذه الفترة دخلت بعض بطون من قبيلتي «ربيعة» و«جهينة» المنطقة النوبية، وانتشرت في الإقليم الشمالي واستقرت به وكانت قبيلة «بني كنز» أكبر القبائل وأقواها، وحدث اندماج بينهما وبين النوبيين المقيمين في قرى هذا الإقليم عن طريق المصاهرة فانتشرت اللغة العربية.
ظلت اللغة النوبية زمناً طويلاً متداولة شفاهياً دون أن تُكتب إلى أن تحولت البلاد إلى الديانة المسيحية في منتصف القرن السادس فكتبت النصوص الدينية بالحروف القبطية، كما استخدمت هذه الحروف في كتابات أخرى، وبذلك أصبحت اللغة النوبية مكتوبة، أما النصوص السابقة لذلك العهد فإنها كانت باللغة المصرية القديمة ولعلها كانت اللغة الرسمية للبلاد، بينما كانت النوبية هي لغة الناس مع ما بين اللغتين من التشابه. وتوضح الباحثة، أنه تم العثور على بعض المخطوطات النوبية ترجع إلى العصر الإسلامي، وهي مدونة بالحروف اليونانية، في حين اختلف الباحثون في أصل اللغة النوبية، فهناك من رأى أنها إحدى اللغات الخاصة دخلتها مؤثرات خارجية كثيرة. وهناك من يرى أنها لغة نيلية جنوبية تعرضت لمؤثرات حامية شديدة على مدى العصور. وعلى الأرجح، فإن اللغة النوبية من اللغات الحامية، وهو ما يتفق مع التطورات العرقية التاريخية، وقد دخلت تلك اللغة مفردات من مصادر أخرى بعضها من شمال إثيوبيا كما استعانت بكلمات عربية شكلت ما يقرب من ثلث مفرداتها.

فنون نسائية
برع النوبيون في صناعة الفخار دون غيرهم وشكّل توافر الطين الصلصالي في بلادهم أحد العوامل المساعدة على قيام هذه الصناعة الشعبية في تلك المنطقة. وكان على الضفة الشرقية للنيل باتجاه أسوان جبل يعرف باسم «جبل الطَفل» يصنع منه العرب والنوبيون هذه الأواني الفخارية. إنها صناعة تقوم على مهارة وفنون النساء النوبيات اللواتي يتولين جميع مراحل صناعة تلك الأواني باستثناء مرحلة الحرق والتي يتولاها الرجال.
عن هذه الصناعة يوضح الكتاب، أنه في المرحلة الأولى يتم عجن الطين لإكسابه المرونة الكافية وعندئذ تقوم النساء بتشكيل الجزء السفلي من الإناء المطلوب عن طريق ضغط الطين بواسطة قطعة من الصدف، حيث يضاف إلى الطينة بعض الماء، وما إن يتم جفاف الإناء حتى تباشر النساء تلوينه وصقله، ويستعان في التلوين ببعض أكاسيد الحديد الحمراء التي تكثر في النوبة؛ وذلك للحصول على اللون الأحمر الداكن الذي يطلين به الفخار.
أما طريقة إعداد الألوان فبسيطة للغاية؛ إذ تقتصر على طحن أكسيد الحديد، ثم إذابته بالماء ودهن الإناء بمحلوله، ثم حكه بقطعة من الحجر الأملس فيكتسب بريقاً ثم يأتي الحرق كمرحلة أخيرة.
