شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

قال لـ «الشرق الأوسط»: نعمل الآن على إصدار أول مجلة فلسفية في المملكة

شايع الوقيان
شايع الوقيان
TT

شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

شايع الوقيان
شايع الوقيان

لقب «الفيلسوف» الذي يضعه الكاتب السعودي شايع الوقيان قبيل اسمه عرّضه لكثير من النقد في الوسط الثقافي المحلي، وفتح باب التساؤل عن مدى وجود فلاسفة سعوديين بالمعنى الدارج لكلمة «فيلسوف»، في حين يكشف الوقيان عن أنه تعمَّد إثارة هذا الجدل، لتحويل الموضوع إلى قضية فلسفية، بحسب وصفه.
ويوضح الوقيان خلال حواره لـ«الشرق الأوسط» أن نظرة المشهد الثقافي السعودي تجاه الفلسفة بدأت تتغير، كاشفاً عن أن «حلقة الرياض الفلسفية (حرف)» التابعة لنادي الرياض الأدبي، والتي يُعَد الوقيان أحد مؤسسيها، تعتزم الآن إصدار أول مجلة فلسفية سعودية. وكان الوقيان قد أصدر عدداً من الكتب عن الفلسفة منها: «الفلسفة بين الفن والآيديولوجيا» و«قراءات في الخطاب الفلسفي» و«الوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا».
هنا حوار معه:
> لقب «فيلسوف» عرّضك لكثير من الجدل... لماذا؟
- لقد اخترت لقب «فيلسوف» من أجل تحويل الموضوع نفسه إلى قضية فلسفية. وقد تحقق الهدف فعلاً. عربياً؛ يتم النظر للقب «فيلسوف» بشكل تشريفي، وليس بوصفه إشارة إلى النشاط الذي يقوم به الكاتب. كان في استخدامي إياه نوع من الجدية ونوع من السخرية (irony). الجدية هي تسليط الضوء على نقاش قديم يتمحور حول سؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ والسخرية تتعلق بالأجوبة المعطاة غالباً وهي: «لا؛ لا يوجد فيلسوف عربي». وهذا شيء مضحك بالنسبة لي. فلا يعقل أن أمة تشاطرت مع الغرب وراثة الفكر الإغريقي لا تملك فلاسفة! والحقيقة أن لدينا فلاسفة قديماً وحديثاً.
> لكن لماذا حين يطرح السؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ تجيب الأغلبية بـ«لا»؟
- هنا الموضوع الذي أريد تحويله إلى قضية فلسفية. لدينا منظوران متناقضان حول الفلسفة. فهناك من يبالغ في تقديسها بحيث تصبح أقرب للألوهية، فيضن على العرب بها، رغم أنه لا يجد حرجاً في وصف الغرب بها. وهناك من يبالغ في الحط من شأن الفلسفة فيربطها إما بالزندقة التي يجب البرء منها، وإما يربطها بالثرثرة والكلام غير المفهوم فيقال: «لا تتفلسف علينا».
وبين هذين المنظورين غير الواقعيين ضاع المعنى الحقيقة للتفلسف والفلسفة. وعلى كل حال؛ فأغلب منتقديّ كانوا من تيار التقديسيين. فكيف تسمي نفسك فيلسوفاً؟ ألا تخجل؟ ألا ينبغي عليك أن تصمت حتى يسميك الجمهور بذلك؟ والحقيقة أنني أستعمل كلمة فيلسوف، كما أشرت، إشارة إلى النشاط، وصفاً للعمل الذي أقوم به، وهو إنتاج النص الفلسفي نقداً وبناءً. وكل من يشتغل في هذا الحقل يسمى «فيلسوفاً»، بالضبط كما أن من يشتغل بالأدب يسمى «أديباً»... وهكذا.
> كيف قرأ التقديسيون عبارة «أنا فيلسوف»؟
- وجهة نظرهم معقولة جداً إذا التزمنا بالدلالة التي يفهمون بها «الفلسفة». فأنا كمن يقول «أنا كريم» أو «أنا شجاع» أو «أنا عظيم». هذه العبارات غير مقبولة وتعد ضرباً من القحة والفجاجة. ومن ثم فهم عدّوا إطلاقي على نفسي كلمة «فيلسوف» نوعاً من الفجاجة والغرور. لنعد مرة أخرى لجدلية الجدية والسخرية؛ كلمة «فيلسوف» بالمعنى التقديسي تثير امتعاضي، ولذا أشعتُ في غضون اللقب شيئاً من السخرية، ولكن المعنى الصحيح الذي أفهم به اللقب هو ما يحتمل الجدية، وهو ما أريد إذاعته بين عموم القراء. وأنا سعيد بهذا الجدل، فقد أثار في العقول ما كان راكداً ومستقراً.
> في السعودية... هل لدينا فلاسفة؟
- في السعودية فلاسفة، ولكنهم قلة قليلة للأسف. وسبب ذلك الإصرار الغريب على إهمال الفلسفة والمنطق في نظامنا التعليمي وفي المشهد الثقافي عموماً. ووزارتا الثقافة والإعلام مسؤولتان عن التقصير والإهمال. وأخص بالذكر وزارة الثقافة التي تصر دائماً على متابعة الجمهور بدلاً من قيادتهم إلى حقول معرفية غريبة على القارئ السعودي. النص الفلسفي السعودي له إرهاصات قديمة نوعاً ما مع عبد الله القصيمي وحمزة شحاتة ومحمد حسن عواد. وهؤلاء كتبوا النص الفلسفي، ولكن عن طريق الأدب والفكر الديني. وهؤلاء الثلاثة يكادون يقتربون من التفلسف الذي شاع في التنوير الفرنسي مع فولتير وروسو ومونتسكيو وديدرو... وغيرهم. فكانت المسائل الاجتماعية والأخلاقية، كالحرية وحقوق المرأة والفضائل، هي الموضوعات الجوهرية التي انبنى حولها النص الفلسفي. وقد سميت هذه الحقبة في غير موضع «الفترة التنويرية». وتلتها «فترة الحداثة»، وجرى الاقتراب من الفلسفة عن طريق النقد الأدبي ونظرية الأدب والثقافة عموماً، ويمثل هذه الحقبة عبد الله الغذامي وسعيد السريحي وسعد البازعي وميجان الرويلي. وأخيراً ظهرت «الفلسفة» بمعناها الأصيل، أي الفلسفة كأنطولوجيا وميتافيزيقا مع «حلقة الرياض الفلسفية» والأنشطة الأخرى المشابهة لها في نجران وجدة والقصيم والمدينة.
> برأيك؛ كيف جرى التعاطي مع النشاط الفلسفي السعودي خلال العقد الأخير؟
- بشكل غير جيد. وأكاد أزعم أن الجيل الراهن أكثر اطلاعاً وقراءة للنص الفلسفي من الأجيال السابقة، وصار الكتاب الفلسفي منافساً في سوق الكتب. كان التعاطي غير جيد لأسباب؛ منها أن «زمّار الحي لا يطرب»، كما يقال. فما يكتبه السعودي ليس بذي قيمة عند من تأثروا بعقدة الخواجة (العربي والغربي). وكثيراً ما نسمع عبارات الاستهجان والتحقير من بعض الناس، وأخص منهم الكتّاب. وهذه مشكلة عربية على كل حال. فالغربي بالنسبة للعربي هو رأس الحكمة، والعربي بالنسبة للسعودي هو الرأس الأصغر.
من أسباب التعاطي غير الجيد أيضاً أنهم يربطون بين الشهادة والتفلسف. فإذا لم تكن لديك شهادة جامعية من قسم فلسفة؛ فلا يحق لك التفلسف. وهذا رأي غير وجيه ولا يستحق الالتفات إليه رغم شيوعه.
> ماذا بشأن فكرة تعارض الفلسفة مع الدين... هل تجاوزناها؟
- تقريباً نحن آخذون في تجاوز ثنائية الدين والفلسفة. هذه الثنائية كانت سلبية، وكان كثيرون يرون أن العلاقة صراعية، وأن الفلسفة أشبه بدين منافس. ومن أسفٍ أن هذا الفهم الصراعي كان قديماً قِدم بدايات التفلسف في الحضارة الإسلامية. فقد هوجم الفلاسفة والمناطقة من قبل بعض الوعاظ والفقهاء بحجة أنها علوم دخيلة ووثنية ومعارضة للشريعة. وكان لا بد للفلاسفة بدءاً من الكندي حتى ابن رشد من أن يبدأوا التفلسف بالخطاب الأبولوجي (الدفاعي). وضاعت جهودهم العقلية في محاولة التوفيق بين الحكمة والشريعة. ولو انصرفت الهمم لموضوعات حيوية آنذاك، لكان لنا شأن عظيم في التقدم الحضاري.
مع نشوء الدولة السعودية الحديثة وتشكل نظام التعليم، كانت الفلسفة غائبة وربما غير مفكر فيها. فقد واجه التربويون وقتذاك معارضة شرسة من الفقهاء فيما يتعلق بتدريس مواد كالجغرافيا والإنجليزي، فما بالك بالفلسفة والمنطق وقد ارتبط في أذهانهم بعبارات منفرة، مثل: «من تمنطق فقد تزندق»، و:«نهاية إقدام العقول عقال - وغاية سعي العالمين ضلال»، وغيرهما من عبارات كانت كفيلة بالقضاء على إمكانية تدريس الفلسفة.
في الآونة الأخيرة، بدأت ثنائية الصراع تزول، وتشكل وعي جيد حول هذا الموضوع، ولكن بقيت فئة من المحافظين - الذين يريدون احتكار الوعي الشعبي؛ سواء أكانوا من الحافظين في الشريعة أم في الأدب - رافضين للفلسفة ومتابعين في ذلك سيرة الأوائل الذين انتقدهم الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالته قائلاً إنهم: «يذبون عن كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين».
> أنت من مؤسسي «حلقة الرياض الفلسفية»... ما أبرز مخرجاتها؟
- «حلقة الرياض الفلسفية» نشأت عام 2008، وقبلها كانت موجودة، ولكن بشكل غير رسمي، إن صح التعبير. وكان هدف الحلقة تعريف القارئ السعودي بالفكر الفلسفي وحفزه على ممارسة التفلسف. في البدايات، كان الإقبال قليلاً، وكانت المشاركات نادرة. ولكن مع مرور الوقت بدأ الحضور يزداد ويتفاعل. وأعتقد أن أهم مخرجات الحلقة هو الدور الكبير الذي قامت به في نشر الفلسفة واجتذاب القراء إلى الكتاب الفلسفي الذي صار اليوم ينافس الكتب الأخرى. وشاعت بين الكتاب أنفسهم رغبة في اجتراح الكتابة الفلسفية بعد أن كانت كتاباتهم متمحورة حول موضوعات أدبية واجتماعية. وقد قامت الحلقة، ضمن هدف ممارسة التفلسف، بفتح الباب للشباب والشابات واستقطبتهم لإلقاء المحاضرات وكتابة الدراسات الفلسفية. وقد نشرت كتابات المشاركين في فعاليات الحلقة في كتابين: «أوراق فلسفية – ج1» و«ج2».
ومن حيث الإنتاج الفردي، فقد قمت شخصياً بتأليف 3 كتب وترجمة كتاب، وكانت الحلقة الفضاء الذي ولدت فيه هذه الكتب (الكتاب المترجم جاهز للنشر). وقام حمد الراشد أيضاً بإنتاج كتب فلسفية، وترجم عبد الله المطيري كتاباً فلسفياً سيظهر قريباً، إضافة إلى كتابه الفلسفي المحض الذي سيرى النور عمّا قريب، وقد قرأته كاملاً، وهو أول نص فلسفي أصيل أقرأه لكاتب سعودي وعربي. وأخيراً يمكن الإشارة إلى دور «الحلقة» في إشعال جذوة التنافس المحمود، فقد ظهرت أنشطة فلسفية مشابهة في نجران وحائل وجدة والمدينة كما أشرنا سابقاً. والآن نحن بصدد العمل على ظهور أول مجلة فلسفية سعودية، وستكون تعبيراً عن هذا النشاط الحيوي والمتدفق الذي نشهده منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
> كثيراً ما تنادي بإدخال الفلسفة في مؤسسات التعليم... ما رؤيتك حول ذلك؟
- مما يؤسف له أن بلادنا، التي وصلت الآن إلى مكانة رفيعة جداً ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل وعلى المستوى العالمي، لا تزال جامعاتها خالية من الدرس الفلسفي والمنطقي. وكل ما نأمل تحققه هو أن تنشأ أقسام فلسفية في الكليات، وأن تُدرّس مادة فلسفية ومنطقية في التعليم العام. وقد أظهرت دراسات تربوية كثيرة أن تدريس الفلسفة للطلاب منذ المراحل الأساسية (الابتدائية) أسهم كثيراً في زيادة الحصيلة المعرفية والنقدية لديهم ورفع مستواهم التعليمي. فالفلسفة تمد الطلاب بالطرق الصحيحة لطرح الأسئلة والوسائل الملائمة للإجابة عنها.
وأبرز مهارة يمكن تقديمها، عدا المهارات النقدية والتحليلية والإبداعية، هي المهارات «الما - فوق» إدراكية. وهي مهارات نافعة جداً وتجعل الطالب واعياً بنفسه وهو يفكر. فالوعي الذاتي هو أساس النضج العقلي. أكرر... إنه لمن المؤسف أن جامعاتنا هي الوحيدة في العالم التي لا توجد بها أقسام فلسفة. ورغم أن الفلسفة ليست عصا سحرية لحل المشكلات التربوية والاجتماعية، إلا إنها شرط ضروري لا بد منه.
> كيف ترى الحراك الثقافي السعودي خلال الآونة الأخيرة؟
- الحراك الثقافي في السعودية يسير – في رأيي - نحو الأفضل. كانت الثقافة السعودية قديماً مقتصرة على العلوم الأدبية والشرعية. ومع حركة الحداثة التي رادها الدكتور عبد الله الغذامي ورفاقه تغيرت وجهة البوصلة نحو مزيد من الانفتاح على الفكر العقلي، ممثلاً في النظريات البنيوية والتفكيكية والتأويلية والثقافية. ومنذ مطلع القرن الجديد الذي شهد اتساع استعمال التقنية والإنترنت بدأت الأفكار الجديدة تظهر في أفق الثقافة. وبرزت تيارات علمانية وليبرالية ونسوية تحاول إصلاح وتعويض ما فات من خسائر فكرية كبيرة بسبب الانغلاق والإغلاق. وكان ظهور الكتاب الفلسفي مرافقاً لهذه الثورة الفكرية التي كانت التقنية التواصلية (المنتديات، والمدونات، ووسائل التواصل الاجتماعي) هي الحافز الأساسي لها.
الحراك الثقافي الآن تتقاسمه 3 اتجاهات: الفكر التنويري، والفكر النسوي، والفكر الشعبي. والأخير أقصد به تلك الاتجاهات التي يذيعها مشاهير السوشيال ميديا، وهو فكر يغلب عليه الطابع العملي، مثل تطوير الذات وتقدير البيئة ومناقشة قضايا يومية كالتنمر وعدم احترام النظام. ولكنه يبقى فكراً هشاً؛ لأنه لم يتأسس على قاعدة فلسفية صحيحة. من ثم؛ فهو ينزلق كثيراً في التفاهة. ومن هنا؛ فلا نعدم وجود بعض مشاهير السوشيال ميديا الذين جعلوا الشهرة هي الغاية من أنشطتهم. أما الفكر المحافظ؛ فهو لا يزال موجوداً، ولكن بعض رموزه بدأوا يعون أننا في مرحلة انتقالية جذرية وأن تطوير وتعديل الفكر الديني والاجتماعي أصبح ضرورة ملحة.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.