السوريون في أعياد الميلاد ورأس السنة.. محاولات يائسة للفرح

النظام يهدي أسر شهدائه مأكولات شرقية.. والشراء يقتصر على من أثرى من الحرب

سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)
سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)
TT

السوريون في أعياد الميلاد ورأس السنة.. محاولات يائسة للفرح

سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)
سرير مصنوع وشجرة عيد الميلاد صنعا من الأنقاض على دوار في حي الحميدية بمدينة حمص (أ.ف.ب)

بعد 4 سنوات من الموت والدمار والانفلات الأمني والأزمات الاقتصادية الخانقة، ينظر السوريون إلى أعياد الميلاد ورأس السنة بكثير من الحزن بعد أن فقدوا الأمل في أن يكون العام الجديد المقبل أفضل من الأعوام الـ4 التي سبقته.
واقتصرت الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد على الصلوات في الكنائس وأماكن العبادة «نظرا لما يمر به الوطن من أحداث وإكراما لشهداء سوريا الأبرار الذين رووا ثراها الطاهر بدمائهم الزكية»، بحسب وكالة «سانا» الرسمية.
ومع ذلك فهناك من قرر أن يعيش طقوس العيد بالحد الأدنى «كي لا ينسى أطفالنا معنى الفرح»، بحسب تعبير فادي خ. الطالب الجامعي (20 عاما) الذي ينشط ضمن جمعية شبابية تابعة لإحدى الكنائس في حي القصاع ذي الأغلبية المسيحية، ويقول فادي خ: «فقدنا الكثير من الأحباء خلال الأعوام الـ4 الماضية، وفقدنا أيضا الشعور بالفرح، وبات الاحتفال بالعيد من الذكريات، لكن ما ذنب الأطفال الذين وُلدوا قبيل أو أثناء الحرب؟»، ويشير إلى أن هذا السؤال راوده ورفاقه وقرروا أن يقوموا خلال العيد بارتداء ملابس بابا نويل والتجول في الشوارع، لتوزيع هدايا رمزية على الأطفال.
أما ر.ن. صاحبة محل هدايا بالقصاع، التي زينت واجهة محلها بألعاب العيد، فترى أن العيد يمر حزينا، والزينة التي وضعتها في محلها ليست ابتهاجا بالعيد بقدر ما هي وسيلة للترويج والبيع، لأن السوق تشهد ركودا كبيرا، وتقول: «أرباح المحل شهريا لا تغطي حتى أجرة المحل البالغة 400 دولار تقريبا». وتتابع بقولها: «ننتهز المناسبات لكي نشجع الناس على الشراء، لكن ذلك يتم بصعوبة ويكاد يقتصر على الذين أثروا من الحرب، فالأب الذي كان يشتري هدايا لكل أبنائه بات يكتفي بشراء بعض الشوكولاته، أو السكاكر، فاللعبة التي كان سعرها 200 ليرة سوريا، أي تقريبا 4 دولارات قبل 4 سنوات، يتجاوز سعرها الألف ليرة الآن».
وسجلت الليرة السورية في الشهر الأخير من العام الحالي تراجعا أمام الدولار بعد أن شهدت استقرارا نسبيا خلال الشهور الماضية، ووصل سعر الدولار إلى 210 ليرات في دمشق، بينما وصل في مدن سورية أخرى إلى 218 ليرة، الأمر الذي انعكس على الأسعار بشكل كبير، ويقول عماد ج. من سكان جرمانة جنوب شرقي العاصمة إنه لم يتمكن من شراء ملابس العيد لأطفاله الـ4. واكتفت زوجته بحياكة كنزات صوف بالسنارة كي لا يحرموا أطفالهم بهجة الملابس الجديدة، أما الشجرة فقد تخلى منذ عدة سنوات عن تقليد شراء زينة جديدة، وقد قاموا بتزيين الشجرة القديمة وإضاءتها بالبطارية نظرا لانقطاع الكهرباء بشكل شبه دائم.
ويقول: «منذ عامين لم نزين الشجرة، وقد زيناها هذا العام بالأضواء، فقط من أجل بث التفاؤل، لأن التفاؤل هو ما تحتاجه سوريا اليوم لتجاوز المحنة التي تعيشها».
وبينما تشعر الغالبية العظمى من السوريين، لا سيما المسيحيين، بالأسف من الحال التي وصلت إليها البلاد، يسعى البعض للتغلب على تلك المشاعر بالإصرار على اجتراح الابتهاج بالعيد وتقول ليليان.ع: «نريد أن نعيش العيد اليوم، لأننا لا نعرف إن كنا سنكون أحياء العيد المقبل، فالجميع يموت هنا».
وليليان خطيبة شاب متطوع في جيش الدفاع الوطني وتخطط مع خطيبها لحضور حفلة رأس السنة في «الاب تاون»، الذي افتتح العام الحالي، في مشروع دمر، غرب العاصمة.
وتتراوح أسعار حفلات الميلاد ورأس السنة في سوريا هذا العام بين الـ10 آلاف (50 - 100 دولار) والـ20 ألف ليرة، ويحيي الحفلات مطربون محليون، بينما يغيب نجوم الغناء السوري، بعد أن غادر غالبيتهم البلاد، حيث يحيون حفلاتهم في الخارج، لا سيما لبنان والإمارات والأردن والمغرب.
وتجهد حكومة النظام السوري في تشجيع الاحتفالات بالعيد تحت يافطة «تشجيع السياحة»، للإيحاء بأن النظام لا يزال قويا، وقد جرى الاحتفال بإضاءة شجرة الميلاد في فندق «داما روز» المستثمر من قبل رجال أعمال مقربين من النظام بالشراكة مع وزارة السياحة، بحضور وزير السياحة بشر يازجي، وبطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، والسفير البابوي في دمشق المطران ماريو زيناري والمطران لوقا الخوري النائب البطريركي العام لطائفة الروم الأرثوذكس، وعدد من رجال الدين المسيحي. وتم خلال الحفل «توقيع أطول رسالة وفاء للوطن».
واعتبر وزير السياحة بشر يازجي إضاءة الشجرة تأكيد على «تمسك السوريين بالسلام والمحبة فيما بينهم ونشر رسالة السلام».
وبعد يومين، أقامت وزارة السياحة معرضا للمأكولات الشرقية بمشاركة عدد من الفنادق والمطاعم الدمشقية بفندق «(داماروز) ضمن إطار الترويج للمطبخ السوري ودوره السياحي»، بحسب تعبير وكالة الأنباء الرسمية (سانا).
وقال وزير السياحة بشر يازجي: «المعرض سيقدم المأكولات للأسر المحتاجة وأسر الشهداء وفق جدول زمني تم إعداده مسبقا، وهو نوع من التشاركية بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص الذي أسهم بتطوير أصناف الأطعمة السورية».
ومن جانبها، بينت مي الصلح مديرة سياحة دمشق أن «المعرض سيقدم سلالا غذائية لأسر جرحى وشهداء الجيش العربي السوري، إضافة إلى الأسر المقيمة في مراكز الإقامة المؤقتة». أما في حمص، فوحدها شجرة الميلاد تكسر بقماشها الأخضر وزينتها الحمراء رتابة اللون الرمادي الطاغي على الواجهات المدمرة للأبنية المحيطة بها في حي الحميدية في حمص، الذي يحتفل للمرة الأولى منذ 3 سنوات بعيد الميلاد، بعد عودة بعض سكانه إليه.
وعلى مقربة من الشجرة التي تتوسط ساحة الملجا في هذا الحي الذي تسكنه غالبية مسيحية، أقيمت مغارة صنعت من ركام المنازل التي دمرتها الحرب الشرسة بين قوات النظام والمعارضة المسلحة، تتوسطها تماثيل لرموز مغارة الميلاد.
وامتدت زينة الميلاد في الحي الواقع في حمص القديمة لتشمل أبواب المنازل وشرفاتها، حيث قام بعض سكان هذه المنازل بتعليق الأشرطة البيضاء المضاءة، بينما قام آخرون بطلاء الجدران بألوان زاهية، ورسموا عليها الزهور.
وقالت رلى الصوفي العائدة إلى حيها أخيرا لوكالة الصحافة الفرنسية: «عندما دخلنا الحارة، كان السواد يعم المكان. نحاول اليوم أن نجعله مفعما بالألوان».
ويحمل كل مبنى في حي الحميدية أحد قطاعات حمص القديمة، آثار الحرب من ثقوب رصاصات إلى فجوات كبيرة نجمت عن قذائف كانت تسقط كل يوم تقريبا على مدى نحو عامين.
وعاد آلاف السوريين في مطلع مايو (أيار) لتفقد منازلهم التي وجدوها مدمرة في حمص القديمة، بعد أن دخلها الجيش السوري للمرة الأولى منذ أكثر من سنتين بعد خروج آخر مقاتلي المعارضة بموجب اتفاق غير مسبوق بين الطرفين.
وشهدت حمص، ثالث كبرى مدن سوريا وعاصمة الحركة الاحتجاجية فيها، حركة نزوح كبيرة شملت نحو ثلثي سكانها منذ بدء النزاع الدامي في منتصف مارس (آذار) 2011.



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.