يعقوب صنوع... رائد المسرح المصري

يعقوب صنوع... رائد المسرح المصري

نجوى عانوس تبحث في عالمه الفكري وروافده الشعبية والغربية
الاثنين - 3 صفر 1442 هـ - 21 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15273]

صدر حديثاً في طبعة خاصة عن هيئة قصور الثقافة المصرية كتاب «يعقوب صنوع رائد المسرح المصري ومسرحياته المجهولة». وفيه تسعى د. نجوى عانوس إلى تقديم قراءة جديدة في مسرح صنوع الذي أطلق عليه الخديو إسماعيل «موليير مصر»، مستخدمةً المنهج الإبستمولوجي، من أجل دراسة عالمه الفني وملامحه، وكذلك النقود التي دارت حول مسرحه، سواء كانت معه أو ضده، وقد استعانت في إنجاز ذلك بالدوريات التي صدرت بين عامي «1870 - 1872» وهي «وادي النيل، والجوائب، وإيجيبت». وقامت الباحثة بعدة رحلات من أجل اقتفاء أثر صنوع وأعماله، كانت الأولى إلى باريس عام 1977، وهناك التقت حفيدة صنوع وحصلت منها على مذكراته، التي كتبها باللغة الفرنسية، وكانت تحت عنوان «حياتي شعراً ومسرحي نثراً». وفي المرة الثانية اتجهت عانوس إلى بيروت للقاء المؤرخ المسرحي محمد يوسف نجم من أجل الوقوف على الكثير من أسرار صنوع ومسرحه، أما الثالثة فكانت إلى تركيا لزيارة مكتبة أتاتورك بتكسيم، وحصلت من هناك على صحيفة «الجوائب» التي أنشأها أحمد فارس الشدياق والتي دحضت عانوس من خلال ما نُشر المغالطات والمزاعم التي أُثيرت حول مسرحه وأنكرت ريادته.
قسمت عانوس الكتاب إلى قسمين. اهتمت في الأول بدراسة مكونات عالم صنوع الفكري وأثره في مؤلفاته، مؤكدةً دوره في تأسيس المسرح المصري، وأنه كان رائداً من رواد التنوير، فقد كتب جنساً أدبياً جديداً لم يعرفه الفن المسرحي من قبل هو «المسرحيات الصحافية المصورة» التي سماها «اللعبات التياترية»، ونشرها في صحيفته «أبو نضارة»، ورسم من خلالها تاريخ مصر بصور ساخرة كاريكاتورية قسمها إلى ثلاثة أنواع: الأول «المسرحيات الصحافية»، أما الثاني فظهر في صورة «دراما صحافية»، والثالث «محاورات ونوادر كتبها أولاد مصر». والأخيرة حوّلها إلى مسرحيات عن طريق استنطاق الصور، التي تصور رؤيته الإخراجية، متأثراً بالتراث الشعبي المصري، وثقافته الغربية، والدينية، وهو ما بدا واضحاً في الدراما الصحافية «القرداتي»، و«حكم قراقوش»، و«الولد المِرق وأبو شادوف الحِدق».
وأشارت الباحثة إلى أن صنوع دافع في مسرحياته عن المصريين ودعا لأن يسود العدل بينهم، وسخر من فساد القصر، ورجالات زمانه، وأخذ على عاتقه فضح مظاهر التخلف، ومقاومة الظلم، واختتم معظم مسرحياته بنهايات ثورية، تمثلت في رفض ممارسات الحاكم المتعسفة ضد الناس، وقد أدى ذلك إلى إغلاق مسرحه. وقد ذكر هو نفسه أن من أسباب الإغلاق مناداته بالحرية والعدالة في مسرحية «الوطن والحرية»، ودعوته في بعض الروايات إلى «أنه لا ينبغي على حضرات ذوات مصر أن يعاملوا الفلاحين بقسوة، وأن يسعوا في حرية وتقدم المصريين». وأيضاً كتب في مسرحيته «موليير» عن مصر وما تقاسيه.
ولفتت عانوس إلى ما جاء في مجلة «أبو نظارة» التي كان يقوم بتحريرها يعقوب صنوع، وما كتبه هو نفسه من أن علي مبارك هو الذي سعى وراء قرار الإغلاق بسبب الغيرة منه، حيث قال في العدد الأول في عام 1880 «فلما أنشأت التياترو العربي، الناظر المكَّار علي باشا مبارك، مني غار، خصوصاً عندما أمره أفندينا يزيدني المهية، حالاً أمر برفتي من المدارس الملكية».
وأشارت الباحثة إلى أن صنوع كان يعكس في مسرحياته الصحافية المصورة تصوراته للشخصية الجشعة، المتظاهرة بالبراءة من أجل عقد الصفقات على حساب الشعب، وذلك ما يمكن الخروج به من مسرحية «سلطان الكنوز»، التي يشير فيها إلى الهيمنة والسلطة والثراء الفاحش. أما المكان في المسرحية فقد أعطى له صنوع اسماً وهمياً، وهو مدينة «زيراب» في بلاد الغرب، وقد أعطى شخصياته أسماء رمزية؛ فرشيد، سلطان الكنوز، هو روتشيلد أو أحد أبناء عائلته، وهي عائلة ألمانية ثرية جداً، كانت تقرض الدول بالأموال بهدف الهيمنة عليها، وعلى سياساتها وقراراتها، أما «خازندار الدولة» فأعطاه اسم فانوس، لأنه يضئ لروتشيلد الطريق ويساعده في التخطيط لصفقاته، ووضع شروط كل منها، أما الخديو إسماعيل فيطلق عليه اسم فرعون، وهو اسم يحمل دلالة قاسية في ذاكرة عامة المصريين. وكان من نصيب ولسن ناظر المالية الإنجليزي، الكثير من السخرية، إذ أطلق عليه اسم الثرثار، الذي لا يجيد إلا الكلام. أما عن الإخراج والملابس والديكور فكانت معبّرة عن ذلك الثراء وتلك الهيمنة، حيث يظهر رشيد داخل قصر فخيم ويجلس على كرسي مذهب، فوقه صورة الدرع الأحمر الذي يرمز لعائلة روتشيلد.
وفي هذه المسرحية يتضح تأثر صنوع بمسرحية «البخيل» للكاتب المسرحي الفرنسي موليير، وقد استفاد منها صنوع في صياغة مشهد مناجاة فانوس للمال، وحديثه عن عشقه للذهب.
ولم تتوقف الباحثة بتحليلاتها عند مسرحية «سلطان الكنوز»، بل تجاوزتها إلى مسرحيات كثيرة منها «عصبة الأنجال على الوزير الدجال»، و«الجهادي» و«ستي وحيدة أم نضارة بيضا» ولعبة «يلا بينا على السودان».
وفي الختام أوردت عانوس نصوصاً قامت بتحقيقها لثلاثين نصاً مسرحياً من أعمال يعقوب صنوع، وضعتها في قسم خاص، احتل الجزء الأكبر من الكتاب وجاء تحت عنوان «مسرحيات مجهولة لجيمس سانووا» وهو الاسم الذي اشتهر به بين أصدقائه.


مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة