إيران تتجاهل الاحتجاجات الدولية بشأن إعدامها المصارع

أفراد الجالية الإيرانية في برلين يرفعون صورة المصارع نويد أفكاري احتجاجاً على إعدامه خلال مظاهرة أمام سفارة طهران مطلع الأسبوع الجاري (إ.ب.أ)
أفراد الجالية الإيرانية في برلين يرفعون صورة المصارع نويد أفكاري احتجاجاً على إعدامه خلال مظاهرة أمام سفارة طهران مطلع الأسبوع الجاري (إ.ب.أ)
TT

إيران تتجاهل الاحتجاجات الدولية بشأن إعدامها المصارع

أفراد الجالية الإيرانية في برلين يرفعون صورة المصارع نويد أفكاري احتجاجاً على إعدامه خلال مظاهرة أمام سفارة طهران مطلع الأسبوع الجاري (إ.ب.أ)
أفراد الجالية الإيرانية في برلين يرفعون صورة المصارع نويد أفكاري احتجاجاً على إعدامه خلال مظاهرة أمام سفارة طهران مطلع الأسبوع الجاري (إ.ب.أ)

أظهرت إيران مؤشرات على تجاهلها الاحتجاجات الدولية المتزايدة، جراء استخدامها عقوبة الإعدام بحق أشخاص اعتُقلوا خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة، عبر تنفيذ العقوبة بسرعة غير عادية بحق مصارع حظيت قضيته باهتمام دولي، على ما أفاد نشطاء.
وأعدمت طهران نويد أفكاري (27 عاماً)، المصارع الذي حاز بطولات وطنية، السبت، في سجن عادل أباد بمدينة شيراز في جنوب البلاد، بعد إدانته بقتل موظف حكومي على هامش «أعمال شغب» في صيف عام 2018، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد حض إيران على إنقاذ حياة أفكاري، بينما أصرت منظمات حقوقية دولية على ضرورة التحقيق في التقارير التي أشارت إلى أنه تم تعذيبه لإجباره على الاعتراف، وأنه لا يوجد دليل قاطع على إدانته.
ولجأت وكالة الأنباء والتلفزيون «إيريب نيوز» لأسلوب لطالما تم التنديد به في الخارج، فبثَّت في 5 أغسطس (آب) ما وصفته بأنه اعتراف أفكاري؛ حيث ظهر وهو يعيد تمثيل الجريمة المفترضة.
لكن بعض الناشطين أعربوا عن غضبهم من أن القضاء الإيراني لم يأخذ في الحسبان اتهامات قدمها أفكاري نفسه في شكوى، بأنه تعرض للتعذيب حتى يعترف، بأساليب تشمل الضرب وعصر الكحول في أنفه.
ويأتي إعدام الشاب الرياضي بينما يخضع استخدام عقوبة الإعدام في إيران التي تزهق سنوياً أرواح أشخاص يفوق عددهم ذاك المسجل في أي بلد آخر باستثناء الصين، لمزيد من التدقيق، بعد أن خرجت احتجاجات مناهضة للحكومة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي.
وقال خمسة خبراء حقوقيين تابعين للأمم المتحدة في بيان الاثنين، إنه «أمر مزعج للغاية أن السلطات استخدمت عقوبة الإعدام على الأرجح ضد رياضي، كتحذير لسكانها في مناخ من الاضطرابات الاجتماعية المتزايدة».
ووصفت تارا سبهري فار، الباحثة الإيرانية في منظمة «هيومن رايتس ووتش» السرعة التي تم بها تنفيذ حكم الإعدام في حق أفكاري بأنها «غير عادية».
وحُكم على أفكاري بالإعدام في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وأيدت محكمة الاستئناف الحكم في أبريل (نيسان).
وقالت لوكالة الصحافة الفرنسية: «جزء على الأقل من النظام... يشعر بأن الاستجابة للتنديدات الدولية يعد تراجعاً، وقد يجعلهم أكثر عرضة للخطر».
وتابعت بأن «هناك أيضاً حركة متنامية مناهضة لعقوبة الإعدام داخل البلاد، ضد الأحكام الصادرة على صلة بالاحتجاجات».
وأضافت: «أعتقد أنهم قد يخشون من مسألة أنهم إذا لم يظهروا القوة فإنهم سيبدون ضعفاء».
وعلق القضاء في يوليو (تموز) إعدام ثلاثة شبان شاركوا في احتجاجات مناهضة للحكومة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، في مواجهة حملة غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن إيران مضت في أغسطس في إعدام مصطفى صالحي، المدان بقتل أحد أفراد قوات الأمن بالرصاص خلال احتجاجات 2017- 2018 في منطقة أصفهان (وسط).
وقالت منصورة ميلز، الباحثة في شؤون إيران في منظمة العفو الدولية، إن «المزاج العام بين الإيرانيين يتحول بعيداً عن عقوبة الإعدام»؛ بينما «ينظر العالم برعب» لاستخدام إيران المتزايد لعقوبة الإعدام ضد معارضي النظام.
وتابعت بأن «السلطات الإيرانية تستخدم عمليات الإعدام مثل تلك التي نفذتها بحق نويد أفكاري، كأداة للسيطرة السياسية والقمع، لبث الرعب بين العامة».
وقال نشطاء إن إيران لم تتجاهل شكوى التعذيب فحسب؛ بل سارعت أيضاً إلى تنفيذ الإعدام دون ترك فرصة للمصالحة مع عائلة الضحية.
وقال محمود أميري مقدم، مؤسس منظمة «حقوق إنسان إيران» غير الحكومية ومقرها أوسلو: «كانت السلطات تخشى أن يؤدي الانتظار لمدة أسبوع إضافي إلى جعل التكاليف السياسية لإعدامه باهظة الثمن»، واصفاً الإعدام بأنه «متسرع».
وأوضح أن «التفسير المحتمل» هو أن أفكاري كان في حالة سيئة بسبب التعذيب، لدرجة أنه تقرر شنقه لتجنب مزيد من الإحراج.
وأشار أميري مقدم إلى أنه تم دفن الرياضي الشاب على عجل في الليل.
وذكر خبراء الأمم المتحدة أن أسرة أفكاري كانت تسافر إلى شيراز على أمل المصالحة مع أسرة الضحية، وهو إجراء كان يمكن بموجب الشريعة الإسلامية أن يلغي حكم الإعدام.
وأضافوا أن هذه العناصر «تشير إلى أن هناك محاولة من قبل السلطات للإسراع بإعدامه».
وأعلن القضاء في مدينة شيراز في محافظة فارس في بيان نقله موقع «ميزان» الإخباري التابع للسلطة القضائية، أنه تم اتباع جميع الإجراءات القانونية المناسبة، ونفى تعرض أفكاري للتعذيب، وانتقد «المواد غير الصحيحة» المتداولة بشأن القضية.
وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن أفكاري دين «بالقتل العمد» لحسن تركمان، المسؤول في الهيئة العامة للمياه في شيراز، من خلال طعنه في الثاني من أغسطس 2018.
لكن نشطاء أشاروا إلى أنه بعد وفاته (تركمان) وصفه «ميزان» بأنه أحد أفراد قوات الأمن، مع صور تظهر جنازة حضرها عدد كبير من الناس.
وأظهر الاعتراف المفترض الذي بثته «إيريب» أفكاري وهو يصف الحادث، ثم يظهر كيف طعن تركمان في ظهره بسكين من قبل شخص، لعب دوره أفكاري، كان على متن دراجة نارية مرت من المكان.
وبحسب وثيقة نشرتها وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، تقدم أفكاري بشكوى إلى القضاء في 13 سبتمبر (أيلول) 2019 قال فيها إنه أُجبر على الإدلاء باعترافات كاذبة تحت التعذيب. وقال تسجيل صوتي نسبه مؤيدون لأفكاري انتشر على نطاق واسع بعد إعدامه: «لدي كل أنواع الوثائق التي تثبت براءتي».
وتابع: «إذا تم إعدامي فيجب أن يعرف الناس أنه في القرن الحادي والعشرين، لا تزال إيران تعدم الأبرياء».


مقالات ذات صلة

السعودية ترحِّب بإدانة مجلس حقوق الإنسان هجمات إيران

الخليج جانب من الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الأربعاء (الأمم المتحدة)

السعودية ترحِّب بإدانة مجلس حقوق الإنسان هجمات إيران

رحَّبت السعودية بتبني مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بالإجماع بشأن تداعيات الهجمات الإيرانية غير المبررة ضد دول الخليج والأردن على حقوق الإنسان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية وزيرا الدفاع البريطاني والتركي خلال توقيع اتفاقية الدعم اللوجيستي وصيانة وتشغيل مقاتلات يوروفايتر تايفون في لندن الأربعاء (وزارة الدفاع التركية - إكس)

بريطانيا وتركيا توقعان اتفاقاً مليارياً في مجال الدفاع الجوي

وقعت تركيا وبريطانيا اتفاقية دعم فني ولوجيستي تتعلق بصيانة وتشغيل طائرات «يوروفايتر تايفون» تسعى تركيا لاقتنائها لتعزيز قدرات سلاحها الجوي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم جانب من جلسة سابقة لمجلس حقوق الإنسان (أرشيفية-رويترز)

مجلس حقوق الإنسان يعقد اجتماعاً طارئاً لبحث قصف مدرسة في إيران

يعقد مجلس حقوق الإنسان اجتماعاً طارئاً جديداً، الجمعة، بشأن سلامة الأطفال في النزاع بالشرق الأوسط، وذلك على خلفية القصف الدامي الذي استهدف مدرسة في إيران.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)

مجلس حقوق الإنسان الأممي يدين هجمات إيران على الخليج ويطالبها بتعويضات

دان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الأربعاء، الهجمات الإيرانية على دول الخليج، واصفًا إياها بـ«الشنيعة»، وداعيًا طهران إلى الإسراع في تقديم تعويضات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)

جلسة عاجلة لـ«مجلس حقوق الإنسان» لبحث الهجمات الإيرانية على دول الخليج

يعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الأربعاء، جلسة عاجلة لبحث تداعيات الضربات الإيرانية التي استهدفت عدداً من دول الخليج.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

أوجلان يطالب تركيا بإطار قانوني لحل «الكردستاني»

شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)
شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)
TT

أوجلان يطالب تركيا بإطار قانوني لحل «الكردستاني»

شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)
شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)

طالب زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان بتحرك سريع من البرلمان لإقرار اللوائح القانونية المطلوبة في إطار عملية السلام التي تمر عبر حل الحزب ونزع أسلحته، وتمكينه من نقل آرائه حولها إلى الرأي العام.

وقال أوجلان إن المسار الذي نعيشه هو مسار انتقال إلى السلام مع الجمهورية الديمقراطية، مطالباً بصيغة تقوم على المجتمع والمواطنة تدير علاقة الأكراد بالدولة التركية على نحو إيجابي.

وأضاف: «كما ينبغي للدولة أيضاً أن تلحظ غياب الأنشطة المدمرة والتهديدات الأمنية، وعلى اللجنة البرلمانية، التي أنشئت للنظر في وضع حزب (العمال الكردستاني) وأعضائه (لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية) التوصل في أقرب وقت ممكن إلى إطار قانوني شامل لعملية السلام والمجتمع الديمقراطي».

أوجلان وغياب الديمقراطية

جاء ذلك في بيان أصدره وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد، المعروف بـ«وفد إيمرالي»، الثلاثاء، حول ما دار خلال لقائه أوجلان في محبسه بسجن إيمرالي في غرب تركيا، الجمعة الماضي، ونشره الحزب على حسابه في «إكس».

وحسب البيان، أكد أوجلان أن المجتمع الديمقراطي هو ضمانة لمستقبل جميع الشعوب والأديان التي تعيش في تركيا، وأن كل من يتعامل مع هذه العملية بمسؤولية سيربح ليس فقط الحاضر، بل المستقبل المشترك أيضاً.

ولفت إلى ندائه في 27 فبراير (شباط) 2025، الذي دعا فيه «العمال الكردستاني» إلى حل نفسه وإلقاء أسلحته والتحول إلى العمل السياسي في إطار ديمقراطي قانوني، قائلاً إن زمن النزاع المسلح قد ولّى، ولم يعد من الممكن العودة إلى الوراء.

وأكد أوجلان أن التطورات في الشرق الأوسط زادت من أهمية العملية الجارية في تركيا، مشيراً، بشكل خاص، إلى التطورات في إيران، التي قال إنها سلطت الضوء مجدداً على صواب المسار الذي اعتُمد في تركيا وأهمّيته.

وعدّ أوجلان أن مشكلتهم ليست مع الجمهورية (القومية)، بل مع غياب الديمقراطية، التي هي الحل الوحيد لتعزيز الجمهورية التي يجب أن تقوم على الهوية وحرية التعبير وحق التنظيم وتحرير المرأة، وأن هذه الحقوق لا تقتصر على الأكراد فحسب، بل تشمل المجتمع بأسره.

أكراد يرفعون صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 21 مارس الحالي مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب في إكس)

ولفت الانتباه إلى أهمية إيصال آرائه حول هذه العملية إلى الجمهور عبر الوسائل المناسبة، من أجل فهم أفكاره حول مسار عملية السلام كما ينبغي.

وانطلقت عملية السلام في تركيا بمبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، التي أطلقها رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، بتأييد من الرئيس رجب طيب إردوغان.

مطالبات بخطوات سريعة

وأكد بيان «وفد إيمرالي» أن العملية الجارية بلغت «مرحلة حاسمة»، وأن الحل يجب أن يُطرح على أساس التفاوض والإرادة الديمقراطية والمسؤولية التاريخية، وأنه يجب على البرلمان اتخاذ اللازم نحو إقرار إطار قانوني شامل للعملية دون تأخير على أساس التقرير الذي رفعته إليه «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» في 18 فبراير الماضي.

وانتقد البيان ما وصفه بـ«تقاعس» الحكومة عن اتخاذ أي خطوات ملموسة وعاجلة من أجل السلام والديمقراطية في إطار العملية، التي استمرت في البرلمان لأكثر من عام.

ودعا البيان المشترك إلى وقف العمليات القضائية ضد أحزاب المعارضة، وإزالة التهديد بإغلاق الأحزاب، وإلغاء ممارسة تعيين الأوصياء على البلديات، والالتزام بتنفيذ قرارات المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن الإفراج عن سياسيين معتقلين، في مقدمتهم الرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية»، صلاح الدين دميرطاش، وسن قوانين تهدف إلى تعزيز الديمقراطية.

الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تولاي حاتم أوغولاري (حساب الحزب في إكس)

ووجهت الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، تولاي حاتم أوغولاري، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب، الثلاثاء، انتقادات للحكومة، مؤكدة ضرورة إحراز تقدم في حل القضية الكردية من خلال اتخاذ خطوات تسهم في مستقبل 86 مليون نسمة (تعداد تركيا)، وفي تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

بدوره، أكد رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي أن الوقت حان لاتخاذ خطوات ملموسة من جانب البرلمان، سواء تعلق الأمر بقضية السجناء المرضى أو كبار السن من أعضاء حزب «العمال الكردستاني» أو غيرها من القضايا، وأنه يجب إقرار القوانين اللازمة من دون تأخير.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي (حساب الحزب في إكس)

وقال بهشلي، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، إنه عندما تُحل قضية «العمال الكردستاني»، سيشعر الجميع بالارتياح ليس فقط في المجال الأمني، بل أيضاً في طيف واسع من المجالات، من الاقتصاد إلى الدبلوماسية، ومن السلم الاجتماعي إلى قدرة الدولة.

وأضاف: «لقد أدت السياسة دورها، وحان الوقت الآن لاتخاذ خطوات ملموسة في البرلمان، الانتظار لا طائل منه، ومن المستحيل تحقيق أي تقدم من خلال سياسات الهوية والانقسامات الطائفية، ومن الضروري تجنب التصريحات التي تزيد من هشاشة العملية وتُسبب الألم».


حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
TT

حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011

اضطر طاقم شركة أميركية مسؤولة عن تشغيل طائرات «F-16» إلى مغادرة قاعدة جوية عراقية في ظروف حرجة، بعد هجمات شنتها فصائل موالية لإيران، ويتعين على السلطات في بغداد الآن البحث عن مشغلين جدد قبل أن تتحول أهم طائرة في سلاح الجو العراقي «مجرد خردة».

ويتضح أن هذه الفصائل تتوّج بهذه الهجمات سنوات من «محاولات الاختراق والتجسس» على التقنيات الأميركية التي اشتراها العراق قبل نحو 10 سنوات، وصولاً إلى ما يعرف بـ«سيناريو القيامة» للاستيلاء على الأصول العسكرية العراقية، وفق تعبير مصادر.

وحاولت الحكومة العراقية إقناع طاقم شركة «V2X» الأميركية بالبقاء في قاعدة «بلد» الجوية رغم الهجمات المتواترة عليها. وقال مسؤول عراقي بارز لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن الضربات لم تلحق أضراراً كبيرة في القاعدة، فإن موظفي الشركة أصرّوا على المغادرة حفاظاً على سلامتهم».

حسب متعاقد أجنبي ورجال أمن وموظفين، فإن قرار الإجلاء اتُّخذ بعد موجة عنيفة من المسيَّرات، وتم تنفيذه في ظل هدنة متفق عليها لتأمين «رحلة عالية المخاطر».

ومنذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، تعرضت قاعدة بلد الجوية، التي تغيّر اسمها إلى «الشهيد علي فليح»، إلى هجمات من ثلاث جهات، فشل أغلبها في إلحاق الضرر بالقاعدة، وفق المصادر.

وفي الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، نجحت الجماعات الموالية لإيران في إرغام شركة أميركية سابقة على مغادرة قاعدة بلد، في أعقاب الغارة الأميركية التي قتلت قائد «قوة القدس» قاسم سليماني بعد يناير (كانون الثاني) 2020.

تردد حينها أن العشرات من موظفي شركة «سالي بورت» خرجوا بعد هجمات مميتة على القاعدة، ويبدو أن السيناريو يتكرر مع شركة «V2X» في ولاية ترمب الثانية، لكن في سياق حرب إقليمية أوسع مفتوحة على احتمالات مجهولة.

جندي عراقي خلال عرض لطائرات عسكرية في قاعدة بلد الجوية أبريل 2024 (أ.ف.ب)

السيناريو الليبي في بلد

يعود أول هجوم على القاعدة الجوية إلى فجر 2 مارس (آذار) 2026، وكانت الحرب على إيران قد دخلت يومها الثالث. لاحقاً، أظهر تتبع للهجمات نمطاً في توقيتها بين منتصف الليل والساعات الأولى من الفجر، بعضها ينفذ بشكل مزدوج بطائرتين مسيَّرتين.

وأظهرت مقاطع فيديو وثَّقها سكان محليون تصاعد أعمدة الدخان من مقتربات القاعدة. وقال أحد المزارعين الذين يسكنون قرب القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «غالبية المسيَّرات تسقط في محيط القاعدة، أو داخلها، قرب السياج الأمني».

وقال مصدر أمني من داخل القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه خلال الشهر الأول من الحرب سُجلت نحو 10 هجمات، لم تسفر عن أضرار بشرية أو مادية. وأضاف: «لم تتعرض الطائرات إلى أضرار، بما فيها الـ(F-16)».

والقاعدة التي تقع في بلدة زراعية بين مدن بغداد وديالى وصلاح الدين، تمتد على نحو 28 كيلومتراً مربعاً. تحيطها أبراج مراقبة موزعة على سياج أمني بطول 20 كيلومتراً. وحسب المصدر الأمني، فإن «عناصر الأبراج كانوا في بعض الحالات يرون المسيَّرات تقترب من القاعدة بالعين المجردة».

ومع أن أنظمة الدفاع الجوي في القاعدة تمكنت من إحباط هجمات مسيَّرة، فإن ثلاثة موظفين مدنيين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنه من الصعب اختراق الملاجئ المحصنة للطائرات في حال تمكنت مسيَّرة من الوصول إليها. قال أحدهم: «هناك أكثر من 30 ملجأً محصناً تتوزع بينها (F-16) وطائرات أخرى».

إلا أن حصار الهجمات لم يكن يسمح لموظفي شركة «V2X» الأميركية بالقيام بأعمالهم اليومية المعتادة؛ إذ غيرت أصوات المسيَّرات جداول مهامهم.

ويقول متعاقد مدني مع الشركة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجمات كانت تنهال من ثلاث جهات. نضطر إلى البقاء داخل غرف محصنة ساعات طويلة. الموظفون الأجانب كانوا يتهامسون بتكرار سيناريو السفارة الأميركية في ليبيا عام 2012 (...) تبدأ هذه الحوادث برشقة صواريخ، ومن ثم اندلاع الحرائق في كل مكان، واليوم لديهم الدافع: الثأر للمرشد الإيراني خامنئي».

يقلل موظفون عراقيون وعناصر أمن داخل القاعدة من مخاوف الأجانب. يقول أحدهم إن «الأمور هادئة داخل القاعدة والأعمال تسير كالمعتاد خلال الحرب».

لكن الجماعات المسلحة خارج القاعدة تندفع نحو كسر الخطوط الحمراء في مناطق متفرقة من البلاد. يقول ضابط عراقي متقاعد كان يعمل في القاعدة قبل سنوات، إن «هذا العنف المتواتر من الفصائل يعكس خطة لفعل شيء ما (...) شيء ما خطير».

صورة شاشة من «غوغل إيرث» توضح موقع قاعدة بلد الجوية شمال العاصمة العراقية بغداد

على أطراف القاعدة الجوية مزارع وقرى تسكنها قبائل عربية مختلطة مذهبياً، لكن في السنوات التي تلت معارك التحرير من تنظيم «داعش» تمركزت ألوية تابعة لفصائل مسلحة تحت غطاء «الحشد الشعبي».

من الصعب التحقق تماماً من مصادر النيران التي تستهدف القاعدة الجوية، لكن مصادر محلية رصدت مسارين تكثفت منهما الهجمات، حزام بغداد الشمالي وأطراف محافظة ديالى.

ومن بين هجمات عدّة، أقرت وزارة الدفاع العراقية في 11 مارس 2026 بأعمال «عدائية متكررة» على القاعدة شُنت بالطائرات المسيَّرة والصواريخ على «مدار الأيام السابقة»، لكنها لم تذكر تفاصيل بشأن عددها والجهات الضالعة فيها.

وتخوض المؤسسات الأمنية التقليدية في العراق، من بينها سلاح الجو، مواجهة صامتة مع الجماعات المسلحة الموالية لإيران، وسط شكوك بأنها تحاول جاهدة استهداف الأصول العسكرية الاستراتيجية في البلاد.

رحلة إجلاء

حاولت الحكومة العراقية إقناع الشركة الأميركية بعدم المغادرة من القاعدة. ويقول المسؤول العراقي إن طاقم «برنامج الدعم اللوجيستي» لطائرات «F-16» أساسي لتشغيل السرب العراقي المقاتل، لكن محاولات إقناعهم لم تفلح.

ويفيد متعاقد مدني يعمل مع الشركة الأميركية، رفض الكشف عن هويته لأنه غير مخول التحدث علناً، بأن «الطرف العراقي لم يكن يدرك تماماً المخاطر الأمنية المتزايدة». وأضاف: «كان من الواضح أنهم يحاولون التقليل من معايير السلامة».

كذلك، يقول المسؤول العراقي: «بالفعل، فشلت محاولات إبقاء الطاقم الأجنبي في القاعدة (...) لقد اختاروا سلامتهم أولاً».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر متقاطعة، أن «العشرات من أعضاء الطاقم الأجنبي تم إجلاؤهم خلال الليل عبر طائرة الشحن الجوي العسكرية من طراز (C-130) إلى دولة مجاورة بالتنسيق مع الجيش الأميركي».

وتقول مصادر، إن «عمليات معقدة قادت إلى اختيار توقيت رحلة الإجلاء من قاعدة بلد بالتزامن مع هدنة قصيرة في الأسبوع الأخير من شهر مارس 2026».

وكان عدد من المستشارين الذين يعملون لصالح الشركة نفسها قد انسحبوا من مواقعهم أواخر فبراير (شباط) 2026، «بناءً على تقديرات مبكرة بازدياد المخاطر الأمنية قبل اندلاع الحرب».

ولم ترد شركة «V2X» على طلبات للتعليق حول ظروف إجلاء موظفيها من العراق، وفيما إذا كان العقد مع الحكومة العراقية لا يزال سارياً؟ كما رفض متحدث باسم وزارة الدفاع العراقية الرد على اتصالات «الشرق الأوسط».

ويظهر إفصاح في بورصة نيويورك، أن الشركة حصلت في يونيو (حزيران) 2025 على عقد جديد لتقديم خدمات الدعم لبرنامج طائرات «F-16» في العراق، بقيمة أولية تبلغ 118 مليون دولار.

الآن، لا تمتلك قاعدة بلد الجوية فريقاً متخصصاً بتشغيل طائرات الـ«F-16» العراقية، كما أن الحكومة لم تعد تملك الأموال الكافية لصيانتها، وفق المسؤول العراقي.

ويقول المسؤول، لـ«الشرق الأوسط»، إن الخيارات محدودة في ظل الحرب: «لم نكن نملك سوى الضغط على الشركة للبقاء في القاعدة، وهو ما لم يتحقق».

ومع دخول الحرب مع إيران الشهر الثاني، لم يتبقَّ سوى «عدد محدود من الأجانب داخل قاعدة بلد، لكنهم غير معنيين بالطائرات».

هجمات الفصائل العراقية على قاعدة بلد اشتدت أول مرة بعد اغتيال قاسم سليماني في بغداد (أ.ب)

تحوير الطائرة سياسياً

من المرجح أن تتحول «F-16» العراقية «مجرد خردة» في ملاجئ القاعدة بغياب المشغلين الأجانب. يقول العقيد المتقاعد سلام أسعد، وهو خبير عسكري، إنه من «الصعب تشغيلها من دون الخبراء الأميركيين، كما أن الطواقم المحلية ليس لديهم الخبرة لإدارة هذا السلاح الاستراتيجي».

على مدار سنوات كانت «الخصائص العراقية» لهذه الطائرة مثار جدل واسع، لا سيما ما يتعلق بقدراتها التسليحية. وحسب أسعد، فإن «القوات الأميركية كانت قد سحبت الكثير من المنظومات من الـ(F-16) حين سُلِّمت إلى العراقيين، كما لم تُزوَّد بصواريخ بعيدة المدى».

وغالباً ما تقوم الولايات المتحدة بإجراء تعديلات سياسية على أسلحتها وطائراتها، مثل «F-16»، لأسباب منها موازنة القوة بين الدول في الشرق الأوسط. وفي العراق، لا تتوافر في الطائرة القدرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى.

ويقول العقيد أسعد، إنه حتى خلال سنوات الحرب ضد تنظيم «داعش» كانت الطائرة «لا بد أن تكون مرافقة لطائرة أخرى من التحالف الدولي، الذي كان يقوم بتوجيه الطائرات العراقية لإصابة الأهداف».

وخلال العامين الماضيين، كانت القيادة الأميركية المركزية (سينتكوم) تقول إن القوات الجوية العراقية بدأت في تحقيق درجات أعلى من الاستقلالية في الصيانة، بالتزامن مع نجاح العراقيين في إدارة عمليات قتالية مستقلة في أجوائهم.

مع مرور نحو عشر سنوات على دخول «F-16» الخدمة الفعلية في العراق، تبيَّن أن الطريقة التي صممت فيها الولايات المتحدة برامج الطائرة وقدراتها، والجهود المستميتة للفصائل من نخر منشآت سلاح الجو، قد تضافرت في النهاية على تجريد العراق من ميزات هذا السلاح.

يرى ميزر كمال، وهو صحافي استقصائي يتعقب منذ شهور ما يقول إنها «محاولات الميليشيات لاختراق قاعدة بلد»، أن قاعدة بلد مثال صارخ على الاحتكاك الخطير بين المؤسسة والجماعات المنفلتة للسيطرة على أهم أصول العراق العسكرية الاستراتيجية.

ويقول كمال: «في 19 مايو (أيار) 2017، طلبت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي من شركة (سالي بورت)، التي كانت تشغّل القاعدة، وسرب طائرات (F-16) العراقية، تزويدها بكل الوثائق والمراسلات المتعلقة باختراق القاعدة من قِبل جماعة شيعية مسلحة».

ووردت تلك الطلبات في وثيقة استندت إلى مزاعم عن «عمليات سرقة معدات وتهريب وتجارة غير مشروعة إلى جانب تلاعب بسجلات الدوام أو الاحتيال في الجداول الزمنية».

وتنطلق وثيقة مجلس النواب الأميركي من تحقيق داخلي أجراه محققان يُدعيان روبرت كول وكريستي كينغ، من داخل قاعدة بلد عام 2017، كشفا فيه عن أن «الميليشيا» لم تحقق خرقاً واحداً فقط، بل تمكنت من زرع بيئة أمنية حول القاعدة».

اليوم، تبدو الهجمات المسيَّرة التي تشنها الفصائل المسلحة على قاعدة بلد الجوية شبيهة بمن يحرق مسرح جريمة كان يرتاده بشكل يومي. ويقول الصحافي ميزر كمال، إن «الصراع دائماً يدور حول مَن يسيطر فعلياً على الأصول العسكرية في العراق».

طائرة شحن عسكرية تعرَّضت للتدمير في قاعدة الشهيد محمد علاء الجوية (وزارة الدفاع)

ما الخطة؟

جاءت هجمات الفصائل على قاعدة بلد في سياق أوسع. فمنذ مطلع مارس 2026 شملت خريطة المسيَّرات المفخخة منشآت أميركية وأخرى عراقية.

ويعتقد أن الهجمات جزء من خطة إيرانية لإفراغ العراق من الوجود الأميركي. وقال مصدر مقرب من الفصائل، إنه «مع بداية الحرب كنا نعتقد أن الهدف من الهجمات الضغط على الأميركيين وإجبارهم على التفاوض مع إيران»، وتابع: «خرج الأميركيون ولم يظهروا تمسكاً بوجودهم في تلك المنشآت؛ الأمر الذي دفع إلى توسيع الأهداف».

حسب المصدر، فإن «الحرس الثوري» الإيراني كان يحرص على عزل خصومه الأميركيين وحلفائهم عن طائرات «F-16» لتبقى تحت أنظار الجماعات الموالية له، بل يريد منع أي طرف «معادٍ» من استخدامها خلال الحرب.

إلا أن مسؤولاً عراقياً سابقاً كان على صلة مباشرة بمفاوضات شراء الطائرات الأميركية يقول إن الجماعات الشيعية الموالية لإيران كانت تبدي حماسة كبيرة في معرفة كل شيء يتعلق بما كان يعد تاج الطيران العسكري في المنطقة.

ويقول المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «امتلاك العراق هذه الطائرات لم يكن حدثاً عادياً لتلك الجماعات؛ ما يعني أن إيران لم تكن مرتاحة أيضاً لوجودها ضمن أسطول الجو الوطني، على الأغلب لأنها تشكل تهديداً لنفوذها».

وكان هناك صراع خفي بين الجهات السياسية المتنفذة في العراق حول معرفة تفاصيل الطائرة والجهات التي يمكنها تشغيلها، وغالباً ما كان الأميركيون يحتكرون جزءاً كبيراً من قرارات التحليق والاستهداف، كما فهمت «الشرق الأوسط» من أجواء أميركية.

مع ذلك، يقول ضباط عراقيون، إن المؤسسة العسكرية العراقية ورغم وقوعها بين خصمين يتصارعان على النفوذ، فإنها لا تزال «تكافح للمحافظة على أصولها وعلى سرية المعلومات المرتبطة الأمن القومي».

طائرات عسكرية خلال عرض جوي في قاعدة بلد أبريل 2024 (أ.ف.ب)

«سيناريو القيامة»

يقول المسؤول العراقي، إن «معركة ضروس اشتدت في السنوات الماضية حول معلومات الطائرة بين الإيرانيين والأميركيين؛ إذ مضت جماعات مسلحة في محاولات متكررة للتلصص على كل ما يتعلق بأنظمة هذه الطائرات».

وتفيد شخصيات من داخل تحالف «الإطار التنسيقي»، لديها استياء من جماعات شيعية أصولية، بأن هناك مخاوف جدية من «انقلاب على ما تبقى من الدولة».

وقال أحدهم، إن «ما إن تنتهي الحرب مع إيران، تتجهز الفصائل المسلحة لسيناريو (القيامة)، باحتكار كل الأصول العسكرية التابعة للدولة، ومن خلفهم دعم سياسي وحكومي بتمثيل نيابي واسع، وحضور قوي في المؤسسات الرسمية».

وكانت «الشرق الأوسط» قد كشفت عن خطة وضعتها قيادات في «الحرس الثوري» الإيراني لـ«معركة أخيرة»، تتضمن «إجراء تغييرات حادة على النظام السياسي والأمني في العراق، باتجاه إلغاء قواعد الاشتباك مع اللاعبين الدوليين، وتأميم ما تبقى من المواقع الأمنية التي لم يشغلها بعد أشخاص موالون لإيران».

ولاحقاً، في 30 مارس 2026، صرح قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني، بأن «غرفة العمليات الحربية للمقاومة أسهمت في نظام جديد بالمنطقة».

ويتفق المسؤول العراقي السابق مع أن «محاولات سابقة من هذه الجماعات المسلحة كانت قد باءت بالفشل، لكن يمكن النظر إليها اليوم بوصفها تمريناً طويلاً، وقد حان الوقت لاستغلال دروسه في الحرب، مع انكشاف الساحة العراقية أمام الإيرانيين».


اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
TT

اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)

بينما اجتمع القادة العسكريون الأميركيون والإسرائيليون لوضع خطة الحرب مع إيران، تداولوا كيفية تقسيم المسؤولية عن مجموعة من الأهداف، بما في ذلك بطاريات الصواريخ والقواعد العسكرية والمواقع النووية.

وحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، فمن الواضح أن القادة اتفقوا على تولي إسرائيل مهمة ملاحقة قادة إيران وقتلهم، التي رأوا أنها «مهمة شاقة».

لكن يبدو أن إسرائيل نفّذت هذه المهمة بكفاءةٍ، حيث قتلت المرشد الإيراني علي خامنئي في الهجوم الأول للحرب، وأكثر من 250 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى منذ ذلك الحين، وفقاً لإحصاءات الجيش الإسرائيلي.

وجاءت الضربة الأخيرة يوم الخميس عندما أعلنت إسرائيل مقتل علي رضا تنغسيري، قائد القوات البحرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني.

لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

منظومة اغتيال مطوّرة بالذكاء الاصطناعي

تعتمد حملة الاغتيالات الإسرائيلية على منظومة اغتيالات أمضت إسرائيل عقوداً في بنائها، لكنها طورتها خلال السنوات القليلة الماضية لتصل إلى مستويات جديدة من «الكفاءة الفتاكة»، وفقاً لمسؤولين عسكريين واستخباراتيين إسرائيليين رفيعي المستوى.

وتتضمّن المنظومة مصادر وقدرات مراقبة داخل إيران، تشمل عناصر من داخل النظام تم تجنيدهم للتجسس لصالح إسرائيل، بالإضافة إلى اختراقات إلكترونية لآلاف الأهداف، بما في ذلك كاميرات الشوارع ومنصات الدفع، وأيضاً مراكز الإنترنت الحيوية التي تتحكم الحكومة من خلالها في الاتصالات، وتستطيع عن طريقها حجب الإنترنت عن مواطنيها عند الحاجة.

ويجري تحليل هذه البيانات وغيرها بواسطة ما وصفه مسؤولون إسرائيليون بمنصة ذكاء اصطناعي جديدة سرية، مُبرمجة لاستخلاص معلومات حول حياة القادة وتحركاتهم.

وأوضح مدير أبحاث إيران في معهد الدراسات الأمنية القومية، راز زمّيت، للصحيفة أن «التقدم في الذكاء الاصطناعي منح إسرائيل طريقة للاستفادة من بيانات كانت متاحة دائماً، لكنها كانت مستحيلة المعالجة سابقاً».

مخاوف من تحول الاغتيالات إلى استراتيجية مستمرة

يثير خبراء أمنيون مخاوف من أن إتقان إسرائيل المتزايد لعمليات الاغتيال المستهدف قد يخلق اعتماداً مفرطاً على هذه الطريقة، ويؤدي إلى توسيع نطاق الأشخاص الذين يمكن استهدافهم.

وقال خبير السياسة النووية والأمنية الإسرائيلية في معهد «كارنيغي» للسلام الدولي، أرييل ليفيت: «لقد تم تجاوز الحد بتحويل هذه الاغتيالات إلى استراتيجية دائمة بدل أن تكون ضرورة عملياتية عرضية».

وأشار ليفيت إلى أن توزيع المهام في الحرب الحالية يعطي الانطباع بأن «الولايات المتحدة اعتمدت على إسرائيل للقيام بالأعمال القذرة في الحرب»، مضيفاً أن الموقف الأميركي يبدو وكأنه «لا نستطيع قتلهم، لكن سنكون سعداء جداً إذا فعلتم أنتم ذلك».

وقال مسؤول أميركي مطلع على عمليات الحملة إن مسؤولية إسرائيل عن اغتيالات القادة تعكس ترتيباً عملياً بين الطرفين، مضيفاً: «نعمل معاً، لكن لكل طرف أهدافه الخاصة». وأوضح المسؤولون أن هذا التقسيم يعكس قدرات كل طرف وليس أي مانع قانوني، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة نفذت في السابق عمليات اغتيال مستهدفة بنفسها، بما في ذلك قتل الجنرال قاسم سليماني القائد السابق لـ«فيلق القدس» عام 2020.

ومن جهته، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضربات التي استهدفت قادة إيران بأنها عمل مشترك. وقال للصحافيين الأسبوع الماضي: «قتلنا جميع قادتهم، ثم اجتمعوا لاختيار قادة جدد، فقتلناهم جميعاً». وأكد أن هدف تغيير النظام قد تحقق، لأن «القادة الحاليين مختلفون تماماً عن أولئك الذين بدأنا معهم».

خبرات إسرائيل السابقة

استفادت إسرائيل من خبرتها السابقة في غزة ولبنان وإيران، مستخدمة طائرات مسيرة وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت وحتى عبوات تم زرعها مسبقاً للتفجير لاحقاً.

وقال مسؤول إسرائيلي: «منذ سنوات، كل شيء يمكن اختراقه حاولنا اختراقه، من المكالمات الهاتفية إلى كاميرات المرور إلى أنظمة الأمن الداخلية».

لكن على الرغم من دقة المعلومات الإسرائيلية، فإن بعض الضربات لم تحقق أهدافها بالكامل. ففي مارس (آذار)، قُصف مقر مجلس خبراء إيران في قم في حين كان أعضاؤه يعقدون اجتماعهم عبر الإنترنت، فلم يصب أحد بأذى.

ويقول خبراء إن إيران بدأت اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للتصدي للاختراقات التي تتعرض لها، مثل الحد من استخدام الهواتف من قِبل الحراس الأمنيين، وهو ما يمثل تحدياً مؤقتاً للاستخبارات الإسرائيلية.

Your Premium trial has ended