وتتوقف المؤلفة عند فن نسائي آخر يتمثل في صناعة الأطباق والسلال من سعف النخيل التي يوضع بها الخبز على المائدة، وكلها مصنوعة باليد غير أن في صناعتها أناقة وإتقاناً يوهمان بأنها مصنوعة بالآلات. تتسم صناعة «الحصير» في النوبة أيضاً بالجودة والدقة والمتانة، إضافة إلى تنوع أشكالها. وتعتبر تلك الصناعة من أقدم الصناعات التي مارسها الإنسان البدائي، وهي عبارة عن تضفير الألياف عبر تداخلها بعضها في بعض باستخدام الطرق اليدوية. تعتبر النوبة من المناطق الغنية بالفنون الشعبية؛ فيوجد لدى النوبيين هوس بالزخارف والحلي، وشغف بالألوان المتباينة الجذابة ما بالمعابد والمقابر الفرعونية التي كسيت جدرانها بمناظر من حياة المصريين القدامى. ومن الواضح أن ثقافة المجتمع النوبي ومناخ المنطقة وطبيعتها لها تأثير في كل ما يتعلق بالعمارة، فالبيوت في قرى النوبيين «الكنوز» تغطيها القباب، أما بيوت «الفاديجا» فيعلوها سعف النخيل مع مراعاة أن تكون الأسقف على ارتفاع كبير والجدران من الطين، لكنها مطلية باللون الأبيض للتخفيف من أشعة الشمس الحارقة.
وترصد المؤلفة بعضاً من فنون أهل النوبة في الرقص والغناء، لا سيما فيما يتعلق بطقوس الزواج والميلاد والتي عني المؤرخون والرحالة الأوروبيون باستكشافها، ومنها رقصة يلتف فيها الراقصون حول نار موقدة بينما يقف شبان القرية وفي أياديهم الحراب في جانب، أما النسوة فيقفن في الجانب الآخر ويرقص الجميع على أنغام الدفوف في خطوات إيقاعية حول النار. وهناك رقصة إيقاعية أخرى يجلس فيها شيخ القرية على العنجريب «السرير»، في حين يجلس على الأرض أمامه مجموعة من الشبان في أيديهم الحراب يقابلهم الفتيات بجلاليبهن الناصعة. وهذه الرقصة ترتبط بمواسم زراعية محددة تتوافر فيها الغلال.
ويلفت الكتاب إلى أن النوبة تملك عدداً من أعظم المعابد الأثرية في العالم، منها معبد «أبو سمبل» الذي يطلق عليه البعض «سيد المعابد»، وهو أعظم معابد النوبة تأثيراً في النفس لإعجازه المعماري وروعته الفنية ومناظره التاريخية. عثر ضمن نقوشه على نقش يؤرخ بالسنة الخامسة والثلاثين من حكم رمسيس الثاني، أي نحو 1227 قبل الميلاد، أي أن عمره نحو 3200 عام، ولعل أروع أجزاء المعبد واجهته والتي تعد من أبدع ما نفذه المهندس المصري القديم.
وتؤكد الباحثة أن قصة اكتشاف هذا المعبد في العصر الحديث تدور حولها الكثير من الروايات والقصص أشهرها للرحالة يوهان بوكهارت عند زيارته لبلاد النوبة 1812 حيث شاهد أربعة تماثيل عملاقة منحوتة في الصخر وهي مدفونة في الرمال، ولا يكاد يظهر منها إلا رأس التمثال وجزء من صدره وذراعيه. قام بوركهات بكتابة تقرير مفصل عن كشفه للمعبد بعد عودته للقاهرة 1815 وقدمه للقنصل البريطاني.
وفي عام 1816 قدم إلى أبي سمبل المكتشف جيوفاني بلزوني الإيطالي الجنسية على رأس بعثة لاكتشاف المعبد يمولها القنصل البريطاني في مصر، لكن قابلته مشكلة تتمثل برفض الأهالي التعاون معه لفتح المعبد الذي كان مطموراً في الرمال وفي زيارته الثانية نجح في تطهير واجهته ودخل لغرفه الداخلية وبذلك يعتبر أول الأوروبيين الذين نفذوا إلى داخل المعبد.
وعن صفات النوبيين وطرق معيشتهم يذكر بوكهارت، أن الرجال ذو أجسام قوية مفتولة وتقاطيع وسيمة، وهم أقصر من نظرائهم المصريين في العاصمة. أما النساء فلهن قامات بديعة ووجوه طلقة، مشيراً إلى أنه رأى بينهن حساناً بارعات الجمال، لكن العمل الشاق الذي يقمن به من الطفولة يجعل هذا الجمال يزوي وينطفئ مبكراً.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).