فرنان بروديل... فهم العالم المتوسطي بضفتيه الجنوبية والشمالية

أحد كبار المؤرخين الفرنسيين في القرن العشرين

فرنان بروديل
فرنان بروديل
TT

فرنان بروديل... فهم العالم المتوسطي بضفتيه الجنوبية والشمالية

فرنان بروديل
فرنان بروديل

يعتبر فرنان بروديل (1902 - 1985) أحد كبار المؤرخين الفرنسيين بل والعالميين في القرن العشرين. وقد اشتهر بمؤلفاته التي أصبحت مراجع لجميع الباحثين الأكاديميين في شتى أنحاء العالم. نذكر من بينها: البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد الملك فيليب الثاني في عدة أجزاء. ثم معجم الحضارات، ثم كتابات حول علم التاريخ، ثم ديناميكية الرأسمالية، ثم هوية فرنسا في ثلاثة أجزاء، ثم الحضارة المادية، الاقتصاد والرأسمالية في ثلاثة أجزاء أيضا، إلخ... ويعتقد الكثيرون أنه لا يمكن فهم الحضارة الغربية في العمق بدون الاطلاع على كتابات بروديل. وكذلك لا يمكن فهم العالم المتوسطي بكلتا ضفتيه الجنوبية والشمالية أو العربية والأوروبية بدون الاطلاع على ما كتبه عن الموضوع. ولا يمكن فهم التجديد الذي طرأ على علم التاريخ الحديث بدون الاطلاع على تنظيراته الهامة حول هذا الموضوع الخطير. ولذا يفضل ترجمة جميع كتبه إلى اللغة العربية.
يرى هذا المؤرخ الشهير أنه لا يمكن فهم الفكر الأوروبي خارج إطار الحوار مع المسيحية حتى ولو كان هذا الحوار عنيفا عاصفا بل وحتى لو كان مضادا للمسيحية نفسها. ذلك أنه حتى عندما أصبح الإنسان الأوروبي لا متدينا بل وملحدا فإن ردود فعله النفسية، وسلوكه، وأخلاقياته، ظلت متجذرة في التراث المسيحي الذي طبع الحياة الأوروبية بطابعه الخاص على مدار القرون المتطاولة. ويمكن أن نقول عن الإنسان الأوروبي بأنه من «دم مسيحي» كما كان يقول الكاتب المعروف مونترلان عن نفسه بأنه من دم كاثوليكي رغم أنه كان قد فقد الإيمان بالمسيحية منذ زمن طويل ولم تعد له أي علاقة يومية بالدين. بل وأصبح ملحدا بالخالص.
نفهم من كلام بروديل أنه ينبغي التفريق بين المسيحي ثقافيا أو سوسيولوجيا/ والمسيحي إيمانيا وعقائديا. فالمسيحي ثقافيا شخص لا يتقيد بالطقوس والشعائر ولم يعد يؤمن بالعقائد اللاهوتية القديمة ولكن خلفيته الميتافيزيقية تظل مع ذلك مسيحية لأنه تربى في عائلة مسيحية أو لأن المسيحية هي دين الأمة الفرنسية على مدار ألف وخمسمائة سنة على الأقل. هذا الكلام ينطبق أيضا على الناحية الإسلامية. فالكثيرون من المثقفين العرب الحداثيين ما عادوا يمارسون الطقوس والشعائر ولكنهم مع ذلك يظلون ذوي خلفية ميتافيزيقية وحساسية إسلامية.
ملاحظة أخرى: هذا الكلام قاله المؤرخ الشهير قبل ستين سنة على الأقل. وحتما كان صحيحا وقتها ولكن فرنسا تغيرت كثيرا بعد ذلك وخرجت من المسيحية كليا تقريبا.
وأخذ المثقفون يتحدثون عن عهد الخروج من المسيحية. أنظر كمرجع أساسي الباحث الشهير إميل بولا وكتابه عن دخولنا أو بالأحرى دخول الغرب في عهد ما بعد المسيحية والخروج من الدين كليا. وبالتالي ففرنسا كانت لا تزال مسيحية كاثوليكية في أعماقها عندما كتب بروديل هذا الكلام في الخمسينات من القرن الماضي. في ذلك الوقت كان 60 أو 70 في المائة من الفرنسيين يحضرون القداس في الكنيسة يوم الأحد ولو لمرة واحدة في الشهر على الأقل ولكنهم الآن ما عادوا أكثر من 5 في المائة ومعظمهم من العجائز. لقد أصبحت الكنائس فارغة بل وتحولت إلى ما يشبه المتاحف. هذا وقد قال بعضهم الكلام الجوهري التالي: قبل حصول التقدم العلمي والطبي الكبير وتأمين الضمان الصحي والعلاج المجاني للشعب كان الغربيون متدينين جدا ويعتمدون على الله ويبتهلون إليه ويتضرعون إذا ما أصابتهم مصيبة أو حل بهم مرض معين. وأما الآن فما عادوا بحاجة للاستعانة بالله والإكثار من الصلوات والتضرعات لأن الضمان الصحي الكامل أعطاهم الثقة الكاملة بأنفسهم وطمأنهم وأغناهم عن ذلك! ما رأيكم بهذه الفكرة دام فضلكم؟ هل هي فكرة شيطانية أم فكرة واقعية؟ نترك لكم حرية الجواب.
