مخترع {مكعب روبيك} لا يزال يتعلم منه

ألف كتاباً حول علاقته المستمرة بالاختراع الذي يحمل اسمه

إرنو روبيك مخترع المكعب السحري مع الفائزين ببطولة العالم عام 1982 (نيويورك تايمز)
إرنو روبيك مخترع المكعب السحري مع الفائزين ببطولة العالم عام 1982 (نيويورك تايمز)
TT

مخترع {مكعب روبيك} لا يزال يتعلم منه

إرنو روبيك مخترع المكعب السحري مع الفائزين ببطولة العالم عام 1982 (نيويورك تايمز)
إرنو روبيك مخترع المكعب السحري مع الفائزين ببطولة العالم عام 1982 (نيويورك تايمز)

كان البروفسور الهنغاري المتواضع الدكتور إرنو روبيك هو أول من اخترع هذه اللعبة. ولم يكن – عندما اخترع هذا المكعب للمرة الأولى في عام 1974 – متأكدا من إمكانية حله على الإطلاق. وقدر علماء الرياضيات في وقت لاحق أن هناك (43.252.003.274.489.856.000) طريقة لترتيب مربعات المكعب التسعة، غير أن مجموعة واحدة فقط من هذه المجموعات صحيحة.
وعندما تمكن البروفسور روبيك من حل المكعب في نهاية المطاف بعد أسابيع من المحاولات الفاشلة المتكررة، غلب عليه شعور كبير بالنجاح والإنجاز والارتياح المطلق. وبالنظر إلى الوراء، أدرك أن الجيل الجديد من اللاعبين فائقي السرعة – حيث حقق اللاعب الصيني يوشينغ دو الرقم القياسي العالمي البالغ 3.47 ثانية في عام 2018 – قد لا يثيرون القدر الكافي من الإعجاب.
وقال البروفسور روبيك في كتابه الذي يحمل عنوان «المكعب»: «لكن تذكروا جيدا أن هذا الأمر لم يسبق حدوثه من قبل».
وفي خلال العقود الخمسة الماضية منذ ذلك الحين، تحول مكعب روبيك إلى أحد أكثر الألغاز المستديمة، والمحيرة، والمثيرة للذهول، والمستهلكة للأوقات التي تم اختراعها على الإطلاق. ولقد جرى بيع أكثر من 350 مليون مكعب منها على مستوى العالم، وإن اعتمدنا النسخ المقلدة غير الأصلية منها، فإن الرقم الحقيقي للمبيعات سوف يكون أكبر من ذلك بكثير. ولقد لفت هذا المكعب انتباه محترفي البرمجيات الحاسوبية، والفلاسفة، والفنانين. ونُشرت مئات الكتب المعنية بالمكعب، والاستراتيجيات الواعدة بالحل السريع، فضلا عن تحليل مبادئ تصميم المكعب، أو استكشاف المغزى الفلسفي من وراء اختراع المكعب في المقام الأول.
يقول العالم المعرفي دوغلاس هوفستاتر في عام 1981 حول الأمر: «لقد جاء مكعب روبيك ليجسد واقعا هو أكبر بكثير من مجرد لغز. بل إنه اختراع ميكانيكي فائق البراعة، وهواية لطيفة، وأداة تعليمية ممتازة، ومصدر للمعاني المجازية، ونبع للإلهام».
بيد أنه رغم غزو مكعب روبيك للعالم بأسره، ظل البروفسور الذي اخترعه – الكاره جدا للدعاية والإعلام – يشكل لغزا محيرا في حد ذاته. ويمثل كتاب «المكعب» – الذي سوف يصدر خلال الأسبوع الجاري – جزءا من مذكراته، وجزءا من أطروحته الفكرية، وجزءا آخر هو أكبر عبارة عن قصة حب حول علاقته المستمرة غير المنقطعة بذلك الاختراع الذي يحمل اسمه، فضلا عن المجتمع العالمي لعشاق المكعب.
قال البروفسور روبيك – في مقابلة شخصية أجريت عبر الإنترنت من منزله في العاصمة بودابست: «لا أرغب في كتابة سيرتي الذاتية، نظرا لأنني لست مهتما بطرح حياتي للنقاش أو المشاركة بتفاصيلها مع الآخرين. لكن السبب الرئيسي من وراء ذلك هو محاولة فهم ما
حدث ولماذا حدث. بمعنى، ما هي الطبيعة الحقيقية للمكعب؟».
يعتبر البروفسور إرنو روبيك – البالغ من العمر 76 عاما – شخصية مليئة بالنشاط والحيوية، من إيماءاته بنظارته الطبية، ووثباته الخفيفة على الأريكة، وتمريرة يديه عبر خصلات شعره الرمادية التي تضفي على شخصيته مظهر طائر عجوز مفعم بالذهول. وهو يتحدث بطريقة أكاديمية رصينة مقدما إجابات مطولة، ومفصلة، وفلسفية تلك التي تنتهي في أغلب الأحيان بعبارة متكررة: «وهكذا دواليك – أو – وما شابه ذلك»، سيما عندما يقترب الحوار من نقطة النهاية. كان البروفسور جالسا في غرفة معيشته، في المنزل الذي صممه بنفسه، قبالة مكتبة منزلية عامرة بكتب ومؤلفات الخيال العلمي المتنوعة – ومن أبرز المصنفات المفضلة لديه أعمال المؤلف الأميركي الراحل إسحاق عظيموف والمؤلف البولندي الراحل ستانيسلاف ليم.
كان البروفسور روبيك يتحدث عن المكعب كما لو كان يتحدث عن طفله المدلل، إذ قال: «إنني وثيق الصلة للغاية بهذا المكعب. كما لو أنه يكبر وينمو أمام عيني، ولقد بلغ الآن منتصف العمر، لذلك فأنا أعرف عنه الكثير»، ثم أمسك بمكعب من طاولة القهوة التي بجواره، وظل يعبث به بين يديه في حالة شرود للذهن عجيبة للغاية أثناء مواصلته الحديث إلينا عبر الإنترنت.
وقال إن إدراكه لهذا المكعب المخترع قد تطور كثيرا سيما مع متابعته لتأليف كتاب حوله. وأضاف قائلا: «على سبيل إدراك طبيعة المكعب، تغيرت طريقة تفكيري كثيرا. ولم تكن طبيعة المكعب ذاته هي المثيرة لاهتمامي بقدر فهمي لطبيعة الناس الذين يتعاملون معه، والعلاقة التي تربط بينهم وبين المكعب».
تعد قراءة كتاب «المكعب» من التجارب الغريبة، والمربكة، والمثيرة للحيرة، وهي تماثل الإمساك بأحد تلك المكعبات ومحاولة حله. ويفتقر الكتاب نفسه إلى ما يميز أغلب الكتب الأخرى من البنية أو المسار السردي الواضح – فيما يعد أثرا مقصودا في حد ذاته وفقا للبروفسور مؤلف الكتاب. ومنذ بداية تأليفه للكتاب لم يكن البروفسور يرغب في أن يقسمه إلى فصول متتابعة أو حتى يعنونه باسم يميزه!
يقول البروفسور روبيك: «كانت لدي العديد من الأفكار، ورأيت أن أشارك الآخرين في مزيج من تلك الأفكار التي تتناثر في مخيلتي وأن أترك الأمر برمته للقارئ كي يقرر أيا منها يكون مستحقا لقيمتها الحقيقية. إنني لا أمسك بيد القارئ لأدله على الطريق. إذ يمكنه أن يبدأ من النهاية، أو من المنتصف، أو ربما من البداية».
ولد البروفسور إرنو روبيك في 13 يوليو (تموز) من عام 1944، بعد مرور حوالي شهر على يوم الإنزال البري الحاسم لقوات الحلفاء على شواطئ نورماندي الفرنسية. وكان مولده داخل قبو أحد المستشفيات في العاصمة بودابست والذي تحول إلى ملجأ لحماية الناس من الغارات الجوية. وكان والده مهندسا يعمل على تصميم الطائرات الشراعية.
كان الصبي الصغير إرنو روبيك عاشقا للرسم، والتلوين، والنحت. ثم درس في شبابه الهندسة المعمارية في جامعة بودابست للتكنولوجيا، ثم تابع دراساته اللاحقة في كلية الفنون التطبيقية. وصار مهندسا مولعا بالأنماط الهندسية المختلفة. وبعد أن صار أستاذا في تخصصه كان يشرف على فصل دراسي في الهندسة الوصفية، والذي يدور حول تعليم الطلاب كيفية استخدام الصور ثنائية الأبعاد في توصيف الأشكال والأجسام وحل المشكلات ثلاثية الأبعاد. ولقد كان مجالا من المجالات الهندسية الموصوفة بالغرابة والغموض، غير أنه كان السبب الرئيسي في تأهيل البروفسور روبيك لاختراع مكعبه العجيب.
وفي ربيع عام 1974، عندما كان يبلغ 29 عاما من عمره، كان السيد روبيك قابعا في غرفة نومه في منزل والدته، يواصل العمل. وهو يصف غرفة نومه بأنها تشبه غرف الأطفال مع تناثر أقلام التلوين، والخيوط، والعصي، والنوابض، وقصاصات الورق الموزعة في كل مكان. كما كانت الغرفة مليئة بالعديد من المكعبات التي صنعها من الورق أو من الخشب.
وفي يوم من الأيام – لا يتذكر البروفسور تاريخه على وجه التحديد كما يقول – حاول أن يجمع ثمانية مكعبات مصغرة حتى تتمكن من الالتصاق ببعضها البعض مع إمكانية التحرك في نفس الوقت لتبادل المواضع. وصنع ذلك المكعب الأولي من الخشب ثم صنع ثقبا في زوايا المكعبات الصغيرة محاولا ربطها ببعضها البعض، ولكن سرعان ما انهار المكون الأولي للمكعب الخشبي الصغير.
وبعد العديد من المحاولات التالية، اكتشف البروفسور روبيك التصميم المتفرد الذي أتاح له تكوين جسم متناقض: عبارة عن جسم صلب وثابت وقابل للتحرك في نفس الوقت. وبعد تجربة أولية أجراها على المكعب الجديد، قرر أن يمنحه بعض الألوان للتمييز ولكي يسهل متابعة حركة المربعات المصغرة. ثم قام بتحريك المربعات مرة تلو المرة، وفي اتجاه بعد اتجاه، وواصل التحريك والالتواء حتى أدرك أخيرا أنه قد لا يكون قادرا أبدا على إعادة المربعات الملونة إلى حالتها الأصلية الأولى.
وفقد البروفسور بوصلته في تلك المتاهة الملونة، ولم تكن لديه أدنى فكرة عن كيفية الانتقال فيما بينها، وقال: «ليست هناك من وسيلة للعودة إلى الوضع الأصلي للمكعب».
وقدم البروفسور روبيك – بعد نجاحه في حل المكعب – طلبا إلى مكتب براءات الاختراع في هنغاريا بهدف الحصول على براءة اختراع «لعبة منطقية ثلاثية الأبعاد». ثم قامت شركة هنغارية تعمل في صناعة لوحات وقطع الشطرنج والألعاب البلاستيكية بصناعة 5 آلاف نسخة من ذلك المكعب. وفي عام 1977 ظهر على الملأ «مكعب روبيك السحري». وبعد مرور عامين جرى بيع 300 ألف مكعب منها في هنغاريا وحدها.
بعد ذلك، حصل البروفسور روبيك على عقد من شركة «أيديال توي» الأميركية لصناعة الألعاب بشأن رغبتها في بيع مليون مكعب في الخارج. وفي عام 1980. استضافت شركة «أيديال توي» البروفسور روبيك في معرض الألعاب المقام في مدينة نيويورك. ولم يكن البروفسور بارعا في مجال التسويق والمبيعات كما يبدو، فهو بروفسور الهندسة المعمارية الخجول للغاية مع إتقان متواضع للغة الإنجليزية في ذلك الوقت. غير أن الشركة الأميركية كانت في حاجة ماسة إلى صاحب براءة الاختراع لكي يوضح للناس أن المكعب اللغز قابل بالفعل للحل.
- خدمة «نيويورك تايمز»



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».