قصة الصحافة والسلطة في مصر... سرد تاريخي

قصة الصحافة والسلطة في مصر... سرد تاريخي

الباحث محمد توفيق يتتبعها في ثلاثية «الملك والكتابة»
الأربعاء - 5 صفر 1442 هـ - 23 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15275]

في ثلاثية بعنوان «الملك والكتابة» يستقصي الباحث محمد توفيق قصة الصحافة في مصر وعلاقتها بالسلطة. يغطي الجزء الأول تاريخ «مهنة البحث عن المتاعب» وعلاقتها بالصراعات السياسية في الفترة من 1798 حتى 1899. بينما يغطي الجزء الثاني وهو بعنوان «حب وحرب وحبر» الفترة من 1900 حتى 1949، أما الجزء الثالث فيغطي الفترة من 1950 وحتى 1999. ويقع كل جزء في نحو 400 صفحة.
الكتاب صدرت أجزاؤه الثلاثة دفعة واحدة عن دار ريشة بالقاهرة، وبذل المؤلف جهدا كبيرا في متابعة النسخ الأصلية من الجرائد والمجلات موضع البحث عبر أكثر من 200 عام، وأجرى دراسة تحليلية لها، مستعينا بالعديد من المصادر والمراجع من أجل تدقيق المعلومات وتوثيق التواريخ وقراءة ما بين السطور، ومع ذلك لم يأت أسلوبه أكاديميا جافا بل امتاز بالتشويق وسلاسة الصياغة ما منح العمل نكهة السرد التاريخي الممتع.
ورغم ضخامة الحقب الزمنية والعصور التاريخية التي تغطيها الأجزاء الثلاثة والتي لا يمكن الإحاطة بها كلها هنا، يظل الجزء الأول ذا أهمية خاصة حيث يرصد فجر الصحافة المصرية التي نشأت على يد نابليون بونابرت الذي حاول توظيفها لتجميل حملته العسكرية على مصر كما اتخذها محمد على الذي تولى حكم البلاد 1805 أداة لتمرير سياساته غير الشعبية مثل فرض الضرائب والتجنيد الإجباري.
في عام 1798 جاء نابليون بونابرت إلى شاطئ الإسكندرية على ظهر بارجة حربية تدعى «لوريان» ومعه المدفع والمطبعة والسكين والحبر، على حد تعبير المؤلف، ورغم أن حملته العسكرية استمرت ثلاث سنوات فقط، إلا أنها كانت عميقة الأثر حيث أنشأ أكثر من صحيفة منها «بريد مصر» أو «كورييه دوليجيبت» و«العشرية المصرية أو «لاديكاد إيجبسيان» التي كانت تصدر كل عشرة أيام. كان هدف الصحيفتين الصادرتين بالفرنسية دعائيا بحتا، لنشر رسائل التقرب من قبل القائد الفرنسي إلى الشعب المصري، والهجوم الشديد على «المماليك» الحكام الفعليين للبلاد ونعتهم بالتخلف ونهب ثرواتها ومحاولة تقليب المزاج العام ضدهم بزعم أن فرنسا جاءت لتحرر المصريين من استبدادهم، فيما كانت مصر تتبع رسميا الإمبراطورية العثمانية. اللافت أن نابليون كان يتولى بنفسه مراجعة كل عدد من تلك المجلات قبل صدوره وإبداء ملاحظاته على الإخراج الفني والمضمون السياسي.
الاحتلال الإنجليزي
بعد سقوط مصر في قبضة الاحتلال الإنجليزي 1882. أصبحت مهمة الصحف الوطنية مزدوجة فهي تناضل معاً ضد فساد الحكومة وضد سلطة الاحتلال. من هذه الصحف «القطر المصري» لصاحبها أحمد حلمي والذي كان يجاهر بمعارضته الخديوي عباس حلمي فتعرض للسجن وتمت مصادرة الصحيفة ثم عادت للصدور مرة أخرى. لم يتراجع الرجل في موقفه بل ازداد صلابة مستمرا في كتابة مقالاته التي أشعلت غضب الحكومة، حتى قررت إلغاء الجريدة وذلك بدعوى التعرض بالجناب العالي للخديوي والتعرض لكرامة الناس والطعن في شرفهم.
ويورد المؤلف واقعة أخرى تبين كيف يمكن أن تتحول الصحافة إلى النقيض، وتصبح شاهد زور في الوقائع الكبرى. ففي صباح يوم الأحد العشرين من فبراير (شباط) 1910 أطلق شاب ست رصاصات على رئيس الوزراء بطرس باشا غالي وتم إلقاء القبض عليه، وتبين أنه صاحب صيدلية بميدان عابدين واسمه إبراهيم ناصف الورداني. خضع للتحقيق واعترف بالواقعة مبررا الأمر بأسباب تتعلق بتسليم «غالي» السودان للإنجليز وأنه كان رئيسا للمحكمة التي أعدمت عددا من الفلاحين المصريين في قرية دنشواي فضلا عن إعادته لقانون المطبوعات وعدم السماح بنقد الخديوي. وقررت صحف الاحتلال البريطاني أن تصطاد بالماء العكر فزعمت أنه قتل رئيس الوزراء لأنه مسيحي فرد الورداني على هذا الادعاء بأنه حتى لو كان مسلما لقتله أيضا!
وحين مات الزعيم «أحمد عرابي» الذي قاد المقاومة والثورة ضد الاحتلال الإنجليزي لكنه هزم بسبب الخيانة، هاجمته بعض الصحف المصرية الكبرى مثل «الأهرام» التي قالت: مات عرابي الذي قلب بثورته وجه المسألة الشرقية وغير توازن القوى الأوروبية وجر على مصر الاحتلال وعلى السودان الشراكة الإنجليزية وجعل شرق أفريقيا ووسطها نهبا بين الدول والأمم بعد أن كان خالصا لمصر
ويرصد المؤلف كيف أنه حين اندلعت الحرب العالمية دفعت مصر ثمن حرب لم تخضها وساءت الظروف الاقتصادية حتى باع الرجال حلي النساء والمواشي وحدث نقص هائل في محصول القطن وأغلقت الأسواق وتعذرت حركة المواصلات وحشد الإنجليز أكثر من مليون عامل مصري لخدمة قوات الاحتلال.
ولم يعانِ المصريون من قلة الطعام والكساء فقط وإنما عانوا من القمع أيضاً، إذ صدرت قرارات باعتقال عدد كبير من كبار الكتاب والصحافيين والزعماء الوطنيين ومن بينهم أمين الرفاعي وأحمد لطفي السيد وعبد الرحمن الرافعي وفهمي كامل شقيق الزعيم مصطفى كامل وغيرهم. ومن أشهر من صدر قرار بنفيهم خارج مصر أمير الشعراء أحمد شوقي باعتباره من رجال الخديوي المعزول.
الثورة ومصادرة الصحافة
بعد شهور من قيام ثورة يوليو (تموز) 1952، أصدر الحاكم العسكري أمرا بتعطيل بعض الصحف والمجلات منها الفداء، الكاتب، الملايين، النذير، الواجب، الثقافة، الرسالة، الميدان. وعلل صدور الحكم بتحقيق صالح الدولة وأمنها وضمان سلامتها وحماية المصريين من مروجي الأخبار المغرضة والباعثة على الفتنة وإثارة الاضطراب، ولم يتم الاكتفاء بمصادرة الصحف لكن تم اعتقال صاحب مجلة الفداء وأحد المحررين ورئيس تحرير مجلة النذير وتم اتهام الثلاثة بإثارة الطوائف.
ويذكر المؤلف أن هذا التضييق على الصحافة ومصادرة الصحف دفع السيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة «روز اليوسف» إلى أن تكتب خطابا إلى جمال عبد الناصر الذي كان صديقا لابنها الكاتب الشهير إحسان عبد القدوس تشكو إليه ما يجري للصحافة وتنبهه إلى خطورة سيطرة الرأي الواحد قائلة: «إنك بحاجة إلى الخلاف تماما كحاجتك إلى الاتحاد، إن كل مجتمع سليم يقوم على هذين العنصرين معا ولا يستغني بأحدهما عن الآخر وأنت تؤمن بهذا كله لا شك في ذلك وقد قرأت لك مقالا غير بعيد طالبت فيه بالنقد وبالآراء النزيهة الحرة حتى لو خالفتك ولكن أتعتقد أن الرأي يمكن أن يكون حرا حقا وعلى الفكر قيود؟».
وتابعت فاطمة اليوسف بقولها «لا تصدق ما يقال من أن الحرية شيء يباح في وقت آخر فإنها الرئة الوحيدة التي يتنفس بها المجتمع ويعيش والإنسان لا يتنفس في وقت دون آخر إنه يتنفس حين يأكل وحين ينام وحين يحارب أيضا».
وصل الخطاب لعبد الناصر وقرأه وقرر أن يرد عليه بخطاب آخر جاء فيه: «أنا بطبعي أكره كل قيد على الحرية وأمقت بإحساسي كل حد على الفكر على أن تكون الحرية للبناء وليس للهدم وعلى أن يكون الفكر خالصا لوجه الوطن وأنا لا أخشى من إطلاق الحريات وإنما أخشى أن تصبح الحرية كما كانت قبيل 23 يوليو سلعا تباع وتشترى، ومع ذلك فأين الحرية التي قيدناها».
مفارقات السادات
على العكس من عبد الناصر، بدا السادات للوهلة الأولى في بدايات حكمه منفتحا على الصحافة بل لا يرى بأسا في اطلاعها على الحياة الشخصية للحاكم كما يحدث في الغرب. ويورد المؤلف واقعة مهمة في هذا السياق، إذ كتب المصور الصحافي «فاروق إبراهيم» خطابا إلى الرئيس السادات وذهب لقصر الرئاسة وسلمه إلى أحد المسؤولين ولم يكن الخطاب يحوي سوى كلمات قليلة مفادها: أتمنى أن تسمح لي أن أسجل يوما في حياة سيادتك بالكاميرا فقط، والتقطت عدسة فاروق صورا استثنائية للسادات مع زوجته وأبنائه وأصدقائه ووزرائه وكبار الكتاب والصحافيين فضلا عن ركوبه الدراجة مع حفيده وممارسته اليوجا ونومه على الأرض وعاد فاروق إلى جريدته أخبار اليوم منتشيا بما حقق من سبق صحافي واتجه مباشرة لمكتب رئيس التحرير «إبراهيم سعدة» واتفقا على نشر بعض الصور في الصفحة الأولى في الباب الجديد المسمى قصة صورة.
أثار الموضوع ضجة، فقد اعترض عدد من مستشاري الرئيس وقال بعضهم إن تلك الصور خطيئة كبرى من أخبار اليوم وانتقل الهجوم إلى مرحلة أخرى حين دخلت «جيهان السادات» على الرئيس بصحبة الكاتب أنيس منصور بمقر إقامته في القناطر الخيرية وقالت له: أساتذة الجامعة كلموني وقالوا لي كيف يُفعل هذا في رئيس الجمهورية؟ «فرد السادات قاطعا وحاسما ومغلقا باب النقاش قائلا: أنا قرأت الموضوع واخترت الصور، أنتم لا تفهمون شيئا ولا تتابعون الصحف العالمية، هذه هي الصحافة الحديثة!».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة