شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

قال لـ «الشرق الأوسط»: نعمل الآن على إصدار أول مجلة فلسفية في المملكة

شايع الوقيان
شايع الوقيان
TT

شايع الوقيان: تقديس لقب «فيلسوف» يثير الامتعاض... ولدينا فلاسفة سعوديون

شايع الوقيان
شايع الوقيان

لقب «الفيلسوف» الذي يضعه الكاتب السعودي شايع الوقيان قبيل اسمه عرّضه لكثير من النقد في الوسط الثقافي المحلي، وفتح باب التساؤل عن مدى وجود فلاسفة سعوديين بالمعنى الدارج لكلمة «فيلسوف»، في حين يكشف الوقيان عن أنه تعمَّد إثارة هذا الجدل، لتحويل الموضوع إلى قضية فلسفية، بحسب وصفه.
ويوضح الوقيان خلال حواره لـ«الشرق الأوسط» أن نظرة المشهد الثقافي السعودي تجاه الفلسفة بدأت تتغير، كاشفاً عن أن «حلقة الرياض الفلسفية (حرف)» التابعة لنادي الرياض الأدبي، والتي يُعَد الوقيان أحد مؤسسيها، تعتزم الآن إصدار أول مجلة فلسفية سعودية. وكان الوقيان قد أصدر عدداً من الكتب عن الفلسفة منها: «الفلسفة بين الفن والآيديولوجيا» و«قراءات في الخطاب الفلسفي» و«الوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا».
هنا حوار معه:
> لقب «فيلسوف» عرّضك لكثير من الجدل... لماذا؟
- لقد اخترت لقب «فيلسوف» من أجل تحويل الموضوع نفسه إلى قضية فلسفية. وقد تحقق الهدف فعلاً. عربياً؛ يتم النظر للقب «فيلسوف» بشكل تشريفي، وليس بوصفه إشارة إلى النشاط الذي يقوم به الكاتب. كان في استخدامي إياه نوع من الجدية ونوع من السخرية (irony). الجدية هي تسليط الضوء على نقاش قديم يتمحور حول سؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ والسخرية تتعلق بالأجوبة المعطاة غالباً وهي: «لا؛ لا يوجد فيلسوف عربي». وهذا شيء مضحك بالنسبة لي. فلا يعقل أن أمة تشاطرت مع الغرب وراثة الفكر الإغريقي لا تملك فلاسفة! والحقيقة أن لدينا فلاسفة قديماً وحديثاً.
> لكن لماذا حين يطرح السؤال: هل يوجد فيلسوف عربي؟ تجيب الأغلبية بـ«لا»؟
- هنا الموضوع الذي أريد تحويله إلى قضية فلسفية. لدينا منظوران متناقضان حول الفلسفة. فهناك من يبالغ في تقديسها بحيث تصبح أقرب للألوهية، فيضن على العرب بها، رغم أنه لا يجد حرجاً في وصف الغرب بها. وهناك من يبالغ في الحط من شأن الفلسفة فيربطها إما بالزندقة التي يجب البرء منها، وإما يربطها بالثرثرة والكلام غير المفهوم فيقال: «لا تتفلسف علينا».
وبين هذين المنظورين غير الواقعيين ضاع المعنى الحقيقة للتفلسف والفلسفة. وعلى كل حال؛ فأغلب منتقديّ كانوا من تيار التقديسيين. فكيف تسمي نفسك فيلسوفاً؟ ألا تخجل؟ ألا ينبغي عليك أن تصمت حتى يسميك الجمهور بذلك؟ والحقيقة أنني أستعمل كلمة فيلسوف، كما أشرت، إشارة إلى النشاط، وصفاً للعمل الذي أقوم به، وهو إنتاج النص الفلسفي نقداً وبناءً. وكل من يشتغل في هذا الحقل يسمى «فيلسوفاً»، بالضبط كما أن من يشتغل بالأدب يسمى «أديباً»... وهكذا.
> كيف قرأ التقديسيون عبارة «أنا فيلسوف»؟
- وجهة نظرهم معقولة جداً إذا التزمنا بالدلالة التي يفهمون بها «الفلسفة». فأنا كمن يقول «أنا كريم» أو «أنا شجاع» أو «أنا عظيم». هذه العبارات غير مقبولة وتعد ضرباً من القحة والفجاجة. ومن ثم فهم عدّوا إطلاقي على نفسي كلمة «فيلسوف» نوعاً من الفجاجة والغرور. لنعد مرة أخرى لجدلية الجدية والسخرية؛ كلمة «فيلسوف» بالمعنى التقديسي تثير امتعاضي، ولذا أشعتُ في غضون اللقب شيئاً من السخرية، ولكن المعنى الصحيح الذي أفهم به اللقب هو ما يحتمل الجدية، وهو ما أريد إذاعته بين عموم القراء. وأنا سعيد بهذا الجدل، فقد أثار في العقول ما كان راكداً ومستقراً.
> في السعودية... هل لدينا فلاسفة؟
- في السعودية فلاسفة، ولكنهم قلة قليلة للأسف. وسبب ذلك الإصرار الغريب على إهمال الفلسفة والمنطق في نظامنا التعليمي وفي المشهد الثقافي عموماً. ووزارتا الثقافة والإعلام مسؤولتان عن التقصير والإهمال. وأخص بالذكر وزارة الثقافة التي تصر دائماً على متابعة الجمهور بدلاً من قيادتهم إلى حقول معرفية غريبة على القارئ السعودي. النص الفلسفي السعودي له إرهاصات قديمة نوعاً ما مع عبد الله القصيمي وحمزة شحاتة ومحمد حسن عواد. وهؤلاء كتبوا النص الفلسفي، ولكن عن طريق الأدب والفكر الديني. وهؤلاء الثلاثة يكادون يقتربون من التفلسف الذي شاع في التنوير الفرنسي مع فولتير وروسو ومونتسكيو وديدرو... وغيرهم. فكانت المسائل الاجتماعية والأخلاقية، كالحرية وحقوق المرأة والفضائل، هي الموضوعات الجوهرية التي انبنى حولها النص الفلسفي. وقد سميت هذه الحقبة في غير موضع «الفترة التنويرية». وتلتها «فترة الحداثة»، وجرى الاقتراب من الفلسفة عن طريق النقد الأدبي ونظرية الأدب والثقافة عموماً، ويمثل هذه الحقبة عبد الله الغذامي وسعيد السريحي وسعد البازعي وميجان الرويلي. وأخيراً ظهرت «الفلسفة» بمعناها الأصيل، أي الفلسفة كأنطولوجيا وميتافيزيقا مع «حلقة الرياض الفلسفية» والأنشطة الأخرى المشابهة لها في نجران وجدة والقصيم والمدينة.
> برأيك؛ كيف جرى التعاطي مع النشاط الفلسفي السعودي خلال العقد الأخير؟
- بشكل غير جيد. وأكاد أزعم أن الجيل الراهن أكثر اطلاعاً وقراءة للنص الفلسفي من الأجيال السابقة، وصار الكتاب الفلسفي منافساً في سوق الكتب. كان التعاطي غير جيد لأسباب؛ منها أن «زمّار الحي لا يطرب»، كما يقال. فما يكتبه السعودي ليس بذي قيمة عند من تأثروا بعقدة الخواجة (العربي والغربي). وكثيراً ما نسمع عبارات الاستهجان والتحقير من بعض الناس، وأخص منهم الكتّاب. وهذه مشكلة عربية على كل حال. فالغربي بالنسبة للعربي هو رأس الحكمة، والعربي بالنسبة للسعودي هو الرأس الأصغر.
من أسباب التعاطي غير الجيد أيضاً أنهم يربطون بين الشهادة والتفلسف. فإذا لم تكن لديك شهادة جامعية من قسم فلسفة؛ فلا يحق لك التفلسف. وهذا رأي غير وجيه ولا يستحق الالتفات إليه رغم شيوعه.
> ماذا بشأن فكرة تعارض الفلسفة مع الدين... هل تجاوزناها؟
- تقريباً نحن آخذون في تجاوز ثنائية الدين والفلسفة. هذه الثنائية كانت سلبية، وكان كثيرون يرون أن العلاقة صراعية، وأن الفلسفة أشبه بدين منافس. ومن أسفٍ أن هذا الفهم الصراعي كان قديماً قِدم بدايات التفلسف في الحضارة الإسلامية. فقد هوجم الفلاسفة والمناطقة من قبل بعض الوعاظ والفقهاء بحجة أنها علوم دخيلة ووثنية ومعارضة للشريعة. وكان لا بد للفلاسفة بدءاً من الكندي حتى ابن رشد من أن يبدأوا التفلسف بالخطاب الأبولوجي (الدفاعي). وضاعت جهودهم العقلية في محاولة التوفيق بين الحكمة والشريعة. ولو انصرفت الهمم لموضوعات حيوية آنذاك، لكان لنا شأن عظيم في التقدم الحضاري.
مع نشوء الدولة السعودية الحديثة وتشكل نظام التعليم، كانت الفلسفة غائبة وربما غير مفكر فيها. فقد واجه التربويون وقتذاك معارضة شرسة من الفقهاء فيما يتعلق بتدريس مواد كالجغرافيا والإنجليزي، فما بالك بالفلسفة والمنطق وقد ارتبط في أذهانهم بعبارات منفرة، مثل: «من تمنطق فقد تزندق»، و:«نهاية إقدام العقول عقال - وغاية سعي العالمين ضلال»، وغيرهما من عبارات كانت كفيلة بالقضاء على إمكانية تدريس الفلسفة.
في الآونة الأخيرة، بدأت ثنائية الصراع تزول، وتشكل وعي جيد حول هذا الموضوع، ولكن بقيت فئة من المحافظين - الذين يريدون احتكار الوعي الشعبي؛ سواء أكانوا من الحافظين في الشريعة أم في الأدب - رافضين للفلسفة ومتابعين في ذلك سيرة الأوائل الذين انتقدهم الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي في رسالته قائلاً إنهم: «يذبون عن كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين».
> أنت من مؤسسي «حلقة الرياض الفلسفية»... ما أبرز مخرجاتها؟
- «حلقة الرياض الفلسفية» نشأت عام 2008، وقبلها كانت موجودة، ولكن بشكل غير رسمي، إن صح التعبير. وكان هدف الحلقة تعريف القارئ السعودي بالفكر الفلسفي وحفزه على ممارسة التفلسف. في البدايات، كان الإقبال قليلاً، وكانت المشاركات نادرة. ولكن مع مرور الوقت بدأ الحضور يزداد ويتفاعل. وأعتقد أن أهم مخرجات الحلقة هو الدور الكبير الذي قامت به في نشر الفلسفة واجتذاب القراء إلى الكتاب الفلسفي الذي صار اليوم ينافس الكتب الأخرى. وشاعت بين الكتاب أنفسهم رغبة في اجتراح الكتابة الفلسفية بعد أن كانت كتاباتهم متمحورة حول موضوعات أدبية واجتماعية. وقد قامت الحلقة، ضمن هدف ممارسة التفلسف، بفتح الباب للشباب والشابات واستقطبتهم لإلقاء المحاضرات وكتابة الدراسات الفلسفية. وقد نشرت كتابات المشاركين في فعاليات الحلقة في كتابين: «أوراق فلسفية – ج1» و«ج2».
ومن حيث الإنتاج الفردي، فقد قمت شخصياً بتأليف 3 كتب وترجمة كتاب، وكانت الحلقة الفضاء الذي ولدت فيه هذه الكتب (الكتاب المترجم جاهز للنشر). وقام حمد الراشد أيضاً بإنتاج كتب فلسفية، وترجم عبد الله المطيري كتاباً فلسفياً سيظهر قريباً، إضافة إلى كتابه الفلسفي المحض الذي سيرى النور عمّا قريب، وقد قرأته كاملاً، وهو أول نص فلسفي أصيل أقرأه لكاتب سعودي وعربي. وأخيراً يمكن الإشارة إلى دور «الحلقة» في إشعال جذوة التنافس المحمود، فقد ظهرت أنشطة فلسفية مشابهة في نجران وحائل وجدة والمدينة كما أشرنا سابقاً. والآن نحن بصدد العمل على ظهور أول مجلة فلسفية سعودية، وستكون تعبيراً عن هذا النشاط الحيوي والمتدفق الذي نشهده منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
> كثيراً ما تنادي بإدخال الفلسفة في مؤسسات التعليم... ما رؤيتك حول ذلك؟
- مما يؤسف له أن بلادنا، التي وصلت الآن إلى مكانة رفيعة جداً ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل وعلى المستوى العالمي، لا تزال جامعاتها خالية من الدرس الفلسفي والمنطقي. وكل ما نأمل تحققه هو أن تنشأ أقسام فلسفية في الكليات، وأن تُدرّس مادة فلسفية ومنطقية في التعليم العام. وقد أظهرت دراسات تربوية كثيرة أن تدريس الفلسفة للطلاب منذ المراحل الأساسية (الابتدائية) أسهم كثيراً في زيادة الحصيلة المعرفية والنقدية لديهم ورفع مستواهم التعليمي. فالفلسفة تمد الطلاب بالطرق الصحيحة لطرح الأسئلة والوسائل الملائمة للإجابة عنها.
وأبرز مهارة يمكن تقديمها، عدا المهارات النقدية والتحليلية والإبداعية، هي المهارات «الما - فوق» إدراكية. وهي مهارات نافعة جداً وتجعل الطالب واعياً بنفسه وهو يفكر. فالوعي الذاتي هو أساس النضج العقلي. أكرر... إنه لمن المؤسف أن جامعاتنا هي الوحيدة في العالم التي لا توجد بها أقسام فلسفة. ورغم أن الفلسفة ليست عصا سحرية لحل المشكلات التربوية والاجتماعية، إلا إنها شرط ضروري لا بد منه.
> كيف ترى الحراك الثقافي السعودي خلال الآونة الأخيرة؟
- الحراك الثقافي في السعودية يسير – في رأيي - نحو الأفضل. كانت الثقافة السعودية قديماً مقتصرة على العلوم الأدبية والشرعية. ومع حركة الحداثة التي رادها الدكتور عبد الله الغذامي ورفاقه تغيرت وجهة البوصلة نحو مزيد من الانفتاح على الفكر العقلي، ممثلاً في النظريات البنيوية والتفكيكية والتأويلية والثقافية. ومنذ مطلع القرن الجديد الذي شهد اتساع استعمال التقنية والإنترنت بدأت الأفكار الجديدة تظهر في أفق الثقافة. وبرزت تيارات علمانية وليبرالية ونسوية تحاول إصلاح وتعويض ما فات من خسائر فكرية كبيرة بسبب الانغلاق والإغلاق. وكان ظهور الكتاب الفلسفي مرافقاً لهذه الثورة الفكرية التي كانت التقنية التواصلية (المنتديات، والمدونات، ووسائل التواصل الاجتماعي) هي الحافز الأساسي لها.
الحراك الثقافي الآن تتقاسمه 3 اتجاهات: الفكر التنويري، والفكر النسوي، والفكر الشعبي. والأخير أقصد به تلك الاتجاهات التي يذيعها مشاهير السوشيال ميديا، وهو فكر يغلب عليه الطابع العملي، مثل تطوير الذات وتقدير البيئة ومناقشة قضايا يومية كالتنمر وعدم احترام النظام. ولكنه يبقى فكراً هشاً؛ لأنه لم يتأسس على قاعدة فلسفية صحيحة. من ثم؛ فهو ينزلق كثيراً في التفاهة. ومن هنا؛ فلا نعدم وجود بعض مشاهير السوشيال ميديا الذين جعلوا الشهرة هي الغاية من أنشطتهم. أما الفكر المحافظ؛ فهو لا يزال موجوداً، ولكن بعض رموزه بدأوا يعون أننا في مرحلة انتقالية جذرية وأن تطوير وتعديل الفكر الديني والاجتماعي أصبح ضرورة ملحة.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».