شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

قال لـ «الشرق الأوسط»: نعمل الآن على إصدار أول مجلة فلسفية في المملكة

شايع الوقيان
شايع الوقيان
TT

شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

شايع الوقيان
شايع الوقيان

لقب «الفيلسوف» الذي يضعه الكاتب السعودي شايع الوقيان قبيل اسمه عرّضه لكثير من النقد في الوسط الثقافي المحلي، وفتح باب التساؤل عن مدى وجود فلاسفة سعوديين بالمعنى الدارج لكلمة «فيلسوف»، في حين يكشف الوقيان عن أنه تعمَّد إثارة هذا الجدل، لتحويل الموضوع إلى قضية فلسفية، بحسب وصفه.
ويوضح الوقيان خلال حواره لـ«الشرق الأوسط» أن نظرة المشهد الثقافي السعودي تجاه الفلسفة بدأت تتغير، كاشفاً عن أن «حلقة الرياض الفلسفية (حرف)» التابعة لنادي الرياض الأدبي، والتي يُعَد الوقيان أحد مؤسسيها، تعتزم الآن إصدار أول مجلة فلسفية سعودية. وكان الوقيان قد أصدر عدداً من الكتب عن الفلسفة منها: «الفلسفة بين الفن والآيديولوجيا» و«قراءات في الخطاب الفلسفي» و«الوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا».
هنا حوار معه:
> لقب «فيلسوف» عرّضك لكثير من الجدل... لماذا؟
- لقد اخترت لقب «فيلسوف» من أجل تحويل الموضوع نفسه إلى قضية فلسفية. وقد تحقق الهدف فعلاً. عربياً؛ يتم النظر للقب «فيلسوف» بشكل تشريفي، وليس بوصفه إشارة إلى النشاط الذي يقوم به الكاتب. كان في استخدامي إياه نوع من الجدية ونوع من السخرية (irony). الجدية هي تسليط الضوء على نقاش قديم يتمحور حول سؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ والسخرية تتعلق بالأجوبة المعطاة غالباً وهي: «لا؛ لا يوجد فيلسوف عربي». وهذا شيء مضحك بالنسبة لي. فلا يعقل أن أمة تشاطرت مع الغرب وراثة الفكر الإغريقي لا تملك فلاسفة! والحقيقة أن لدينا فلاسفة قديماً وحديثاً.
> لكن لماذا حين يطرح السؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ تجيب الأغلبية بـ«لا»؟
- هنا الموضوع الذي أريد تحويله إلى قضية فلسفية. لدينا منظوران متناقضان حول الفلسفة. فهناك من يبالغ في تقديسها بحيث تصبح أقرب للألوهية، فيضن على العرب بها، رغم أنه لا يجد حرجاً في وصف الغرب بها. وهناك من يبالغ في الحط من شأن الفلسفة فيربطها إما بالزندقة التي يجب البرء منها، وإما يربطها بالثرثرة والكلام غير المفهوم فيقال: «لا تتفلسف علينا».
وبين هذين المنظورين غير الواقعيين ضاع المعنى الحقيقة للتفلسف والفلسفة. وعلى كل حال؛ فأغلب منتقديّ كانوا من تيار التقديسيين. فكيف تسمي نفسك فيلسوفاً؟ ألا تخجل؟ ألا ينبغي عليك أن تصمت حتى يسميك الجمهور بذلك؟ والحقيقة أنني أستعمل كلمة فيلسوف، كما أشرت، إشارة إلى النشاط، وصفاً للعمل الذي أقوم به، وهو إنتاج النص الفلسفي نقداً وبناءً. وكل من يشتغل في هذا الحقل يسمى «فيلسوفاً»، بالضبط كما أن من يشتغل بالأدب يسمى «أديباً»... وهكذا.
> كيف قرأ التقديسيون عبارة «أنا فيلسوف»؟
- وجهة نظرهم معقولة جداً إذا التزمنا بالدلالة التي يفهمون بها «الفلسفة». فأنا كمن يقول «أنا كريم» أو «أنا شجاع» أو «أنا عظيم». هذه العبارات غير مقبولة وتعد ضرباً من القحة والفجاجة. ومن ثم فهم عدّوا إطلاقي على نفسي كلمة «فيلسوف» نوعاً من الفجاجة والغرور. لنعد مرة أخرى لجدلية الجدية والسخرية؛ كلمة «فيلسوف» بالمعنى التقديسي تثير امتعاضي، ولذا أشعتُ في غضون اللقب شيئاً من السخرية، ولكن المعنى الصحيح الذي أفهم به اللقب هو ما يحتمل الجدية، وهو ما أريد إذاعته بين عموم القراء. وأنا سعيد بهذا الجدل، فقد أثار في العقول ما كان راكداً ومستقراً.
> في السعودية... هل لدينا فلاسفة؟
- في السعودية فلاسفة، ولكنهم قلة قليلة للأسف. وسبب ذلك الإصرار الغريب على إهمال الفلسفة والمنطق في نظامنا التعليمي وفي المشهد الثقافي عموماً. ووزارتا الثقافة والإعلام مسؤولتان عن التقصير والإهمال. وأخص بالذكر وزارة الثقافة التي تصر دائماً على متابعة الجمهور بدلاً من قيادتهم إلى حقول معرفية غريبة على القارئ السعودي. النص الفلسفي السعودي له إرهاصات قديمة نوعاً ما مع عبد الله القصيمي وحمزة شحاتة ومحمد حسن عواد. وهؤلاء كتبوا النص الفلسفي، ولكن عن طريق الأدب والفكر الديني. وهؤلاء الثلاثة يكادون يقتربون من التفلسف الذي شاع في التنوير الفرنسي مع فولتير وروسو ومونتسكيو وديدرو... وغيرهم. فكانت المسائل الاجتماعية والأخلاقية، كالحرية وحقوق المرأة والفضائل، هي الموضوعات الجوهرية التي انبنى حولها النص الفلسفي. وقد سميت هذه الحقبة في غير موضع «الفترة التنويرية». وتلتها «فترة الحداثة»، وجرى الاقتراب من الفلسفة عن طريق النقد الأدبي ونظرية الأدب والثقافة عموماً، ويمثل هذه الحقبة عبد الله الغذامي وسعيد السريحي وسعد البازعي وميجان الرويلي. وأخيراً ظهرت «الفلسفة» بمعناها الأصيل، أي الفلسفة كأنطولوجيا وميتافيزيقا مع «حلقة الرياض الفلسفية» والأنشطة الأخرى المشابهة لها في نجران وجدة والقصيم والمدينة.
> برأيك؛ كيف جرى التعاطي مع النشاط الفلسفي السعودي خلال العقد الأخير؟
- بشكل غير جيد. وأكاد أزعم أن الجيل الراهن أكثر اطلاعاً وقراءة للنص الفلسفي من الأجيال السابقة، وصار الكتاب الفلسفي منافساً في سوق الكتب. كان التعاطي غير جيد لأسباب؛ منها أن «زمّار الحي لا يطرب»، كما يقال. فما يكتبه السعودي ليس بذي قيمة عند من تأثروا بعقدة الخواجة (العربي والغربي). وكثيراً ما نسمع عبارات الاستهجان والتحقير من بعض الناس، وأخص منهم الكتّاب. وهذه مشكلة عربية على كل حال. فالغربي بالنسبة للعربي هو رأس الحكمة، والعربي بالنسبة للسعودي هو الرأس الأصغر.
من أسباب التعاطي غير الجيد أيضاً أنهم يربطون بين الشهادة والتفلسف. فإذا لم تكن لديك شهادة جامعية من قسم فلسفة؛ فلا يحق لك التفلسف. وهذا رأي غير وجيه ولا يستحق الالتفات إليه رغم شيوعه.
> ماذا بشأن فكرة تعارض الفلسفة مع الدين... هل تجاوزناها؟
- تقريباً نحن آخذون في تجاوز ثنائية الدين والفلسفة. هذه الثنائية كانت سلبية، وكان كثيرون يرون أن العلاقة صراعية، وأن الفلسفة أشبه بدين منافس. ومن أسفٍ أن هذا الفهم الصراعي كان قديماً قِدم بدايات التفلسف في الحضارة الإسلامية. فقد هوجم الفلاسفة والمناطقة من قبل بعض الوعاظ والفقهاء بحجة أنها علوم دخيلة ووثنية ومعارضة للشريعة. وكان لا بد للفلاسفة بدءاً من الكندي حتى ابن رشد من أن يبدأوا التفلسف بالخطاب الأبولوجي (الدفاعي). وضاعت جهودهم العقلية في محاولة التوفيق بين الحكمة والشريعة. ولو انصرفت الهمم لموضوعات حيوية آنذاك، لكان لنا شأن عظيم في التقدم الحضاري.
مع نشوء الدولة السعودية الحديثة وتشكل نظام التعليم، كانت الفلسفة غائبة وربما غير مفكر فيها. فقد واجه التربويون وقتذاك معارضة شرسة من الفقهاء فيما يتعلق بتدريس مواد كالجغرافيا والإنجليزي، فما بالك بالفلسفة والمنطق وقد ارتبط في أذهانهم بعبارات منفرة، مثل: «من تمنطق فقد تزندق»، و:«نهاية إقدام العقول عقال - وغاية سعي العالمين ضلال»، وغيرهما من عبارات كانت كفيلة بالقضاء على إمكانية تدريس الفلسفة.
في الآونة الأخيرة، بدأت ثنائية الصراع تزول، وتشكل وعي جيد حول هذا الموضوع، ولكن بقيت فئة من المحافظين - الذين يريدون احتكار الوعي الشعبي؛ سواء أكانوا من الحافظين في الشريعة أم في الأدب - رافضين للفلسفة ومتابعين في ذلك سيرة الأوائل الذين انتقدهم الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالته قائلاً إنهم: «يذبون عن كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين».
> أنت من مؤسسي «حلقة الرياض الفلسفية»... ما أبرز مخرجاتها؟
- «حلقة الرياض الفلسفية» نشأت عام 2008، وقبلها كانت موجودة، ولكن بشكل غير رسمي، إن صح التعبير. وكان هدف الحلقة تعريف القارئ السعودي بالفكر الفلسفي وحفزه على ممارسة التفلسف. في البدايات، كان الإقبال قليلاً، وكانت المشاركات نادرة. ولكن مع مرور الوقت بدأ الحضور يزداد ويتفاعل. وأعتقد أن أهم مخرجات الحلقة هو الدور الكبير الذي قامت به في نشر الفلسفة واجتذاب القراء إلى الكتاب الفلسفي الذي صار اليوم ينافس الكتب الأخرى. وشاعت بين الكتاب أنفسهم رغبة في اجتراح الكتابة الفلسفية بعد أن كانت كتاباتهم متمحورة حول موضوعات أدبية واجتماعية. وقد قامت الحلقة، ضمن هدف ممارسة التفلسف، بفتح الباب للشباب والشابات واستقطبتهم لإلقاء المحاضرات وكتابة الدراسات الفلسفية. وقد نشرت كتابات المشاركين في فعاليات الحلقة في كتابين: «أوراق فلسفية – ج1» و«ج2».
ومن حيث الإنتاج الفردي، فقد قمت شخصياً بتأليف 3 كتب وترجمة كتاب، وكانت الحلقة الفضاء الذي ولدت فيه هذه الكتب (الكتاب المترجم جاهز للنشر). وقام حمد الراشد أيضاً بإنتاج كتب فلسفية، وترجم عبد الله المطيري كتاباً فلسفياً سيظهر قريباً، إضافة إلى كتابه الفلسفي المحض الذي سيرى النور عمّا قريب، وقد قرأته كاملاً، وهو أول نص فلسفي أصيل أقرأه لكاتب سعودي وعربي. وأخيراً يمكن الإشارة إلى دور «الحلقة» في إشعال جذوة التنافس المحمود، فقد ظهرت أنشطة فلسفية مشابهة في نجران وحائل وجدة والمدينة كما أشرنا سابقاً. والآن نحن بصدد العمل على ظهور أول مجلة فلسفية سعودية، وستكون تعبيراً عن هذا النشاط الحيوي والمتدفق الذي نشهده منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
> كثيراً ما تنادي بإدخال الفلسفة في مؤسسات التعليم... ما رؤيتك حول ذلك؟
- مما يؤسف له أن بلادنا، التي وصلت الآن إلى مكانة رفيعة جداً ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل وعلى المستوى العالمي، لا تزال جامعاتها خالية من الدرس الفلسفي والمنطقي. وكل ما نأمل تحققه هو أن تنشأ أقسام فلسفية في الكليات، وأن تُدرّس مادة فلسفية ومنطقية في التعليم العام. وقد أظهرت دراسات تربوية كثيرة أن تدريس الفلسفة للطلاب منذ المراحل الأساسية (الابتدائية) أسهم كثيراً في زيادة الحصيلة المعرفية والنقدية لديهم ورفع مستواهم التعليمي. فالفلسفة تمد الطلاب بالطرق الصحيحة لطرح الأسئلة والوسائل الملائمة للإجابة عنها.
وأبرز مهارة يمكن تقديمها، عدا المهارات النقدية والتحليلية والإبداعية، هي المهارات «الما - فوق» إدراكية. وهي مهارات نافعة جداً وتجعل الطالب واعياً بنفسه وهو يفكر. فالوعي الذاتي هو أساس النضج العقلي. أكرر... إنه لمن المؤسف أن جامعاتنا هي الوحيدة في العالم التي لا توجد بها أقسام فلسفة. ورغم أن الفلسفة ليست عصا سحرية لحل المشكلات التربوية والاجتماعية، إلا إنها شرط ضروري لا بد منه.
> كيف ترى الحراك الثقافي السعودي خلال الآونة الأخيرة؟
- الحراك الثقافي في السعودية يسير – في رأيي - نحو الأفضل. كانت الثقافة السعودية قديماً مقتصرة على العلوم الأدبية والشرعية. ومع حركة الحداثة التي رادها الدكتور عبد الله الغذامي ورفاقه تغيرت وجهة البوصلة نحو مزيد من الانفتاح على الفكر العقلي، ممثلاً في النظريات البنيوية والتفكيكية والتأويلية والثقافية. ومنذ مطلع القرن الجديد الذي شهد اتساع استعمال التقنية والإنترنت بدأت الأفكار الجديدة تظهر في أفق الثقافة. وبرزت تيارات علمانية وليبرالية ونسوية تحاول إصلاح وتعويض ما فات من خسائر فكرية كبيرة بسبب الانغلاق والإغلاق. وكان ظهور الكتاب الفلسفي مرافقاً لهذه الثورة الفكرية التي كانت التقنية التواصلية (المنتديات، والمدونات، ووسائل التواصل الاجتماعي) هي الحافز الأساسي لها.
الحراك الثقافي الآن تتقاسمه 3 اتجاهات: الفكر التنويري، والفكر النسوي، والفكر الشعبي. والأخير أقصد به تلك الاتجاهات التي يذيعها مشاهير السوشيال ميديا، وهو فكر يغلب عليه الطابع العملي، مثل تطوير الذات وتقدير البيئة ومناقشة قضايا يومية كالتنمر وعدم احترام النظام. ولكنه يبقى فكراً هشاً؛ لأنه لم يتأسس على قاعدة فلسفية صحيحة. من ثم؛ فهو ينزلق كثيراً في التفاهة. ومن هنا؛ فلا نعدم وجود بعض مشاهير السوشيال ميديا الذين جعلوا الشهرة هي الغاية من أنشطتهم. أما الفكر المحافظ؛ فهو لا يزال موجوداً، ولكن بعض رموزه بدأوا يعون أننا في مرحلة انتقالية جذرية وأن تطوير وتعديل الفكر الديني والاجتماعي أصبح ضرورة ملحة.



رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.