ماذا نستنتج من نظريات بروديل بشكل عام؟ نستنتج أن عصر النهضة في القرن السادس عشر على عكس ما نتوهم لم يكن ملحدا ولا خارجيا على المسيحية. لا ريب في أنه كان معجبا بالحضارة اليونانية - الرومانية القديمة السابقة على المسيحية والتي كانت وثنية. ولكنه كان يحاول دائما أن يصالح بينها وبين المسيحية. بمعنى آخر فإنه لم يكن ملحدا على عكس ما يشاع...
ولكن بروديل يضيف قائلا بأن الحياة الروحية والفكرية لأوروبا كانت مطبوعة دائما بالطابع العنيف للتغيير والتجديد. وهذا ما يميزها عن العالم الإسلامي الذي ظل جامدا لفترة طويلة من الزمن بل ولا يزال حتى الآن. من هنا سر تفوق أوروبا على العالم الإسلامي الذي كان متفوقا عليها يوما ما. فهي - أي أوروبا - تحب القطيعات والطفرات والعواصف الفكرية والثورات العلمية بحثا عن معنى آخر جديد وأفضل باستمرار. ولكن رغم ذلك فإن هذه المتغيرات لا ينبغي أن تنسينا تلك الاستمرارية التواصلية العنيدة لفكرها وحضارتها. وهذه الاستمرارية التواصلية واضحة عبر التجارب المتتالية للفكر الأوروبي بدءا من المجلد اللاهوتي الكبير للقديس توما الأكويني وانتهاء بمقال في المنهج لديكارت مرورا بعصر النهضة والإصلاح الديني وانتهاء بالثورة الفرنسية ثم الثورة الصناعية التي كانت شكلت قطيعة كبرى في تاريخ البشرية.
كتعليق على كلام بروديل هنا نقول ما يلي: يعتبر القديس توما الأكويني أكبر مرجعية مسيحية كاثوليكية في القرون الوسطى. ومعلوم أنه عاش ومات في القرن الثالث عشر (1225 - 1274). وهو إيطالي الأصل ولكن البلدان المسيحية لم تكن مفصولة عن بعضها البعض آنذاك كما حصل بعد تشكل الدول القومية في القرن التاسع عشر. كانوا جميعا من فرنسيين وإنجليز وإيطاليين وألمان إلخ ينتمون إلى العالم المسيحي ويشعرون بأنهم مسيحيون قبل أن يكونوا ألمانا أو فرنسيين أو إيطاليين إلخ... كان الدين آنذاك هو العامل الغالب والأهم في التمييز بين البشر وليس الجنسية أو القومية. يضاف إلى ذلك أن لغة الثقافة والدين والفكر كانت مشتركة بين الجميع ألا وهي اللاتينية. جميع الفلاسفة ورجال الدين الكبار كانوا ينشرون مؤلفاتهم بها إبان العصور الوسطى بل وحتى القرن السابع عشر عصر سبينوزا وديكارت. فيما بعد تشكلت اللغات القومية من فرنسية وإيطالية وإنجليزية وألمانية إلخ وحلت محل اللغة الجامعة: اللاتينية. نضيف بأن الكتاب الذي يشير إليه بروديل هنا من أشهر الكتب المسيحية في القرون الوسطى. ولا يعادله في الجهة العربية الإسلامية إلا كتب الغزالي أو ابن رشد. فما هو هذا الكتاب يا ترى؟ إنه عبارة عن مجلد لاهوتي فلسفي ضخم في ثلاثة أجزاء. وهو أضخم من الكتاب المقدس بثلاث مرات. ويأتي من حيث الأهمية في المرتبة الثالثة بعد الإنجيل ومقررات المجامع الكنسية ورسائل الباباوات وفتاواهم.
وهو مؤلف على الطريقة السكولائية أي المدرسانية الاجترارية القديمة التي كانت متبعة إبان القرون الوسطى. وهي التي ثار عليها ديكارت في كتابه الشهير مقال في المنهج. كتاب توما الأكويني صدر حوالي عام 1270 وكتاب ديكارت عام 1637. أي بعد أربعة قرون تقريبا. وقد أغلق ديكارت بهذا الكتاب العبقري عقلية العصور الوسطى في أوروبا ودشن عقلية العصور الحديثة. والسؤال المطروح هنا هو التالي: من سيغلق عقلية العصور الوسطى في العالم العربي أو الإسلامي كله؟ نقصد بذلك من سيتجاوز كتاب إحياء علوم الدين للغزالي الذي يشبه كتاب توما الأكويني في الجهة المسيحية؟ أين هو ديكارت العربي الذي سينقذنا من الانغلاقات اللاهوتية القروسطية؟ أم أن الجمود سيظل لاصقا بالعالم الإسلامي وبالتالي العربي إلى أبد الدهر؟ لا نعتقد ذلك. فالعالم العربي الذي صنع العصر الذهبي في بغداد وقرطبة يوما ما قادر على صناعته مرة أخرى. وهذا يعني أن ظلمات العصور الوسطى لن تدوم إلى الأبد. فعاجلا أو آجلا سوف تطل علينا أنوار الحضارة العربية الإسلامية مجددا. عاجلا أو آجلا سوف يتصالح الإسلام مع الحداثة والحداثة مع الإسلام. وسوف ينتج عن ذلك الخير العميم ليس فقط لنا وإنما للبشرية كلها.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.