«اسكتش»... إبداعات نادرة لرواد التشكيل المصري

«اسكتش»... إبداعات نادرة لرواد التشكيل المصري

معرض قاهري يعالج فنياً أحزان النساء
الخميس - 30 محرم 1442 هـ - 17 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15269]

تظل الأنثى الحزينة فكرة محرضة على الإبداع ومصدراً ملهماً لأعمال عظيمة على مرّ التاريخ، تبارى في وصفها الشعراء ودارت حولها القصص والأمثال الشعبية في مختلف الثقافات. من دون اتفاق مسبق، تشتغل معظم الأعمال المشاركة في معرض «اسكتش» الجماعي المقام حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي في «جاليري بهلر» بوسط القاهرة، وعلى هذه الثيمة من خلال خطوط سريعة تسعى لاصطياد الأسى الشفاف في العيون والغضب المتواري في الظلال البعيدة مع تجسيد لحظات الإحباط العالقة بين الكتلة والفراغ.

يضمّ المعرض أكثر من ستين عملاً لعشرين فناناً، منهم جورج البهجوري، وعصمت داوستاشي، وعبد الرازق عكاشة، ورضا عبد السلام، وأحمد الجنايني، وإكرام عمر، فضلاً عن بعض الأعمال النادرة التي تعرض لأول مرة مثل عدد من اسكتشات الفنان الكبير الراحل صلاح طاهر، وممدوح عمار الذي يتم تكريم اسمه، وكذلك عفت ناجي، ومحمد ناجي.

ويعد ممدوح عمار (1928 - 2012) نموذجاً للموهبة الكبرى التي احتفى بها الغرب، واقتنت متاحف برلين وروما وباريس الكثير من أعماله، ومع ذلك لم يأخذ حقه من الشهرة أو الاحتفاء النقدي في مصر. ومن المفارقات، أنه رحل قبل أن يشهد أول محاولة على المستوى الرسمي لرد الاعتبار له حين قرر قطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة تكريمه ضمن معرض القاهرة الدولي للكتاب، لكن وافته المنية قبل التكريم المرتقب بفترة وجيزة.

وبينما تبدو الوجوه النسائية محمّلة بالتعب والإرهاق في أعمال فنان مثل أحمد الجنايني، تفاجئنا تلك الوجوه بعيون متسعة على نظرة أقرب ما تكون إلى الرعب لدى البهجوري، أمّا نساء صلاح طاهر فأدرن لنا ظهورهن في تعبير بليغ عن حالة من الاحتجاج الصامت ضد كل ما يحط من شأن حواء في مجتمعاتنا الذكورية. وتعد المذكرات المكتوبة بخط يد رائد الفن التشكيلي المصري سيف وانلي (1906 – 1979) مفاجأة المعرض، وفيها يروي الأكاديمي والفنان الكبير يومياته في مدينة الإسكندرية وقصة إنشاء أول «أتيليه» يضمّ ورشة عمل لتعليم أسس الرسم؛ ليصبح هو وشقيقه الفنان أدهم وانلي صاحبَي أول تجربة يقوم بها فنانون مصريون بتعليم الآخرين بعد أن كان الأمر مقتصراً على الأجانب المقيمين في مصر. ويشير مفهوم «الاسكتش» في الفن التشكيلي إلى مخطط أولي يستهل به الفنان لوحته، حيث يركز على الخطوط العريضة للعمل من دون الخوض في تفاصيله.

وحسب الفنان عبد الرازق عكاشة، فإن هذا المعرض يكتسب أهمية خاصة، حيث يلقي الضوء على جانب مجهول لدى عدد من رواد التشكيل المصري، لا سيما من الرعيل الأول الذي سافر إلى باريس وأقام نوعاً من التواصل بين الشرق والغرب كآدم حنين والأخوين سيف وأدهم وانلي، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التاريخ الثقافي احتفى بتجربة الأدباء الذين اشتبكوا مع الغرب، وتحديداً فرنسا كتوفيق الحكيم وطه حسين، وتجاهل تجربة الفنانين التشكيليين في هذا الصدد».

ويشدّد عكاشة على أن هذا الحدث يعد نوعاً من المصالحة بين المتلقي والمجتمع من ناحية وبين واحد من رواد التشكيل المصري، وهو الفنان ممدوح عمار الذي اختار العزلة في سنواته الأخيرة، مستشعراً نوعاً من الغبن وعدم التقدير، موضحاً أن «هذا هو السبب وراء اختياره وتكريم اسمه عبر عرض الكثير من أعماله التي تظهر للجمهور لأول مرة».

ومن جانبه، يرى سامح سعيد، رئيس مجلس إدارة «جاليري بهلر»، أن «تداعيات فيروس كورونا أصابت الحركة التشكيلية المصرية بشلل تام، وبالتالي كان لا بد من البحث عن عمل قوي وضخم يليق بمناسبة عودة النشاط بعد شهور من التوقف»، ومضيفاً أن «حفل الافتتاح حظي بتواجد الكثير من الشخصيات المهمة في هذا السياق». وبدت الفنانة إكرام عمر، زوجة الفنان ممدوح عمار «متأثرة للغاية حين تحدثت إلينا عن شعورها في هذه المناسبة التي تُكرّم اسم زوجها، حين أشارت إلى أن الرائد الراحل حاول أن يعتصم بالفن في مواجهة التجاهل من المنظومة الإعلامية، وظلّ يرسم حتى اللحظة الأخيرة في حياته»، مؤكدة أن «المعرض يعدّ نوعاً من ردّ الاعتبار له ولو بأثر رجعي».


مصر Arts

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة